الدرس في كيف نستقبل رمضان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد الخطيب على أهمية التزود بالعلم الشرعي قبل رمضان لمعرفة أحكامه. يشير إلى ضرورة العلم قبل العمل مستشهدا بقول إمام البخاري وآثار السلف الصالح.
يشدد الخطيب على أهمية العلم في رمضان لتحقيق الأجر وتلافي الأخطاء. يبين أن العلم يقي المسلم من الزلل ويفتح له آفاقا لفعل الخير.
يُشدد على أهمية حلقات العلم والذكر في رمضان لزيادة الأجور وتهذيب النفوس. تعتبر هذه الحلقات من أعظم وسائل التربية التي تصحح القلوب.
يختم الخطيب بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويطلب من الله الهداية إلى أحسن الأقوال والأفعال. يشير إلى أهمية العلم في استقبال رمضان ويصلي على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، فمما مر معنا في دروس أمس ما يتعلق بأهم ما ينبغي أن يستقبل به هذا الشهر المفضل، أعني به شهر رمضان، وكان من صور استقباله ما يكون من الفرح به والاستبشار بقدومه، ثم ثانيا ما يكون من التدرب على الطاعات وإصلاح النفوس قبل الدخول في هذا الشهر، فطوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان. ثالثا مما يستقبل به هذا الشهر الكريم، إخواني في الله، ما يكون من التزود من العلم الشرعي، وذلك بالتفقه في أحكام هذا الشهر، فكما لا يخفاكم أن شهر رمضان شهر قد جعل الله فيه من الشرائع والأحكام الشيء الكثير، ففيه من الفرائض والأركان والواجبات، وفيه من السنن والمندوبات والمستحبات، وفيه من النواقض والمبطلات، وفيه كذلك ما يتعلق بالمواقيت. هذه المسائل، إخواني في الله، تحتاج إلى فقه وإلى تعلم وإلى أن تتبصر، يا عبد الله، بهذه الأحكام. والعلم والفقه في أحكام الشريعة والمسائل الدين تكون قبل الدخول في الأمر، ودليله ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، قال إمام البخاري رحمه الله تعالى: «فبدأ بالعلم قبل القول والعمل»، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، أي قبل أن تقول عليك أن تتعلم، وقبل أن تفعل عليك أن تتعلم، فالعلم سابق للأقوال والأفعال والأعمال والأحوال. ويكون العلم قبل رمضان، قبل أن تدخل إلى هذا الشهر المفضال، يا عبد الله، كن على بصيرة بما أنت قادم عليه، ما يتعلق بأركانه وواجباته ونواقضه ومبطلاته، كن على بصيرة من أمرك، وإلا من لم يفعل ذلك فإنه سيخبط في شهره سيخبط خطة عشواء. وقد جاء عن سلفنا الصالح أثر في هذا عن عمر بن عبد العزيز وعن غيره، أنه قال: «من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح»، من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح، العبادة تفسد عليك، العبادة تفسد عليك، يا عبد الله، إذا كنت على غير علم. وتأمل بما جاء في الصحيحين في حديث الموسيء في صلاته، الذي صلى ولما أراد أن يجلس في مجلس رسول الله، عليه الصلاة والسلام، قاله نبينا: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، فعاد الرجل وصلى للمرة الثانية، ثم أراد أن يجلس في مجلس رسول الله، قال له نبينا عليه الصلاة والسلام: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، فرجع فأعاد الصلاة للمرة الثالثة، فلما انتهى من صلاته أتى رسول الله وأراد أن يجلس، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ارجع فصلي فإنك لم تصلي»، حينها علم هذا المصلي أن في صلاته خلل وأن فيها غلط وخطأ، فقال: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما أحسن إلا هذه»، فعلمني، طلب التعليم لعلمه أن صحة العبادة إنما تقوم على مقدار علمك، على مقدار ما عندك من علم. ولهذا، إخواني في الله، ينبغي للمسلم أن يتسلح بالعلم، وخاصة في هذا الشهر الفاضل، وذلك لعدة أمور، أولا لأن بالعلم، يا عبد الله، ستسلم من الخطأ والزلل. وانظر، يا عبد الله، إلى الفتاوى التي تعرض على علمائنا في فتاويهم، في كثير من الناس من لربما يخبط في صيامه خطة عشواء. فلان فعل كذا في رمضان، وفلان فعل كذا في صيامه، وفلان فعلت كذا في أيام صومها وقيامها، وقس على ذلك الأخطاء الشنيعة الكثيرة التي يقع فيها الكثير من الصائمين والصائمات، وما أوقعهم في هذا الغلط والخطأ إلا قلة الفقه والعلم والتبصر بأحكام الصيام، لكن بعلمك، يا عبد الله، تعرف الصواب من الخطأ فتسلم من الزلل. ثانيا من فضيلة تعلمك لأحكام الصيام، يا عبد الله، أنك تستطيع أن تصل إلى أهم الأعمال وإلى أفضل القربات بعلمك، جنال الذي يتعلم يعلم ما هي الأعمال الممدوحة، ما هي الأخوال المحمودة، ما هي السلوكيات المحبوبة، يعلم الأفضلية والخيرية وأين تكمن. كيف يفعل بعض الناس ما يصدر، كيف يفعل في رمضان ما عنده في رمضان إلا الصلاة والصيام فقط، يحرص على القيام وعلى الصيام فقط، لا، يا عبد الله، هناك كثير من الأعمال من أذكار، من أوراد، من فضائل الأعمال، هذا من الذي يستطيع أن يصل إليها يصل إليها من كانت عنده خلفية علمية في فضاء الأعمال. كيف يتصرف بعض الناس مثلا في رمضان يخبط، يصل التراويح ثم يصل القيام، صلاة على صلاة، أهذا هو الأفضل أم هناك هو الأفضل والأكمل من ذلك؟ هناك الأكمل والأفضل، كيف تتعرف على هذا عن طريق العلم، عن طريق العلم، ما يتعلق، يا عبد الله، بتبصرك في فضاء الأعمال، في فضاء الأقوال، ما يتعلق في الحفظ على أفضل الأعمال مثل الصلاة. كثير من الناس من يأتي لربما في رمضان، وهبلهم بعض من يعتكف في أواء رمضان، يصل الظهرة ويواصل إلى العصر، لكنه يبخل على نفسه بالنوافل قبلية لأنه جاهل بها، لا يؤدي النوافل البعدية لأنه لا علم بها، لا يحرص على الصف الأول، لا يحرص على تكبيرة الإحرام، لماذا هذا كله؟ هذه غفلة لأنه ما أعمل ما علم بأحكام هذه المسألة، لكن عن طريق العلم، يا عبد الله، تتفتح لك الآفاق فتستغل هذا الشهر حق الاستغلال بما آتاك الله من علم وبصيرة. ثالثا من فضاء العلم في شهر رمضان، إخواني في الله، الحصول على أعلى الدراجات، إذ أن حلقات العلم والذكر تعتبر من أعظم القربات، إلا أن الناس في منأى عنها، الكثير من الناس من يبخل على نفسه من الجلوس في حلقات العلم والذكر، وينشغل بغيرها من الطاعات، ولو أنه تمعن في أدلة الشرع علم أنه ما هناك عبادة توازي فضيلة العلم وفضيلة مجالس الذكر، ما هناك عبادة توازيها ولا تدانيها. كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «يا أبا ذر، لأن تغدوا إلى المسجد فتتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلي مئة ركعة»، أفضل عندما تأتي إلى باب العلم وتقارنه بباقي النوافل والمندوبات، فالعلم لا يبارى، لا أحد يباري ولا يداني فضيلة العلم والجلوس في حلقاته. فإخواني في الله، فمن أراد أن يستزيد من درجاته ومن أعماله الصالحة في رمضان فليحرص على كثرة حلقات العلم والذكر، ومن ذلكم حلقات القرآن، فإنها من مجالس الذكر. ولله الحمد في هذا المسجد العامر تقام دائما ودوما المجالس العامرة بالعلم والتذكير والوعظ والإرشاد بعد الظهر وبعد العصر، كذلك في المساء، وهناك حلقات القرآن التي تقام في مثل هذه المساجد المباركة. ينبغي أن يحرص الإنسان بنفسه وعلى أهله وعياله بماذا؟ بإدخالهم في مثل هذه الحلقات المباركة، لما فيها من كثرة الأجور التي لا يعلم بها إلا الله. رابعا وأخيرا، إخواني في الله، من فضيلة العلم في مثل هذه المجالس المباركة أنها تعد من أعظم وسائل التربية، من أعظم وسائل التربية التي تربى فيها النفوس وتهذب بها الصدور، فالإنسان، إخواني في الله، صحيح لربما تنكسر شوكته وشيطانه وشهوته في رمضان، لكن يحتاج هذا الانكسار إلى توجيه وتعديل، فيأتي العلم، العلم يوجه إلى مكارم الأخلاق إلى محاسن الآداب. فالعلم من أعظم وسائل التربية، ولهذا قال إمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو يخاطب الربيع بن سليمان: «إذا أردت إصلاح قلبك أو ابنك أو أخيك أو من شئت إصلاحه، فأودعه في حلقات القرآن، فإن الله سيصلحه شاء أم أبا»، فإن الله سيصلحه شاء أم أبا. فهذه المجالس، إخوانا في الله، من أعظم المجالس المعينة على التربية، فمن أراد أن يتربى أو أن يربي غيره من إخوانه ومن أبنائه ومن أهله ومن أحفاده، أن يوجههم إلى الصراط المستقيم، فليدفع بهم دفعا إلى مجالس العلم، حين تأتيه المواعظ ويأتيه الإرشاد ويأتيه الذي يعلقه بالله سبحانه وتعالى. فأخواني في الله، فالعلم من أعظم الأمور التي يستقبل بها هذا الشهر الكريم، فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.