الخطبة بعنوان دروس وعبر من عاشوراء، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش 10 محرم 1445هـ الموافق 28 يوليو 2023م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يوم عاشوراء له فضل عظيم ويتضمن دروسا وعبرا حول فضل الله على المؤمنين ونجاتهم وإهلاك الظالمين. كما يحث على الصبر والتوكل على الله.
تُستخلص من قصة موسى عليه السلام دروس حول التوكل على الله والأخذ بالأسباب والصبر في مواجهة الابتلاء. كما تُظهر أهمية الثقة بالله في الشدائد.
يتضمن المقطع أحكاما حول الصيام، مثل عدم تخصيص يوم الجمعة بصيام إلا في سياق صوم معتاد أو مصاحب ليوم آخر. كما يبين جواز صيام عاشوراء مع يوم آخر.
يؤكد على أهمية اتباع الأحكام الشرعية في الصيام مثل صيام عاشوراء مع يوم آخر، ويتضمن دعاء لرفع البلاء عن المسلمين وطلب الرحمة من الله.
معاشر المسلمين، فضيلة هذا اليوم، وأن له فضلا عند أهل الإسلام، وأن أهل الإسلام أولى به من غيرهم. وفي يوم عاشورا، وما أنجى الله عز وجل فيه موسى عليه الصلاة والسلام، عدد من الدروس والعبر والعضات. من هذه الدروس والعبر والعضات أن فيه فضل الله عز وجل على أهل الإيمان. فالله عز وجل أخبرنا في قصص كثيرة، وفي قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، وما كان من كفرهم وعنادهم، الكثير من العبر والعظات. ولكن ينبغي أن نعلم أن التوكل لا يتم إلا بثلاثة أمور: أولها معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته وحسن أفعاله، والثقة به. فإذا تحققت هذه المعرفة، عظم الرب العظيم في قلب المؤمن. عند ذلك، مهما أقبلت الأسباب أو أدبرت، فإنه لا يلتفت إلا إلى ربه العظيم. ومن ذلك أنه كذلك يعتمد على مسبب الأسباب، لا الأسباب، لأن الله عز وجل خالق هذه الأسباب ومدبرها سبحانه وتعالى. ومن الدروس والعبر، معاشر المسلمين، أننا كذلك نعلم سنة الله سبحانه وتعالى بالابتلاء بأهل الإيمان. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بصحيح مسلم، من حديث أبي هريرة: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». فأهل الجنان لا يزال يأتيهم من المكاره والمشاق والابتلاءات ما يكفر الله عز وجل لهم به السيئات، وما يكون لهم به رفع الدرجات. لا يجوز تخصيص زمان ولا مكان بعبادة لم يخصها الشرع بذلك. ومن فعل ذلك فقد فتح باب بدعة وضلالة. ويدل على ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو قيام. ولكن إذا كان في صوم يصومه أحدنا، كما جاء معناه بأحاديث أخرى، فإنه يؤذن به، أو يصوم قبله، أو يصوم بعده. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله، كانت بتاريخ العاشر من شهر محرم لعام ألف وأربعمائة وخمسة وأربعين من الهجرة النبوية. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرسها الله. ﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مِنْ يَهْدِيَ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير، الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، واليهود يصومون يوم عاشورا، فسأل عن ذلك، فقالوا: «ذلك يوم نجى الله عز وجل فيه موسى». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بموسى منهم، فصامه وأمر بصيامه». هذا الحديث العظيم، معاشر المسلمين، يدلنا على فضل يوم عاشورا، الذي صامه عليه الصلاة والسلام، وأمر أصحابه بصيامه. بل كان في أول الإسلام، وقبل فرض صيام رمضان، أمر بصيامه على وجه الوجوب. ثم لما شرع الله عز وجل صيام رمضان، صار مستحبا. كما جاء بحديث قتادة في الصحيح: «أنه يكفر السنة، أو يحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية، أو قال: السنة التي قبله». وفي هذا، معاشر المسلمين، فضيلة هذا اليوم، وأن له فضلا عند أهل الإسلام، وأن أهل الإسلام أولى به من غيرهم. وفي يوم عاشورا، وما أنجى الله عز وجل فيه موسى عليه الصلاة والسلام، عدد من الدروس والعبر والعضات. فمن هذه الدروس والعبر والعضات أن فيه فضل الله عز وجل على أهل الإيمان. فالله عز وجل أخبرنا في قصص كثيرة، وفي قصص الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، وما كان من كفرهم وعنادهم، الكثير من العبر والعظات. ومن ذلك أن الله عز وجل ينجي المؤمنين، ولو بعد حين. وأن الله عز وجل يهلك الكافرين والظالمين، ولو تأخر. فإن عدل الله عز وجل واقع لا محالة. ولنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون، الذي عتا وتكبر، وصنع عظيم ما يفعل الظالمون، فقد ظلم ظلما عظيما، وتكبر كبرا كبيرا. ومع ذلك، كانت نهايته أن أغرقه الله عز وجل. ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾. أليس لنا عبرة بفرعون، وظلمه، وتكبره، وتجبره، وكيف أغرقه الله وأهلكه؟! وكانت العاقبة للمؤمنين المتقين. ومن الدروس والعبر، معاشر المسلمين، نعرف فيه فضل الصبر، وحسن عاقبته. كم صبر موسى عليه الصلاة والسلام، ومن معه من المؤمنين؟! قتل نساءهم وأطفالهم، استحييت نساؤهم، وقتل أطفالهم، فرعون الظالم. وتتبع المؤمنين، حتى كانوا لا يستطيعون أن يصلوا إلا في بيوتهم. فعل بهم الشيء العظيم الكثير. صبروا حتى مرت السنون والأعوام. فكانت العاقبة للمتقين، بحسن صبرهم. وهكذا سنة الله سبحانه وتعالى. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا حديث كثيرة، الأمر بالصبر، والحث عليه. فإن النصر مع الصبر، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فها نحن نرى كيف جعل الله عز وجل النصر مع الصبر، بما كان من صبر موسى ومن معه عليه الصلاة والسلام. وهكذا من الدروس والعبر والعضات التي نأخذها من قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وما أنجى الله عز وجل فيه موسى ومن معه في يوم عاشورا، عظيما منزلة التوكل في هذا الدين العظيم. فإن للتوكل منزلة عظيمة في دين الله سبحانه وتعالى. انظروا كيف اشتدت واشتدت واشتدت، اشتد البلاء، حتى وقف موسى ومن معه، والماء أمامه، وفرعون ومن معه خلفه. فقال بعض من كان إيمانه حديث: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. فقال موسى عليه الصلاة والسلام قول الواثق بربه وخالقه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فأنجاه الله سبحانه وتعالى ومن معه، وأغرق فرعون ومن معه. فهذه سنة الله سبحانه وتعالى في نصر المتقين، وإثابة المؤمنين، وإن جاؤهم سبحانه وتعالى. وإهلاك الظالمين. ولكن ينبغي أن نعلم أن التوكل لا يتم إلا بثلاثة أمور: أولها معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته وحسن أفعاله، والثقة به. فإذا تحققت هذه المعرفة، عظم الرب العظيم في قلب المؤمن. فإذا تحققت هذه المعرفة، عظم الرب العظيم في قلب المؤمن. عند ذلك، مهما أقبلت الأسباب أو أدبرت، فإنه لا يلتفت إلا إلى ربه العظيم. ومن ذلك أنه كذلك يعتمد على مسبب الأسباب، لا الأسباب، لأن الله عز وجل خالق هذه الأسباب ومدبرها سبحانه وتعالى. فعند ذلك، مهما أقبلت الأسباب أو أدبرت، فأنت تعلم أن ربك وخالقك يختار لك خير مما تختاره لنفسك. فعند ذلك يكون عندك من برد اليقين، وسلامة ظن، ما يجعلك تثق بربك ثقة عظيمة. وكذلك أنه لا ينافي التوكل الأخذ بالأسباب. بل لا يتم التوكل حتى تعمل بالأسباب. فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم، إمام المتوكلين، اتخذ الزاد والراحلة للسفر. وهكذا أخذ سلاحا، ولبس المجن على رأسه حين قاتل عليه الصلاة والسلام. فالأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، بل لا يتم التوكل إلا به. وهكذا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام، جاهد موسى بما استطاع، ومن معه على قلته، وحاول أن يدافع أمر فرعون ومن معه. فأخذ بالأسباب القليلة، فأعانه الله ونصره وأيده، وهيى له من الأسباب ما يكون به غرق فرعون. لو لم يكن إلا هربه من فرعون، فإنه من الأسباب للنجاة. فكان سبب نجاته وغرق فرعون. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين الظالمين. ومن هذه الدروس والعبر أننا نرى أن فرج الله سبحانه وتعالى يأتي بعد الشدة. فإن الشدة إذا جاءت، استيقنت أن فرج الله سبحانه وتعالى قرب. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن: «أن الفرج مع الشدة». فإن الفرج يأتي مع الشدة، والأمور. فلذلك، أيها المؤمن، إذا مر بك في حياتك شيء من البلاء، ثم الشدة، هذا البلاء، فلتعلم، ولتكن على يقين بقرب الفرج بإذن الله سبحانه وتعالى. فإن الليل مهما طال، لابد من طلوع الفجر. وإن الظلم مهما امتد، فلابد من الفرج والنصر من الله سبحانه وتعالى. ولنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام العظة والعبرة. كم مروا بعدد من البلاءات، وكذلك الاعتداءات، والظلم العظيم، حتى كان منتهاه أن وقف موسى عليه الصلاة والسلام، والماء أمامه، والعدو خلفه. فكان بعد ذلك نجاته عليه الصلاة والسلام ومن معه. ومن الدروس والعبر، معاشر المسلمين، أننا كذلك نعلم سنة الله سبحانه وتعالى في الابتلاء لأهل الإيمان. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم بصحيح مسلم، من حديث أبي هريرة: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات». فأهل الجنان لا يزال يأتيهم من المكاره والمشاق والابتلاءات ما يكفر الله عز وجل لهم به السيئات، وما يكون لهم به رفع الدرجات. وفي الابتلاء عظات وعبر أخرى. فمنها أن يمتحن الله عز وجل أهل الإيمان، فيفرج أهل الصفاء والنقاء، ويبتعد أهل النفاق والشقاء. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في الامتحان والابتلاء للتمحيص. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. وهكذا من سنة الله سبحانه وتعالى أنه يمهل ويمهل ويمهل، ولكنه إذا أخذ أخذ عزيز مقتدر. يمهل لعل ظالما يتوب، ولعل معتديا يرجع. ويكون بهذا إقامة الحجج على الكافرين والظالمين، بإمهالهم وإعطائهم الفرص والعظات والدروس. فإذا لم يرجعوا أهلكهم. وقد قامت عليهم الحجج. وها نحن نرى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام كم حاول موسى عليه الصلاة والسلام في دعوة فرعون بالكلمة اللينة، والدعوة الصادقة، حتى أن الله عز وجل أوحى إليه بأن يقول قولا لينا لعله يتذكر ويخشى. ومع ذلك لم ينتفع بذلك كله، استمر في ظلمه وطغيانه وجبروته وبغيه، حتى أخذه الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر. وهكذا كذلك، عباد الله، في تأخير النصر والفرج، عبادة عظيمة. يبتهل فيها المؤمن إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء، ويعرف مقام العبودية بكثرة الالتجاء. فعند ذلك تقوم من مقامات العبودية والتذلل والخضوع بين يدي الله سبحانه وتعالى ما لا يتحقق في وقت الرخاء، ولكنه يكون في وقت الشدة. ولهذا يجيب الله عز وجل الدعاء في وقت الشدة ما لا يجيب في وقت الرخاء. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾. فالله عز وجل يجيب دعوة المضطرين، ويرفع البلاء عن المكروبين، بما يكون من حسن تعبدهم وتذللهم وخضوعهم بين يديه سبحانه وتعالى. ولذلك نرى بقصة موسى عليه الصلاة والسلام كيف ابتهل بالدعاء، كيف ابتهل بالدعاء والتجأ إلى الله سبحانه وتعالى بعظيم النداء. فكان من ذلك أن أنجاه الله عز وجل ومن معه. وهكذا كذلك أنت، يا أيها المسلم، ما يمر بك من بلاء، فاعلم أن لك فيه مقاما عظيما من مقامات العبودية. ترتمي بين يدي الله سبحانه وتعالى، داعيا وساجدا، خاضعا، دليلا، تسأله من عظيم فضله، وواسع عطائه، أن يرفع عنك البلاء، وأن يزيل عنك الشقاء، وأن يبدل ذلك بالنعماء، ويدفع تلك الضراء. فتجد من لذة المناجاة والدعاء والعبادة ما يكون أعظم من ذلك البلاء. ولذلك تجد أن الموفقين من عباد الله يتمنون أن ذلك البلاء يعود، لما كانوا يجدون من لذة المناجاة والدعاء والابتهال والخضوع والذل بين يدي الله سبحانه وتعالى بزمن البلاء. وذلك لا يتكرر. فإذا ابتلاك الله، فاعلم أن الله عز وجل أنعم عليك بنعمة عظيمة. لو لم يكن إلا أن دعاك بعد غفلتك لتتعبد إليه بالدعاء، وترتمي بين يديه بالمناجاة، فيستجيب دعاءك، ويقبل عبادتك، ويقربك منه سبحانه وتعالى. وعند ذلك تعلم معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه أحمد وغيره، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إن الله ليرفع العبد المنزلة بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه». يبتليك فيرفعك الله عز وجل إلى الدرجات العالية، بما يكون من صبرك، بما يكون من دعائك، بما يكون من حسن توكلك وظنك بربك وخالقك. بما يكون كذلك من تحقيق مقامات العبودية، مع هذا البلاء الذي ابتلاك الله عز وجل به، مع ما يكون من ثباتك على دينه القويم، وصراطه المستقيم، مع ما ابتلاك الله عز وجل به. فإنك إن لم تغير ولم تبدل مع وجود هذا البلاء، كان ذلك من أعظم علامات صدقك، وصحة إيمانك. كثير من الناس إذا ابتلوا، صار البلاء سببا في نكوسهم وانتكاستهم، ورجوعهم وقهقرتهم. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى. ومن هذه الدروس والعبر، في هذه القصة، قصة موسى عليه الصلاة والسلام، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، عظيم منزلة الأنبياء والرسل في قلوب المؤمنين. فإن للأنبياء والرسل جميعا منزلة عظيمة في قلوب المؤمنين، من المحبة والإجلال والاحترام والتعظيم. من وجه الشرعي، في قلوب المؤمنين للأنبياء جميعا، ما هو أعظم مما في قلوب أتباع الأنبياء، أو من يدعي أنه من أتباع الأنبياء. فالمسلمون والمؤمنون في قلوبهم من الحب والثناء والإجلال والاحترام لموسى وعيسى، أعظم مما عند اليهود والنصارى. فإن اليهود والنصارى أولا كفروا ببعض الأنبياء، وآمنوا ببعض. وثانيا لم يصدقوا في حسن الاتباع والانقياد لأنبيائهم ورسلهم. فكان المؤمنون هم أحق الناس حبا وصدقا في اتباع الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ولنا في هذا الحديث، وما فيه، قصة وعبرة. وأخيرا، والعبر والدروس كثيرة، ولكن نختم بهذه: أن في هذه القصة من مواضع الولاء والبراء، ومن مواضع مخالفة الأعداء، ما يجب أن يكون درسا عظيما لأهل الإيمان. فهذا النبي صلى الله عليه وسلم، في عبادة من العبادات، وفي صيام، ومع ذلك أمر بمخالفة اليهود، بأن يصام يوم قبله، أو يوم بعده، مخالفة لأهل الكتاب لهؤلاء اليهود. فكيف بمن يتابعهم، ويتشبه بهم في عقائدهم، وفي عباداتهم، وفي معاملاتهم، وأخلاقهم، وسلوكياتهم، وفي لباسهم، وغير ذلك؟! فإنه قد سقط سقطة عظيمة، بما كان من هذه المذلة في هذه المتابعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عند أحمد، بإسناد صحيح، من حديث عبد الله بن عمر: «من تشبه بقوم فهو منهم». وعند الطبراني، من حديث حذيفة رضي الله عنه: «لا تهذوا زي اليهود والنصارى حتى تشابه القلوب القلوب». واعلموا، عباد الله، أن أحق من يتبع هو نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم. أولا لأنه جاء بالدين القويم والصراط المستقيم، وحفظ بوحي الله سبحانه وتعالى المنزل عليه عليه الصلاة والسلام. وثانيا لعظيم منزلته، وكذلك كبير درجته، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، ختم برسالته سائر الأديان. فمن اتبع دينا غير دينه، فهو من الخاسرين. كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ولأنه عليه الصلاة والسلام، فدي إلى دين الوسطية، الحق بالمعايير الشرعية، لا بالأهواء والعواطف. فلذلك، فأهل الإسلام عندهم ما يكفيهم، فلا يحتاجون أن يشرقوا أو يغربوا. ومن شرق وغرب، فإنه لا بد ولا محالة أن يقع في الضلال والزلل، فضلا عن المنقصة الدنيوية قبل المنقصة الشرعية. وهذا نراه في من يذل نفسه، ويسقط نفسه في قاذورات اليهود والنصارى، والشرق والغرب، بتلك المتابعة، وتلك التقليد. ولذلك، معاشر المسلمين، كان من أسباب انحراف الكثير من المسلمين، تقليدهم لهؤلاء الكافرين، التي قد حرمها الله عز وجل في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بموجب شرعنا، وأن يبقينا بموجب ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن مما يناسب ذكره، والتنبيه عليه، والاتفاق به، أنه وافق بهذا العام صيام يوم عاشورا يوم الجمعة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنه نهى أن يخص يوم الجمعة بصيام، أو ليلها بقيام. وجاء في البخاري، بمعنى من حديث جابر. وعند أحمد، بإسناد صحيح، من حديث بريدة: أنه نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخص يوم الجمعة بصيام، أو ليلها بقيام. وجاء في البخاري، من حديث جويرية رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة، فقال لها: «أصمت قبله؟» قالت: لا. قال: «أصومين بعده؟» قالت: لا. قال: «فأفطري إذن». فدل هذا الحديث على نهي تخصيص يوم الجمعة بصيام، أو قيام. وذلك لأن يوم الجمعة عيد من أعياد المسلمين في الأسبوع، فلا يجوز أن يخص بصيام دون سائر الأيام، لأنه يكون فيه أولا منافاة ما ينبغي من الفطر فيه، فهو الأفضل والأكمل. وثانيا لما يكون من التعبد بشيء لم يشرعه الله، ولم يأذن به. ولهذا قال العلماء، وأخذ من هذا الحديث قاعدة: «لا يجوز تخصيص زمان، ولا مكان، بعبادة لم يخصها الشرع بذلك». ومن فعل ذلك، فقد فتح باب بدعة وضلالة. ويدل على ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، أو قيام. ولكن إذا كان في صوم يصومه أحدنا، كما جاء معناه في أحاديث أخرى، فإنه يؤذن به، أو يصوم قبله، أو يصوم بعده. فمثلا من كان يصوم صيام داود عليه الصلاة والسلام، بصيام يوم، وإفطار يوم، فإنه سيوافق صيامه يوم الجمعة. فإذا صام يوم الجمعة، فيكون قبله مفطرا، وبعده مفطرا، لكنه لم يخص يوم الجمعة لذاته، وإنما لأنه وافق صياما يصومه. وهكذا كذلك، على الصحيح، لو وافق صيامه ما كان يصام، لا لذات اليوم، فيوم عرفة، وما كان بمعناه. فإذا جاء يوم عرفة في يوم الجمعة، جاز أن يصام منفردا، على الصحيح. والمسألة فيها خلاف، لأنه صوم كان يصومه، والمقصود هو يوم عرفة، ليس يوم الجمعة. وإن صام قبله، كان أفضل، كذلك. وأما صيام عاشوراء، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بمخالفة اليهود، بصيام يوم قبله، أو يوم بعده، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. فبهذا نعرف فقه المسألة، وأن مدارها على عدم تخصيص يوم الجمعة في الصيام، وأن من احتاج أن يصوم فيه، فلا حرج، إن صام يوما قبله، أو يوما بعده، أو كذلك أن يكون في صيام يصومه، ليس المقصود منه هو صيام عين يوم الجمعة. وتأتي هنا مسألة لمن كان يصوم يوما ويفطر يوما، فإنه يصوم صيام الدهر. فإنه يصوم الصيام الذي لا يجد معه أن يخالفه، بصيام الدهر. كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «وكان قد نذر أن يصوم النهار، ويقوم الليل». فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفق بنفسه، كما جاء بالصحيحين، والحديث له طرق وروايات. والشاهد منه أنه أمر أن يصوم ثلاث أيام من كل شهر. فقال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك». قال: «صم الاثنين والخميس». قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك». قال: «صم يوما وأفطر يومين». قال: «يا رسول الله، أطيق أفضل من ذلك». قال: «صم يوما وأفطر يوما». فإنه صيام نبي الله داود، «وكان أعبد الناس». فقال: «يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك». فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». لا صام ولا أفطر. فمن صام الدهر، فنهى أن يصوم المسلم أكثر من ذلك. فلما كبر عبد الله بن عمر، وشق عليه الصيام، صار لا يستطيع، فيفطر، فيكره أن يترك ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم على شيء، ثم يخالف فيه، لأن فعله كان نذرا. فكان إذا أفطر، قضى من مكانه أياما أخر، حتى لا يموت، وقد خالف ما تركه عليه النبي صلى الله عليه وسلم. ونستفيد من هذا أن هذا فيمن أفطر، وأراد أن يكمل النقص، والجبر، ويجبر النقص. فكذلك لمن كان يصوم يوما يفطر يوما، فإذا وافق يوم عاشوراء يوم فطره، فماذا يصنع؟ هل لا يصومه، لأنه سيكون قد زاد يوما، وقد نهى عن الزيادة عن صيام يوم، وإفطار يوم؟ الجواب: يصومه، ولكن يفطر مكانه أياما أخر. فيصوم مثلا كان صائما يوم الخميس، وسيصوم يوم السبت، ويوم الجمعة هو يوم فطره، ولكن يوم الجمعة هو يوم عاشوراء. فإذا سيصوم الخميس، وسيصوم الجمعة، ولكنه سيفطر يوم السبت، ويفطر يوم الأحد، حتى لا يخالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا نعلم أن المسلم يدور مع الأدلة حيث دارت، ويتتبع الأحكام الشرعية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا بموجب شرعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلح حالنا، وحال المسلمين، بكل مكان. اللهم أصلح حالنا، وحال المسلمين، في بلادنا هذه، وفي العراق، وفي سوريا، وفي سائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين. اللهم يا ربنا، يا رب السماوات والأرض، يا حي يا قيوم، قد أصابنا، وأصاب المسلمين، من القحط والبلاء، والشدة والكرباء، ما لا يعلم إلا أنت سبحانه وتعالى. اللهم فارفع عنا البلاء، وادفع عنا الضراء، واغثنا، يا رب العالمين، بغيث السماء، وغيثك برحمتك، يا أرحم الراحمين. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، غيثا مغيثا، غدقا صبقا، نافعا غير ضار، يا رب العالمين. اللهم اجعل لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويدل فيه أهل معصيتك. اللهم ولي علينا خيارنا، ولا تولي علينا شرارنا. اللهم أصلح أمتنا، ولا تؤمنا، واجعل إلهتك فيمن خافك، واتقاك، واتبع رضاك. والحمد لله رب العالمين، والحمد للعالمين.