تأملات في آيات الصيام 8

الدرس في تأملات في آيات الصيام 8، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

فضل القرآن في رمضان ووجوب الصيام لمن شهد الشهر

يبرز المقطع عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في رمضان ومدارسته لجبريل، مؤكداً أن القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين. ثم يوضح أن آية ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ناسخة للتخيير ومفصلة لشروط وجوب الصيام مع استثناءات الحائض والنفساء والمجنون عند الجمهور.

نية صيام رمضان وحكم رؤية الهلال للفرد المنفرد

يؤكد أن نية صيام رمضان محلها القلب وتكفي القصد دون تلفظ بصيغ محددة، مستنداً إلى الآية الكريمة. ويناقش حكم من رأى هلال رمضان وحده بينما لم يره أهل بلده، مرجحاً صومه سراً درءاً للفتنة مع الاستناد إلى حديث «صومكم يوم تصومون» وأقوال الفقهاء في مراعاة الجماعة.

أحكام رؤية الهلال وشروط ثبوت دخول الشهر وخروجه

يتناول خلاف العلماء فيمن يرى الهلال وحده بين الصيام سراً أو الفطر مع الناس، مع اتفاقهم على عدم إظهار الفطر علناً. كما يبحث جواز استخدام المناظير في التحري، ويشترط الجمهور عدلين لإثبات دخول رمضان وخروج شوال، بينما يجيز الشافعية وأحمد عدلاً واحداً لدخول رمضان مستندين إلى حديث ابن عمر.

الدعاء الختامي والشكر

يدعو المتحدث الله أن يفقههم في الدين، ويتقبل صيامهم وقيامهم، ويعيذهم من الفتن ويغفر لهم. ثم يصلي على النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويشكر المشاهدين على متابعتهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، سيدنا ونبينا الصادق الأمين، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا زلنا في بعض آيات الصيام التي نقرؤها ونعلمها ونتدبر شيئًا من أحكامها التي ذكرها أهل العلم الراسخون، رحمة الله تعالى عليهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. وكنا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. ووقفنا في أمر حوله سبحانه أن القرآن بيان، وأن القرآن فيه الهدى للناس، لمن أراد الله له الهداية فاهتدى بهدي القرآن. كيف كان هدي نبينا صلى الله عليه وسلم في رمضان مع القرآن؟ في صحيح الإمام البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يدارسه جبريل القرآن. فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة. متفق عليه. كان النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يدارس جبريل القرآن، يعني يسمع هذا لهذا وهذا لهذا، طيلة أيامه صلى الله عليه وسلم التي أدركها من رمضان. وفي العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم دارسه جبريل القرآن ختمتين. في كل عام ختمة، إلا العام الذي توفي فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن جبريل دارسه فيه القرآن مرتين، أي ختموا في رمضان ختمتين. وكانت المدارسة في الليل. هكذا كان نبيكم صلى الله عليه وسلم في عنايته بكلام الله عز وجل، فهو يقوم به ويدارسه مع جبريل، ويصلي ويقرؤه ويتدبره، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هكذا كان، فإذا قرأ القرآن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في طيلة العام جوادًا لا يرد سائلًا ولا يخيب من أتاه آملًا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكنه في رمضان يتضاعف عنده الجود والإكرام، وهو الكريم الجواد صلى الله عليه وسلم. فلا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يدارسه جبريل القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة. الريح إذا حملت شيئًا بثته في الأرض جميعًا، وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوده وكرمه بعد مدارسته مع جبريل القرآن. انظروا إلى أثر القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾، هذه الصفة الأولى. ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. وصف الله القرآن أيضًا بصفتين أخريين، فقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فالقرآن أيضًا شفاء، من أعظم العلاجات التي يغفل عنها كثير ممن يبتلى بالأمراض. القرآن شفاء لما في الصدور، وشفاء لما في الأبدان. يذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في رحلته في طلب العلم، يوم أن كان طالبًا للعلم بمكة المكرمة، قال: كانت تنتابني أوجاع وآلام وأمراض لا أجد علاجها، أمراض غريبة وأوجاع غريبة في مكة. قال: فكنت أتداوى بسورة الفاتحة وأجد لها أثرًا عظيمًا. سورة الفاتحة عظيمة لمن عرف معناها وتبرك بها وقرأها حال مرضه. عندك ألم في موضع من المواضع، عندك وجع، لو قرأت سورة الفاتحة تبرأ بإذن الله عز وجل، بقدر ما في صدرك من الإيمان. ابن القيم يقول: فأجد من أثر سورة الفاتحة على تلك الأوجاع ما لا أجده في غيرها. كثير من الناس يهمل هذا الأمر، لو أنه استخدم العلاج، هذا سبب شرعي لا بد منه، استخدم العلاج، يذهب إلى الطبيب، يستخدم الدواء، وأيضًا يقرأ القرآن، يتبرك بالقرآن. فالله عز وجل يقول: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾، هذه لفظة عامة للأمراض جميعًا، ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. ويقول سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، هذه صفة جديدة للقرآن: برهان، هي نظير قوله تعالى: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. هذه كلها من صفات القرآن، فيستحب الاستشفاء والتداوي والرقى وغير ذلك بكلام الله عز وجل، فإنه خير ما يستشفى به. يقول الله عز وجل بعد هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. بعد هذا المقطع، ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. هذا المقطع مقطع عظيم، فيه كثير من الأحكام، وفيه كثير من أجوبة النوازل. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، أي حضر دخول هلال رمضان، ودخول أول شهر رمضان، وهو مقيم، وهو صحيح، وهو بعافيته، فمثل هذا يجب عليه أن يصوم رمضان. هذه الآية ناسخة لما تقدم من التخيير لمن قدر على الصيام بين الصيام والإطعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. نسخت بهذه الآية، وهي: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. من شهد دخول رمضان، يستثنى من هذا المرأة الحائض والمرأة النفساء، فهي حاضرة غير مسافرة، وهي صحيحة غير مريضة، والصوم عليها حرام بإجماع العلماء، بإجماع العلماء. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، إذا كان صحيحًا مقيمًا عاقلًا، ولم تكن المرأة حائضًا ولا نفساء. هكذا قال أهل العلم، هكذا قال أهل العلم، إلا الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة المجنون، وهو المذهب القديم للإمام الشافعي رحمه الله، فإنه قال: إذا حضر المجنون، إذا حضر المجنون دخول شهر رمضان، يبقى في ذمته الصيام حتى إذا أفاق، يبقى في ذمته الصيام إذا أفاق. هذا مذهب الإمام مالك، وهو القول القديم للإمام الشافعي رحمه الله، ورجع عنه في المذهب الجديد. عامة أهل العلم، أو سائر أهل العلم، على أن المجنون، ولو كان في البلد ودخل عليه رمضان، فإنه غير مخاطب بالتكاليف الشرعية، فهو مرفوع عنه القلم، ولا يكلف إذا أفاق لا بصيام ولا بغيره، لأنه مرفوع عنه القلم. شاهد الإمام مالك يقول: ظاهر الآية ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وهذا شهد الشهر. والعلماء يقولون: لا، ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ إذا كان صحيحًا مقيمًا عاقلًا، وليست المرأة حائضًا ولا نفساء. هكذا يقول سائر الفقهاء، رحمهم الله تعالى وغفر لهم. قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، فيه دليل على وجوب تعيين النية لصوم رمضان، وأنه يتعين عليك أن تعزم وتنوي وتقصد صيام رمضان هذا الموجود الآن. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، لا بد من النية، لا بد من النية، والنية المعينة المشخصة لعين الصيام المطلوب وهو صيام رمضان. والنية عند الفقهاء يقولون: قصد الشيء مقترنًا بفعله. فمن علم أن غدًا رمضان، ونوى بقلبه الصيام، وتسحر لأجل ذلك، فإنه ممن نوى الصيام، ممن نوى الصيام، ولو لم يتلفظ ويقول: نويت صوم غد عن أداء فرض شهر رمضان لهذه السنة إيمانًا واحتسابًا لوجه الله الكريم. هذا اللفظ وأمثاله يذكره المتفقهة المتأخرون، بعضهم، والمذاهب الأربعة في مذاهب المتقدمين من الفقهاء الذين هم ركائز المذاهب تقوم عليهم الفتوى والعلم، ينكرون مثل هذه الأمور، ويعدونها من التشدد. الآن رجل نسأله: أنت تقول نويت صوم غد عن أداء... لو أن رجلًا تلفظ بهذا اللفظ ولم ينوِ بقلبه الصيام، هل يصح صومه؟ قال: لا، صومه باطل، تلفظ وما نوى بقلبه، قال: صومه باطل. طيب، إنسان نوى بقلبه ولم يتلفظ، صومه صحيح؟ قال: نعم. قلنا: فما فائدة اللفظ؟ ما فائدة اللفظ؟ إذن إذا كان الأمر يدور على نية القلب، وحسن النية، وحسن القصد، ما الفائدة من اللفظ؟ أصل المسألة خطأ وقع فيه عالم، وزلات العلماء كما قيل: زلة العالم... زلة العالم عالم من العلماء الشافعية رأى كلمة في "الأم" للشافعي مكتوب فيها: في باب الصلاة: "وتستفتح الصلاة بذكر". قال: هذا الذكر يريد الشافعي به: نويت أن أصلي لله تعالى في هذا المسجد المبارك مأمومًا صلاة العصر أربع ركبات، الله أكبر. هكذا فهم سائر علماء الشافعية. ولا، بل المعتمدون والذين هم أركان المذاهب عند العلماء ينكرون هذا، يقولون: قول الشافعي رحمه الله: "والصلاة تستفتح بذكر"، أي بتكبيرة الإحرام. قال تعالى: ﴿وَلِذِكْرِ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، الله أكبر، تستفتح بذكر هو الله أكبر. فمن قال: هكذا، بسم الله الرحمن... وين تكبيرة الإحرام؟ يقول له: صلاتك باطلة. قام ووقف الصف، ويقرأ الفاتحة، إن صلاتك باطلة. ليش؟ لأنك ما أتيت بالذكر الواجب الركني وهو تكبيرة الإحرام. "تستفتح الصلاة بذكر". ترتب على هذا قياس على قياس على قياس على قياس، والأصوليون يقولون: إن من أضعف الدلائل أن تبنى المسائل على قياس مركب على قياس مركب على قياس مركب على قياس. مثل هذه المسألة: "نويت صوم غد". ربما بعض المناطق فقط، تذهب إلى بلدان أخرى ما تجد هذا الشيء، وهم شافعية، وهم مالكية، وهم حنابلة، وهم أئمة وعلماء في مذاهب كثيرة من مذاهب أهل السنة والجماعة المعتبرة. الشاهد: النية محلها القلب. إنسان يتعشى في رمضان، وإنسان يتسحر، إيش الفرق بين السحور والعشاء؟ السحور يقصد به الصيام، لكن العشاء، العشاء يقصد به سكت الجوع، يملي بطنه زي ما يقولون، هذا العشاء. طيب، والسحور يقوم قبل الفجر من النوم، يصلح السحور ويأكل، هذا إيش قصده؟ إيش قصده؟ هذا قصد يصوم، لأن وجبة السحور مختصة بالصيام، فمجرد ينوي ويقصد يعتبر أتى بالواجب. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، هكذا قال الله سبحانه وتعالى. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾، أي علم به وحضره عاقلًا، والمرأة ليست بحائض ولا نفساء، وهو صحيح في بدنه، قادر على الصيام، فعليه الصيام، ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾، يباشر الصيام الشرعي من الفجر. لكن لا بد من تبييت النية أن يصوم غدًا، لا بد أن يبيت النية في قلبه من أنه يصوم غدًا. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. من المسائل المتعلقة بهذه الآية أيضًا: من رأى هلال رمضان وحده. إنسان مثلًا في بر، راح راعي من الرعيان يرعى في وادي من الوديان، من المدينة مسافة من البلاد، راح بعيد ويرعى، وقبل المغرب، أثناء غروب الشمس، وإذا به يرى الهلال. وصل إلى البلاد، وإذا بالناس يقولون: بكرة ما شفنا الهلال، بكرة عندنا شعبان، ما هو رمضان، غدًا عندنا شعبان. الآن هذا الرجل في نفسه، هذا الرجل في نفسه رأى الهلال بعينه، رأى الهلال بعينه، فهل يصوم لما رأى، أم يتبع حكم البلد لأنهم تحروا ونظروا وما رأوا؟ الحكم: لمن اختلف العلماء في هذا الموضع على قولين للفقهاء، وبعض المتأخرين اجتهدوا في قول ثالث. فالإمام الشافعي وغيره يقولون: يصوم سرًا، يصوم سرًا، له أن يصوم سرًا لأنه داخل في عموم الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ﴾. وأكثر أهل العلم، أو كثير من الفقهاء، يقولون: يكون حكمه مع الناس، لأنه يحتمل أن يخطئ في الرؤية، ويحتمل أن يصيب، فكدر الجماعة خير من صفاء الفرد. كدر الجماعة خير من صفاء الفرد، كما يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. استدلوا بما جاء في سنن الترمذي رحمه الله تعالى، في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون، وأضحاكم يوم تضحون». هذه الآية... هذا الحديث، يقول الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال بعض أهل العلم: إن معناه أن المسلم يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، ويقف يوم عرفة مع الناس. «صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون». هكذا يقول جماعة من الفقهاء. الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. أصل الخلاف في هذه المسألة يعود إلى معنى "الشهر". الله جل وعلا جعل الهلال للناس ميقات للخير، لأبواب العبادات، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. طلوع الهلال هو نوع من أنواع المواقيت الزمانية المعتبرة شرعًا وعقلًا وعرفًا وفلكًا. حتى في علم الفلك، أصح ما يعتمد عليه في دخول الأشهر هو رؤية الهلال. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، حديث ابن عمر: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». في رواية: «فأكملوا العدة ثلاثين». متفق عليه. فهذا الحكم الشرعي مربوط بالرؤية، مربوط بالرؤية. مثل هذا الذي إنسان طلع البحر، طلعوا البحر مثلًا، صورة أخرى، ومشوا مسافة عشرة ميل وأكثر، وأدركهم المغرب، وأيدابهم يرون الهلال، شافوا الهلال، وجاءوا البلاد بعد المغرب، وقالوا: الناس إننا ما شفنا الهلال، ما شفنا الهلال. مثل هؤلاء، أرجح الأقوال أن يصوموا سرًا، لأن دين الإسلام ينهى عن الشوشرة، وينهى عن الفوضى، وينهى عن تشكيك الناس، ينهى عن إحداث البلابل بين الناس، إحداث الفوضى في المجتمع. دين الإسلام ينهى عن ذلك، ينهى عن ذلك. على مذهب جماعة من أهل العلم، والمسألة خلافية، منهم من يقول: يفطر مع الناس، لهذا الحديث السابق، يقول: حكمه مع الناس أولى له. ومنهم من يقول: يصوم سرًا. واتفق العلماء جميعًا على أنه لا يظهر الفطرة في مثل ما إذا رأى هلال شوال. اتفق العلماء على أنه ما يرى... على أنه ليس له إظهار الفطر بين الناس. الناس ثلاثين رمضان، وهو يشرب ماء أمام الناس، يتعمد ذلك، ويروح ويأكل، أكل، كانوا يقولون للناس: شوفوني. مثل هذا، اتفق أهل العلم من جميع المذاهب الإسلامية على أن هذا لا يجوز، شوشرة، فوضى، ودين الإسلام دين رزانة، ودين حكمة، ودين جمع كلمة، ليس تفريق الكلمة. ولهذا يصوم سرًا، يصوم سرًا. وإذا رأى هلال شوال اختلفوا، والأولى له أن يفطر، والأولى له أن يصوم. فإن صام، فإن أفطر، فليفطر سرًا. إذا أفطر، يفطر سرًا. الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾. الشهر على المعتبر ما اشتهر، ليس ما ظهر. الشهر هو ما اشتهر بين الناس أنه شهر، والهلال ما استهل، فرآه الناس فعرفوه أنه الهلال. وجد بعض الناس ذهبوا يشوفوا الهلال في بعض الأزمان والولايات، لعله في أيام الدولة العباسية. وفي البلد رجل معروف أنه حديد النظر، حديد النظر، عنده حدة نظر، وكبير في السن. نظر في الأفق، قال: هذا الهلال، الشهر دخل. والذين حوله يقولون: ما نشوف شيء، ما فيه هلال. يقول: هذا أمامكم، ويؤكد عليهم أن هذا الهلال أمامهم. جاء أحد الأذكياء، مسه على جبينه، مسه على جبينه، قال له: الآن تشوف شيء، هلال؟ قال: لا، ما فيه هلال الآن. طيب، وين راح الهلال؟ هو كان فيه شعرة نازلة من الحاجب، كان عنده شعرة نازلة من الحاجب، وكان لكبر سنه الشعرة نازلة، فهو إذا رأى ويشوف الشعرة ويقول: هذا الهلال، وهي شعرة. كما قيل في الهلال: ويشوفه ويقول: هذا الهلال. والجماعة اللي بجانبه يقوله: ما فيه هلال. جاء هذا الذكي، مسه على جبينه، مسه على جبينه، وقال له: الآن شيء هلال؟ قال له: ما شيء هلال. بقي شوف شيء. فالمسألة تحتاج إلى تحري. وهل يجوز استخدام المناظير؟ إنسان عنده ناظور، وآخر عنده منظار، هل يجوز أن يستخدمه، ولا لابد من الرؤية البصرية بس؟ عندك يا أخ عمار، شو رأيك لو أخذنا مناظير؟ بعض المناظير العسكرية، وبعضها يقولون: نشوف في الليل وفي النهار، ومدري إيش، ها يقرب. نعم، طيب، لو خرجنا نشوف بالمناظير، شيء عندكم فيها يجوز ولا ما يجوز؟ يجوز، ها، يعتبر من التحري، ولا لابد نشوف باب صارنا؟ عندك أبو إبراهيم، عنده الراجح الصحيح أنه يجوز، يجوز. العبرة بالرؤية. خرجت بالناظور، خرجتهم بمنظار كبير، خرجتهم بالتلسكوب، كامل، طرحته تشوفه يمين ويسار، ما فيها شيء. مثل ما تأتي وتقول: وين صحاب البلاد؟ وقالوا: والله فلان ما شاء الله نظره ستة على ستة. قالوا: يجيبوا هذا في الآن، ستة على ستة، ويجيبونه لأنه إنسان ما شاء الله عليه، يعني يحدق من بعيد يشوف، ونظره قوي. مثله، أتينا بمنظار، فلا بأس. وبهذا أفتت اللجنة الدائمة، وجماعة من العلماء، ولا خلاف في مثل هذا أن استخدامها، مثل هذا من الوسائل التي يسرها الله لنا، من الأمور التي أنعم الله بها علينا. استخدام المناظير، استخدام هذا لا مانع منها. ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. من شهد ورأى هلال الشهر فعليه بالصوم، عليه بالصوم، عليه بالصوم. ولا يثبت الشهر إلا بعدلين. لا يثبت دخول الشهر في العصر إلا بعدلين، عند المذاهب الأربعة. ولا يثبت خروج الشهر إلا بعدلين، عند المذاهب الأربعة. وفي مذهب الإمام الشافعي، وهو قاله أيضًا الإمام أحمد وجماعة، أنه لو رأى عدل واحد هلال رمضان، فأتى شاهدًا عند الحاكم، أو عند اللجنة الشرعية المختصة برؤية الهلال، فنظروا في حاله، وعدلوه، ما هو أي أحد يقبل، نظروا في حاله فعدلوه، فإن مثل هذا الشخص يعتمد به في الصيام. الأئمة ينظرون إلى الأدلة، في حديث عبد الرحمن... في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب رضي الله عنه، قال: خطب الناس عبد الرحمن بن زيد، فقال: أيها الناس، إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكانوا يقولون: سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، فإن شهد شاهدان أنهم رأوا الهلال فصوموا وأفطروا، فإن شهد شاهدان أنهم رأوا الهلال فصوموا وأفطروا». خرجه أبو داود في سننه، وغيرهم، بسند صحيح. هذا الحديث يدل على اعتبار عدلين، ولهذا يقول أكثر العلماء: لا بد من عدلين. وعندنا حديث آخر، حديث ابن عمر في صحيح مسلم، قال: تراءى الناس الهلال... أي: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الخبر: انظروا وتحروا، ومن رآه يأتي يخبرنا في المدينة. تراءى الناس الهلال، قال: فلم يروه. فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يقول عبد الله بن عمر: فقلت: يا رسول الله، إني رأيت الهلال. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديًا ينادي في الناس: أن صوموا غدًا، برؤية من... برؤية عبد الله بن عمر. ولهذا يقول الشافعي بالقول الأول، ثم قال في "الأم": وأحب لمن رأى الهلال واعتمدت شهادته أن يصوم الناس بصوم رؤيته. وهذا مذهب الإمام أحمد، وجماعة من العلماء. والأفضل أن يكون الصوم بشهادة اثنين. أما الفطر، فلا يكاد يختلف العلماء أنه لا بد من شهادة عدلين في الفطر خاصة، لا بد من شهادة عدلين. وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من رمضان لم يروا الهلال، فصاموا ثلاثين. وفي النهار جاء أعرابيان، أعرابيان من البادية، وصلوا إلى المدينة، وقاموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهار: يا رسول الله، إنا رأينا هلال شوال عشية أمس، يعني البارح المغرب، شفنا الهلال. فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهار ثلاثين، الذي صاموا: «أيها الناس، أفطروا، واخرجوا إلى المصلى». قال الراوي: فأفطرنا، وخرجنا إلى المصلى. ولم يثبت دون ذلك. فعلى هذا، لا بد من عدلين في خروج الشهر، ويجوز عدل واحد في دخول الشهر، لعموم الآية في قوله سبحانه: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يتقبل صيام الصائمين، وقيام القائمين، وأن يعيذنا من الفتن ومضلات الأهواء، ويعفو عنا جميعًا بعفوه وكرمه وجوده وإحسانه، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكرا للمشاهدين.