من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 9

الدرس في من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في الخروج الشرعي من الأرض

يتكلم عن قاعدة عند العلماء وهي من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، ويتناول موضوع الهجرة وأقسام الخروج الشرعي منها.

حكم الخروج من البلاد التي كثر فيها الشر

يستحب للمسلم الخروج من البلاد التي كثر فيها الشر والفتن إلى البلاد التي يأمن فيها على دينه، لأن كثرة الشر تفسد الإنسان.

أمثلت على الهجرة من الفتن والأذية

النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الفتن وأمر بالابتعاد عنها، وقد هاجر الصحابة إلى الحبشة هربا من الأذى، وكذلك فعل أنبياء الله.

شروط الخروج في سبيل الله تعالى

الخروج في سبيل الله يجب أن يكون باختيار الشخص وليس خوفا أو هروبا، بل يكون طلبا لوجه الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فإتماما لموضوعنا الذي نتكلم فيه في هذا الوقت، وهي القاعدة عند العلماء التي جاءت الأدلة بتقريرها، وهي من ترك شيئا لله عوضه الله عز وجل خيرا منه. وقد ذكرنا في آخره ترك بعض المحبوبات، ترك بعض المحبوبات للإنسان يتركها لله جل وعلا. وذكرنا من ذلك ترك الصحبة، وذكرنا أيضا ترك الأرض التي ترعرع فيها وتربى فيها ونشأ فيها وحبها. وقد ذكرنا شيئا في هذا الباب، باب ترك الأرض والهجرة، ذكرنا بعض الآيات وبعض الأحاديث التي تدل على هذا. ولا شك أن من أعظم هذه الآيات التي هي في صدد هذا الموضوع قول الله جل وعلا: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة﴾. فالله عز وجل لا يضيعه، بل إنه إذا خرج وجد الرغبة إلى تلك البلاد، ووجد ما يهيئ له جلوسه في تلك البلاد الأخرى، بل وجد أيضا السعة التي قد لا يجدها أو أنه لم يجدها في تلك الأرض التي كان فيها أو البلاد التي خرج منها. فاليوم، إن شاء الله تعالى، نأخذ أيضا تكملة لهذا الموضوع، وهو ترك الأرض. فذكر العلماء، كما ذكر الإمام ابن العربي في أحكام القرآن، ذكر أن ترك الأرض والخروج منها، أي الخروج الشرعي، ينقسم إلى قسمين: الخروج الشرعي، وكذلك غير الشرعي أيضا ينقسم إلى قسمين. عن الخروج من الأرض، هناك خروج شرعي شرعه الله، وخروج غير شرعي. فنحن نتكلم، إن شاء الله تعالى، على الخروج الشرعي، وإن كان هناك في وقت أشرنا إلى الخروج غير الشرعي، لأن الذي يرتبط بالموضوع هو الخروج الشرعي، لأن العبد يترك هذه الأرض لله لأن الله عز وجل شرع له تركها. فلهذا فيتركها لله جل وعلا. فقال رحمه الله: إن الخروج الشرعي ينقسم إلى قسمين: هروبا وطلبا. عن خروج يكون هروبا من هذه الأرض، وخروج اقتراري أو خروج لأجل الضرر، فيخرج منها خائفا مترقبا، كما خرج نبي الله موسى من مصر. وعيضا الخروج الأنبياء، خروج إبراهيم وغيره، فهذا من هذا الباب، كما سيأتي إن شاء الله. فلهذا فهذا الخروج، كما قال: إما هروبا وإما طلبا. فالخروج هروبا أو خوفا ينقسم إلى ستة أقسام. ونذكر، إن شاء الله، هذه الأقسام الستة كما ذكرها رحمه الله. أولا نذكرها إجمالا. أولا: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام. والثاني: الخروج من دار البدعة إلى دار السنة. والثالث: الخروج من دار يخاف فيها الوقوع في الحرام إلى دار آمنة، إلى دار يأمن فيها على نفسه من الوقوع في الحرام. وأيضا الرابعة: الخروج من الأرض التي يخاف أن يتضرر فيها ببدنه، على أنه هناك من سيؤذيه، مثل خروج الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة، كما سيأتي إن شاء الله. أيضا كذلك الخامس: الخروج من الأرض التي يكون فيها الوخم والمرض والوباء، أو معناه: الخروج، أقصد أن يكون هناك مرض في هذه الأرض، يخرج منها لأجل أن لا يأخذ شيئا من هذا المرض. وليس الطاعون الذي ينتشر، فالطاعون قد جاء النهي عن الخروج من الأرض التي هو فيها. لكن هناك بعض الأمراض تكون في بعض البلاد، ليست طاعونا، وإنما بسبب الجو، فتنتشر في تلك البلاد، فيخرج الإنسان لأجل هذا المرض، مثلا، لمكان أفضل. والسادس: هو الخروج لأجل الخوف من أخذ ماله. فهذه ستة أشياء أو الأمور التي يترك الشخص هذه العرض، يتركها لله عز وجل ويخرج. فأولا: الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام. وهذا خروج أحيانا يكون واجبا، وأحيانا يكون مستحبا. فذكرنا في الآيات التي سبقت وشرحناها، وهي قول الله عز وجل: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾. فأمر الله عز وجل بالهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام. وقد ذكر ربنا جل وعلا، وربط الهجرة بالجهاد: ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله﴾. تجد كثير من الآيات يذكر الله عز وجل الهجرة مع الجهاد، لأن الهجرة ما تنقطع حتى ينقطع الجهاد. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة». فالتوبة تنقطع عندما تطلع الشمس من مغربها، فكذلك الهجرة. فالهجرة باقية ما بقي الجهاد، ما بقي الجهاد في سبيل الله جل وعلا، لأن الجهاد باقي، «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». فلهذا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام هجرة شرعية. فمنها، كما قلنا، ما هو واجب، كما في الآية. فالله عز وجل لم يعذر من جلس في مكة وهو يستطيع الخروج إلى غيرها، إلى المدينة. فلم يعذرهم الله عز وجل، بل جعلهم من الظالمين الذين «أن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها أولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا». فربنا جل وعلا شدد عليهم في هذا الباب، بل ذكر هذا الوعيد العظيم، وأنهم من أهل النار، بسبب أنهم لم يخرجوا لما أمرهم الله عز وجل، وهم يستطيعون. ولهذا الله عز وجل عذر، كما قلنا، المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا: ﴿أولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا﴾. فلهذا فهذا العمر، إذا قال العلماء: إذا لم يأمن الرجل على دينه، فإنه يجب عليه أن يخرج. ولهذا خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة، وأمر أصحابه أن يخرجوا منها إلى المدينة، خرجوا لأنهم لم يأمنوا على دينهم. فأمرهم الله عز وجل أن يخرجوا إلى المدينة. فقال عليه الصلاة والسلام للصحابة: «إني أريت دار هجرتكم بين حرتين على المدينة». فالمهم أن هذا الباب، إذا لم يأمن الرجل على دينه، فإنه يجب عليه أن يخرج. وأما إذا كان قد أمن على دينه، لكن هو عند المشركين، فهذا أكثر العلماء يقولون: إنه يخرج استحبابا. ومنهم من يقول: يجب أن يخرج، لأنهم أخذوا بظواهر النصوص التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لما قال: «أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين». وقال: «المسلم والمشرك لا تراءى ناراهما». وقال: «أبعد الله المسعود وهو مرفوع أيضا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: من جاء مع المشرك وسكن معه فهو مثله». وغيرها مما جاء في هذا الباب، أن المسلم ينبغي أن يبتعد عن المشركين، ولا يكون معهم في أماكنهم، وخاصة في أماكن عباداتهم وأعيادهم. فلهذا فالمسلم ينحاذ عنه. فأخذ بعضهم العلم بظاهر هذه النصوص، وقالوا: ولو أمن دينه يخرج. وأكثر العلماء على أنه إن أمن دينه، واستطاع أن يظهر دينه، فإنه يستحب له الخروج، ولا يجب. يستحب له الخروج ولا يجب. لكن الآن مفهوم الإظهار، إظهار الدين، ما هو مفهوم إظهار الدين؟ لأن كثيرا من الناس، بل حتى بعض ممن يكتب في هذا الموضوع، يذكر أن إظهار الدين، مثلا، أن تصلي، معنى ما يذيك أحد في صلاتك، ما يذيك أحد, مثلا في صيامك، في كذا من العبادات. فبعضهم يذكر أن هذا إظهار. لكن الصحيح الذي ذكره العلماء، علماء الدعوة، وقرره كثير من علماء الدعوة السلفية، وأيضا أخذوا من النصوص: أن المراد بالإظهار: أن الإنسان يظهر شرائع شرائع الدين. يظهر أولا شرائع الدين. ومن ذلك: الكلام على الكفار. ومن ذلك: أن يظهر الكلام على الكفار. فإن كان يستطيع أن يظهر ذلك، وإلا فهو ليس إظهارا. لماذا؟ لأنه إذا لم يستطع أن يظهر الكلام على الكفار، فمعنى ذلك: أنه لا يستطيع أن يدعو إلى الإسلام، أنه لا يستطيع أن يدعو إلى دين الله جل وعلا، وبيان فساد الأديان الأخرى. فإن كان لا يستطيع، معنى ذلك: أنه لا يستطيع الدعوة، ولا يستطيع إظهار دينه. فالإظهار هنا: هذا أنه يظهر شرائع الدين، وكذلك يظهر الكلام على الكفار. طيب فهذه ولها مسائل فرعية، لكن نترك هذا. المراد هو الذكر فقط. فإن الإنسان إذا ترك هذه الأرض لله، معناه: كان عند المشركين، يتركها ويذهب إلى بلاد الإسلام، فإن هذا لن يضيعه الله عز وجل. بعض الناس الآن يفكر: كيف سأذهب؟ كيف سأفعل في تلك البلاد؟ لكن من خرج وترك ذلك لله عز وجل، فلا شك أن الله عز وجل سيعوضه خيرا من ذلك الذي تركه. وكم من إنسان، ومن مهاجر هاجر من تلك البلاد، وجلس في هذه البلاد، بلاد المسلمين، وأنعم الله عز وجل عليه فيها، وفتح الله عز وجل عليه فيها. فهذا كما قلنا، وعض الله سبحانه وتعالى أيضا كذلك الخروج من دار البدعة إلى دار السنة. وأكثر العلماء، وهو قول عامة العلماء: إنه مستحب. إذا كثرت البدعة في بلاد، وانتشرت، فإنه ينبغي عليه أن يخرج إلى بلاد السنة، إلى بلاد التي يأمن فيها على دينه، لأن هذا من الحفاظ على الدين، فيحفظ دينه بذلك. وقد كان السلف رحمه الله يتواصون بذلك، كما كتب أسد بن الفرات إلى بعض أصحابه بأن يخرج من خراسان، لكثرة البدعة فيها. وكذلك كان يوصي السلف رحمه الله من يعرفون من أهل السنة أن يخرجوا من البلاد التي كانت تعشعج فيها راية الروافض. وقد نصح أيضا بعض العلماء من كان من علماء مصر أن يخرج منها. فمنهم من خرج، كالدار قطن وغيره. ومنهم من لم يخرج، وجلس فيها، كعبد الغني العزدي وغيره. لكن حفظ الله عز وجل عليه دينه، وكانت لهم مهابة. رحمه الله عبد الغني العزدي المصري، كان في عهد الروافض، لكن الله عز وجل جعل له مهابة، فكانوا يحترمونهم. فالمهم أن الإنسان إذا كان في بلاد فيها بدعة تفشت، فالأفضل له أن يخرج إلى البلاد التي فيها السنة، يتركها لله أيضا. الأمر الثالث: أن يترك البلاد التي كثر فيها الحرام إلى البلاد التي لا يخشى على نفسه الوقوع في الحرام، لقلته، أو لأنها في وجود هناك مجتمعات يأمن فيها. ولهذا تجد أن في حديث بسعيد الذي في الصحيحين، في الرجل الذي قتل تسعا وتسعين نفسا، قال له العالم: لما قال له: هل لي من توبة؟ قال له: «ما يمنعك من التوبة؟ لكن أنت في أرض سوء، فاخرج إلى بلد كذا وكذا، فإن فيها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم». فانظر إلى هنا: أمره أن يخرج من البلاد التي فيها السوء، والتي فيها يرتكب هذه المعاصي، والقتل، والفواحش، فأمره أن يخرج إلى البلاد التي فيها أناس يعبدون الله عز وجل فيها. فإن كثرة الشر تفسد الإنسان، كثرة الشر تفسد الإنسان غالبا، خاصة إذا كان الإنسان ينظر إلى أهل الشر. فتجد أنه ينظر إلى أهل الشر، وهم كثرة، فيريد أن يكون مثلهم. وهؤلاء يقولون مثلا: هؤلاء أهل الشر، ما أصابهم شيء، هذا يفعل كذا، هذا يشرب الخمر، هذا يفعل فواحش، ما أصابه شيء، فيغتر بذلك. فلهذا فإن خروجه من هذا المكان، وهذا الوضع، أعظم له. وقد يسر الله عز وجل، ما دام أنه تركه لله، فلهذا من هذا الباب ما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه. فإن هذا من هذا الباب كذلك. ومن هذا الباب أيضا، من الخوف والحرام، ما جاء في الأحاديث الصحيحة من أمر النبي عليه الصلاة والسلام، أو من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: أن أعظم الناس دينا رجلا فر بدينه من الفتن. جاء في الصحيحين، عن عدة من الصحابة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن». يفر بدينه من الفتن، خير مال المرء المسلم. وجاء في حديث آخر في البخاري: «أعظم رجلين وذكر منهم رجلا خرج بماله ونفسه فرارا من الفتن». فيفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن. وهذا لأجل أن لا يقع في الحرام، أن لا يقع في الحرام، لأنه إذا كثرت الفتن، وجاءت الفتن التي تموج كموج البحر، تضر بالناس، كما جاء في حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام مسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا». قال عليه الصلاة والسلام: «ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». يبيع دينه، دين هذا الذي هو أعظم شيء في هذه الحياة، والذي يجب أن يحافظ عليه المرء، يبيعه بأدنى شيء. جاء في رواية عند الإمام محمد، وهي رواية صحيحة: «يبيعه بعرض من الدنيا قليل». أنه يعطي شيئا من المال اليسير، ويبيع دينه. يقاتل أهل الإسلام، ويقاتل مع الكفار، يقاتل مع الروافض، وغيرها من هذه الأشياء التي قد يبيع الإنسان دينه، يدخل في الحرام، ينشر الحرام، ينشر المخدرات، لأنه يعطى مالا، فيأتي مثلا بقاربه، وينزل شحنات مثلا من الحشيش. كذلك أيضا يأخذ سيارته، ويقول: سنعطيك كذا، توصله إلى مكان كذا، فلا يفكر في دينه، ولا يفكر أن هذا حرام، ولا يجوز، فيأخذ هذه الشحنة، ويذهب، يبيع دينه بعرض من الدنيا. فلهذا فيحتاج المسلم أن يترك هذه البلاد التي يخاف على نفسه الوقوع في الفتن. ولهذا جاء في الصحيحين، حديث أبي هريرة أيضا، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «تكون فتن، تكون فتن، القاعد فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي». والساعي قال: «من تشرف لها تستشرفه». معنى: من أراد أن يدخل فيها، معنى أنه فتن بها، من تشرف لها تستشرفه. فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به. من وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر هذا الملجأ، ولم يعينه، ولم يذكر هذا المعاذ الذي يعود به، ويلجأ إليه. فلهذا فمن قد يكون من أعظم الملاجئ والمعاذ: أنه يخرج من هذا المكان الذي هو فيه، يخرج من هذا المكان الذي هو فيه، لئلا تصيبه الفتن، لئلا تصيبه هذه الفتن. فهذا كما قلنا بهذا معنى من الأمور التي يترك العبد أرضه ووطنه لله عز وجل، أن يخرج لأجل أن لا يخاف أن يقع في الحرام، يخاف أن يقع في الحرام، إما لأجل كثرة الخبث، أو لأجل مثلا المكان الذي هو فيه، المكان الذي فيه يكثر فيه الشر، فلهذا يخرج لئلا يقع في الحرام، يترك مكانه، ويخرج إلى مكان آخر، يأمن فيه على دينه، ويأمن فيه على أولاده، وكذلك يأمن فيه على أهله جميعا، فيخرج من ذلك المكان. أيضا كذلك كما قلنا الرابع: ترك البلاد لأجل أنه سيتضرر ببدنه، معنى: هناك من يؤذيه. وهذا لا شك أقرب مثال له الهجرة التي جاءت في الشرع، ومن ذلك هجرة نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام. فإبراهيم هو أول من هاجر في الأرض، كما قال قتادة وغيره: أول مهاجر في الأرض هو نبي الله إبراهيم. وقال الله عز وجل: ﴿وقال إني مهاجر إلى ربي﴾. فآمن له لوط. وقال: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾. هنا قوله: ﴿وقال إني مهاجر إلى ربي﴾، أكثر أهل التفسير: أن الذي قال هذا هو إبراهيم، أن الذي قال هذا هو إبراهيم، لأن الله عز وجل بعد ذلك ذكر ما جاء معناه: أكمل ما ذكره عن إبراهيم. وإنما أراد ربنا جل وعلا أن يذكر أنه من آمن به في ذلك الوقت: لوط، وهو ابن أخته، كما يذكر العلماء. فآمن له لوط، وقال: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾. فقال أكثر المفسرين: أن المراد به إبراهيم، لأنه هاجر من بلاده التي كان فيها: حران، إلى الشام. كان في العراق في بداية أمره، ثم لما رأى ما كان من أولئك من الصدود والإعراض والشرك، فكانوا في ذلك الوقت: الصابئين الذين يشركون، والذين يعبدون الكواكب، فترك حران، وذهب إلى الشام. فترك حران، وذهب إلى الشام، ولم يؤمن معه في ذلك الوقت إلا ابنة عمه: سارة، التي تزوجها، وزوجته، وكذلك لوط. وكذلك لوط. فقال إبراهيم بعد ذلك: وقال: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾. فخرج مهاجرا إلى الله عز وجل. وكذلك أيضا أنبياء الله عز وجل، موسى عليه السلام أيضا، خرج من مصر إلى مدين، خائفا يترقب، من أن يؤذيه فرعون. وهذا أيضا من الخروج الذي يكون لأجل الأذية. وكذلك أيضا الصحابة رضي الله عنهم، وهناك أنبياء من أنبياء بني إسرائيل. لكن يطول، هناك حصل لأنبياء كثيرين من أنبياء بني إسرائيل شردوا وقتلوا، مثل دانيال، وأرميا، واليسع. وهذا ذكره الله عز وجل من المرسلين. وأيضا ذو الكفل. فذكر أهل السيرة، ومن تكلم في هذا الباب، كالحافظ ابن كثير، في قصص القرآن، وقصص الأنبياء، فذكر عن هؤلاء: أنهم حصل لهم بلاء عظيم. ومنها: أنهم خرجوا من بعض بلادهم لأجل أذية بني إسرائيل لهم. وكذلك أحيانا من عدو غيرهم. فلهذا أيضا الصحابة رضي الله عنهم لما خرجوا من مكة إلى الحبشة، قد يقول القائل مثلا: ما الفرق بين الأول والرابع؟ لا، هناك فرق. فالخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، هذه هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام. لكن أحيانا الإنسان يخرج من بلاده، ليس إلى بلاد مثلا قد تكون بلاده بلاد الكفر، لكن لا يأمن فيها على دينه، فيخرج إلى بلاد أخرى، أو سيتضرر ويؤذى في هذه البلاد، فيخرج إلى بلاد أخرى، قد تكون أيضا كافرة. قد تكون هذه البلاد كافرة، أو كذلك قد يكون في بلاد مسلمة، لكنه يخشى على نفسه أن يتضرر، فيخرج من هذه البلاد المسلمة إلى بلاد أخرى، يأمن على نفسه وعلى دينه. فهذا كما قلنا: فرق بين الأول. فلهذا فهذا من مثاله ما ذكرنا: هجرة إبراهيم. إبراهيم خرج من حران إلى الشام، وحران ليست بلاد إسلام، وكذلك الشام لما دخلها إبراهيم ليست بلاد إسلام، وإنما لا زال على الشرك. فلهذا فهو انتقل فقط من بلاد إلى بلاد، لأجل أنه سيتضرر، لأن أباه وقومه قاموا عليه، فخرج نبي الله إبراهيم من تلك البلاد إلى بلاد الشام، ودعا فيها، ويسر الله عز وجل له خيرا كثيرا. ثم إنه ولد له إسماعيل، وحصل شيء بين زوجاته، فخرج، أمره الله عز وجل أن يخرج إلى البيت الحرام، وخرج بهاجر زوجته هاجر، أم إسماعيل، وإسماعيل، وذهب بهم إلى المكان الذي كان فيه البيت الحرام، مثل ما ذكر الله عز وجل. طيب فلهذا فهذه من هذا الباب، من ترك الأرض لأجل العدو، العدو، هذا في الدين، معنى: سيتضرر، إذا بقي في هذه الأرض، فإنه يخرج إلى بلاد أخرى، يأمن فيها، سواء كانت هذه البلاد مسلمة أو كافرة. مثل ما خرج الصحابة كما قلنا إلى الحبشة، الحبشة في ذلك الوقت ليست بلاد إسلام، وإنما هي بلاد كفر، لكن ما الذي أخرجهم؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة: «إن فيها حاكما لا يظلم عنده أحد». لا يظلم عنده أحد. وكان هذا الحاكم هو ملك الحبشة: النجاشي. والصحيح الذي ذكره العلماء: أن اسمه جاء في الحديث: أصحمة، أصحمة النجاشي. فهذا أصحمة كان رجلا عادلا، وإن كان نصرانيا، ولم يكن يأخذ الرشوة، كما جاء في الحديث عنه: أنه قال: «ما رد الله عز وجل الملك لي حتى أخذ الرشوة». فلهذا منع نفسه أن يأخذ الرشوة، فكان النظام نظاما عادلا، آمنا، يأمن الناس. والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر للصحابة أنهم سيأمنون هناك في الحبشة، فخرجوا من بلاد كفر إلى بلاد كفر، لكن تلك البلاد التي فيها وهي مكة، كان قريش يؤذونهم، خوفا على أنفسهم وعلى دينهم، خرجوا إلى الحبشة، فأمن الله عز وجل لهم دينهم. وقال لهم ذلك الملك، أو ذلك الملك ملك الحبشة: النجاشي: «أنتم آمنون». أمنهم رضي الله عنه، لأنه أسلم بعد ذلك. فهذا بعض الأماكن أو الأمور التي يخرج العبد من تلك الدار، أو من أرضه، أو من وطنه، إلى دار أخرى. وبقيت أيضا هناك أمران. وأيضا بقيت الخروج أيضا في الشرعي الطلبي، معنى: يخرج طلبا، ليس رهبة، وليس خوفا، وليس هروبا، وإنما يخرج باختياره، ولأجل الله عز وجل. وهناك أشياء كثيرة في هذا الباب. فلعلنا إن شاء الله نطرقها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.