الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 24، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع قاعدة أهل السنة في عدم تكفير المسلم بالذنوب دون الشرك الأكبر، مستدلاً بنص ابن قدامة وحديث الثلاثة، مبيناً أن مرتكب الكبيرة يبقى مسلماً عاصياً، ويرد على الخوارج والمعتزلة في تكفيرهم وتخليدهم في النار.
يقرر النص قاعدة أهل السنة في عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب دون الشرك الأكبر، مع توضيح الاستثناءات المخرجة من الإسلام كترك الصلاة، ويختم بوجوب السمع والطاعة للأئمة البر والفاجر لحفظ نظام الجماعة.
يبين المقطع أن وظيفة الإمام الأساسية هي إقامة العدل ومنع الظلم، وتحقيق الأمن، وتنظيم الحج وحماية الحجيج، مع وجوب أداء الحج والجهاد مع كل إمام براً كان أو فاجراً لمصلحة الدين والمسلمين.
يختتم المتحدث بدعاء الثبات على الحق والهداية، ثم يعلن عن مواصلة الحديث بعد أداء الصلاة، ويصلي على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لا زلنا في كتاب "لمعة في الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد"، هذا الجزء من جزء العقيدة الذي كتبه الإمام شيخ الإسلام أبو محمد موفق الدين بن قدامة المقدسي، المتوفى سنة عشرين وستمائة للهجرة، رحمه الله تعالى. وهو من الكتب المقرؤة عند العلماء في بعض أحد أسانيده التي وقفت عليها في إحدى المخطوطات العتيقة: سماع المزي عن الواسطي تلميذ ابن قدامة. هذا أحد الأسانيد، فكان المزي وأمثاله من الأئمة حريصين على قراءة أمثال هذه الأجزاء والكتب التي فيها بركة عظيمة وعلم غزير. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنبٍ وَلَا نُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ وَنَرَى الْحَجَّ وَالْجِهَادَ مَاضِيًا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَصَلَاةُ الْجُمُّعَةِ خَلْفَهُمْ جَائِزَةٌ». وقال أنسٌ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نُكَفِّرُهُ بِذَنبٍ، وَلَا نُخْرِجُهُ مِنَ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّةِ الدَّجَّالِ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ». رواه أبو داود. قوله رحمه الله: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنبٍ». المُرادُ بالذنب ما دون الشرك والكفر الأكبر. المُرادُ بالذنب ما دون الشرك الأكبر والكفر الأكبر، فمن فعل ذنبًا هو في منزلةٍ دون الشرك الأكبر والكفر الأكبر، فإنه لا يكفر بذلك الذنب، بعمل ذلك الذنب لا يكفر، ولو مات عليه، كَمَنْ مَاتَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ عَاصٍ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الْذُّنُوبِ، وَكَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَأْكُلُ الرِّبَا، فَهُوَ مُسْلِمٌ عَاصٍ مُرْتَكِبٌ لِكَبِيرَةٍ مِنْ كَبَائِرِ الْذُّنُوبِ. ولكنه مُسْلِمٌ، لا نُكَفِّرُهُ لِأَجْلِ أَكْلِهِ الرِّبَا أو شُرْبِهِ الخمر أو فعله ذنبًا من الذنوب التي ليست بشركٍ مُخرِجٍ عن الملة ولا بكفرٍ مُخرِجٍ عن الإسلام. طالما أنه ليس كذلك، فلا نُكَفِّره. وضلَّت في هذا الباب الخوارج، ضلَّ في هذا الباب الخوارج فيما اشتهر عند عامتهم، عند أكثرهم، فيما اشتهر عند أكثرهم، وهو أنهم يُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ بِمُطْلَقِ الذنوب، يُكَفِّرُونَ المُسْلِمِينَ بِمُطْلَقِ الذنوب، ويستحلُّون دماءهم بما يرونه هم من الذنوب، نسأل الله العافية والسلامة. فتراهم وقد كفَّروا الشخص بأمرٍ جعلوه مُوجِبًا لكفره وخروجه عن الملة، ثم استحلُّوا دمه وماله وغير ذلك. هذا منهج الخوارج إلى اليوم، هذا منهج الخوارج إلى اليوم. والمُعتزلة قالوا بقول الخوارج في الباطن، وخافوا أن يقولوا بقولهم في الظاهر، فقالوا في الظاهر: هو في منزلةٍ بين المنزلتين، أي ليس بمؤمن ولا كافر. وأما في الآخرة فقالوا: إن مُرتكب الكبائر خالدٌ مُخلَّدٌ في نار جهنم، فوافقوا الخوارج في المآل، وادَّعوا أنهم يُخالفونهم في الحياة وفي الحال، وهو نوعٌ من التلاعب اللفظي. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا فَأَيَّ شَيْءٍ يَكُونَ؟ لا توجد منزلة بين المنزلتين، من لم يكن مُؤْمِنًا مُسْلِمًا فَهُوَ كَافِرُ، فَهُمَا قِسْمَانِ: إِمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا. «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ» خِلافًا للخوارج والمُعتزِلة، والمراد بالذنب ما ذكرته لكم. هذا المراد بالذنب حينما يُطلق أئمة السنة هذه العبارة يُطلقونها في مقام الرد على الخوارج، فالمراد بالذنب الكبائر وما دون الشرك والكفر المُخرجين عن الملة. هذا الذي يُريده الأئمة، وإن كان ظاهر العبارة يحتمل ما هو أوسع من هذا، ولهذا قال بعض المحققين: الأولى أن يُقال: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِكُلِّ ذَنْبٍ»، فهذه العبارة أضبط وأسلم. هكذا قال بعض المحققين رحمهم الله تعالى وغفر لهم. لأن الخوارج كفروا بما يرونه هم من الذنوب، ونحن نُكَفِّرُ ببعض الذنوب وهو الشرك الأكبر والكفر الأكبر. فمن سجد لغير الله عامدًا قاصدًا، فقد فعل شركًا أكبر، فهو مشرك شركًا أكبر. ومن داس المصحف أو داس صفحات من القرآن عامدًا عالمًا قاصدًا للفعل وهو الدوس، فإنه كافر كفرًا أكبر. فعلى هذا، الذنوب: لفظ الذنوب يشمل الشرك فهو ذنب، ويشمل ما دون الشرك وهو ذنب. ولهذا قال بعض المحققين: إننا نقول: ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بكل ذنب، فننفي العموم، ننفي العموم. هكذا ذكروا رحمهم الله تعالى وغفر لهم. ومراد من قال بقول المصنف رحمه الله: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنبٍ»، المراد ما هو دون الشرك والكفر المخرجين عن الإسلام. قال رحمه الله: «وَلَا نُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ». المراد بالعمل ما دون الكفر الأكبر والشرك الأكبر، أو ما أجمع أهل العلم على أنه من ترك ذلك العمل أو فعل ذلك العمل فهو كافر، أو ما ترجح عند بعض أهل العلم التكفير بترك ذلك العمل، كالصلاة مثلاً. فتارك الصلاة فيه خلاف، تارك الصلاة فيه خلاف. وإن كان ابن قدامة وهو القول الأظهر في مذهب الحنابلة، وهو قول جمهور المذاهب، أن تارك الصلاة ليس بكافر إلا إذا تركها جحودًا أو عنادًا، أو يعرض على السيف فيقال له: صل، فيأبى، فهذا كفر أكبر، هذا كفر أكبر. وإنما الكلام في المتهاون، الشاهد. قال المصنف رحمه الله: «وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنبٍ وَلَا نُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِعَمَلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دَلَّا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ يُخْرِجُ عَنِ الْإِسْلَامِ». قال رحمه الله: «وَنَرَى الْحَجَّ وَالْجِهَادَ مَاضِيًا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا». هذا من مسائر السمع والطاعة التي لا يستقيم بها أمر الجماعة إلا بلزومها، كما قال الشاعر الأودي اليماني في الجاهلية، وكان حكيماً من حكماء العرب: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا لا يصلح الناس فوضى، لا بد من دولة، ولا بد من حاكم، ولا بد من تنصيب إمام. وإذا نصب الإمام، فلا بد من سمع وطاعة، وإلا كانت الفوضى. ووظيفة الإمام والدولة إقامة العدل في الناس، هذه وظيفة الإمام والوالي والحاكم، ووظيفة الدولة إقامة العدل في الناس ومنع التظالم بينهم، فلا يظلم هذا هذا، فيدافع عن هذا ويؤخذ الحق من هذا. هذا كله من مقاصد إقامة الدول، وكذلك إقامة شرع الله في الأرض، هذا من مقاصد إقامة الدول. كذلك حصول الأمن والأمان للناس، فيأمنون في حياتهم، وتدافع الدول عنهم من قطاع الطرق ومن الجبابرة ومن غزو الغزاة الفجرة أو الكفرة أو الظلمة أو غيرهم. فتجد الدولة من وظيفتها حماية الناس. هذا كله من وظائف الدول. ومن ذلك الحج: إقامة شعيرة الحج، فشعيرة الحج في بلاد الحرمين، الواجب في إقامتها الواجب أن يقيمها الوالي، فيعلن في الناس الحج، وينشر الجنود لأجل أمن الناس، ويخدم الحجيج بالماء وبالأمان وبشيء من الطعام، ويقفون في عرفة بأمره بعد التحري في دخول هلالي ذي الحجة وغير ذلك من مقاصد الشريعة العظيمة. فلا بد أن يكون الحج مع الأئمة. أما أن يأتي هذا فيقول: أنا أحج في اليوم الثامن لأني رأيت الهلال، وهذا يقول: نحن لم نرى الهلال، الوقفة عندنا في اليوم العاشر، فوضى. حجكم يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي: «صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَحَجُّكُمْ يَوْمَ تَحُجُّونَ»، والحديث حسن. فهذا: «وَحَجُّكُمْ يَوْمَ تَحُجُّونَ» أي مع الإمام، وإن غلط في دخول هلال ذي الحجة، حتى لو غلط باتفاق العلماء تصح لهم وقفة الحج، تصح لهم مع الإمام وقفة الحج، لأن الهلال ما ما استهل في الناس واشتهر وظهر، لا ما خفي ولم يعلمه إلا أحد من الناس أو نفر، فمثل هذا لا يعتبر هلالاً. وليس هذا موضع الكلام على هذه المسألة. الشاهد: من الأمور التي تستقيم بها أحوال الناس إقامة الحج مع الأئمة. قد يقول قائل: هؤلاء فجرة. قلنا: ولو كانوا فجرة، فمصلحة إحياء الشعيرة وإظهار منسك الدين أعظم من حال الإمام، صالحًا كان أو فاجرًا. إن كان صالحًا فلنفسه، وإن كان فاجرًا فعليها، لا يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه. «وَنَرَى الْحَجَّ» أي هذه عقيدة أهل السنة، «وَالْجِهَادَ مَاضِيًا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ»، مع كل إمام، كل من كان إمامًا حاكماً رئيساً أميراً، أي اسم كان، مع كل إمام برًّا كان أو فاجرًا. كذلك الجهاد: إذا أعلن الإمام الجهاد على الكفار، فإنه لا يجوز لأحد أن يقول: هذا رجل فاجر، كيف تقاتلون مع رجل فاجر؟ نقول: فجوره على نفسه، وإحياء شعيرة الجهاد مصلحة للإسلام وللمسلمين، وإحياء مصالح المسلمين أعظم من مجرد كونه فاسقًا أو ظالمًا أو غاشمًا، فهذا عليه لا علينا. وهذا من الفقه العظيم. «وَنَرَى الْحَجَّ وَالْجِهَادَ مَاضِيًا مَعَ كُلِّ إِمَامٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا»، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. نسأل الله جل جلاله أن يحينا عليها ويميتنا عليها، ويبصرنا بالحق حيث ما كان، ويجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. ونكمل بعد الصلاة. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.