الدرس في شرح كتاب التوحيد 47، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
اختلف العلماء في تفسير حديث «إن من البيان لسحراً» بين المدح والذم، ويرجح أن حديث ابن عمر جاء في سياق الذم لأن البيان قد يُستخدم لأخذ الحق بالباطل كالسحر. أما حديث عمار بن ياسر في صحيح مسلم فهو في سياق المدح للإيجاز والإبلاغ في الخطبة.
انتقل المؤلف من باب السحر إلى باب الكهان مبيناً مناسبة الترجمة؛ لأن الكهانة نوع من السحر أو تشبهه من جهة الاستعانة بالجن والشياطين. وعرّف الكهان بأنهم يدّعون علم الغيب ويسترقون السمع من الجن، ووصفهم الخطابي بحدة الأذهان وشر النفوس.
بيّن المقطع تعاون الجن والإنس في الكهانة قبل البعثة وكيف حُرست السماء بعدها، ثم استعرض حديث من أتى عرافاً فسأله فلم تقبل له صلاة أربعين يوماً. مجرد السؤال والذهاب إليهم فتنة عظيمة للكاهن والسائل والشاهد والمبلّغ.
أعلن المحاضر انتهاء الجلسة الحالية وأجل الكلام على الحديث إلى الجلسة القادمة، مختتماً بالصلاة على النبي محمد وآله وسلم. يُعد هذا الختام تمهيداً لاستكمال الشرح في اللقاء المقبل.
طيب، نكمل الباب إن شاء الله تعالى. قال المصنف رحمه الله تعالى وغفر له: «ولهما» عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن من البيان لسحراً». وهذا الحديث في الصحيحين كما قال المصنف رحمه الله، و«لهما» يعني: للبخاري ومسلم. «إن من البيان لسحراً»؛ وهذا الحديث اختلف العلماء في المراد منه: المدح أم الذم؟ هذا الحديث اختلف العلماء في المراد منه، هل المراد منه المدح أم الذم؟ «إن من البيان لسحراً»، هل هذا على سياقة المدح أم هو في سياقة الذم؟ فيه قولان للعلماء. بهذا قولان لأهل العلم، والظاهر أنه بحسب وروده. ففي حديث ابن عمر هذا، ففي حديث ابن عمر هذا هو ذم لا مدح. في حديث ابن عمر هذا، قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من البيان لسحراً»، هذا في سياق الذم، هذا ذم للبيان وليس بمدح. والمعنى: أن هذا البيان يأخذ صاحبه حق غيره بالباطل. معنى هذا: أن هذا البيان يأخذ به صاحبه حق غيره بالباطل، فكأنه سحر الناس إذ ذهب بالحق، كأنه سحر الناس إذ ذهب بالحق معه. وهذا اختيار الإمام الخطابي، هذا القول اختيار الإمام الخطابي والقرطبي وابن رجب والمصنف في هذا الكتاب وحفيداه الشيخ سليمان والشيخ عبد الرحمن، رحمة الله عليهم أجمعين. فقوله هنا في حديث ابن عمر: «إن من البيان لسحراً»، ذم للبيان لا مدح. ويدل لذلك أن هذا في هذا الموضع ذم، أن هذا ما فهمه صعصعة بن صوحان، كما في سنن أبي داود في كتاب الأدب. قال: «أما قوله: إن من البيان لسحراً»، قال صعصعة رضي الله عنه: «أما قوله: إن من البيان لسحراً، فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر الناس ببيانه فيذهب بالحق». ويدل لهذا أن هذا الحديث مصدر «بمن» التبعيضية. يدل لهذا أن هذا الحديث مصدر «بمن» التبعيضية. فقوله: «ولهذا حشده المصنف في باب أنواع السحر المذموم»، ولهذا حشد المصنف وختم باب أنواع السحر بهذا الحديث على وجه الذم لا على وجه المدح. فالسحر كله مذموم. وأما في غير حديث ابن عمر، كحديث أبي وائل عن عمار بن ياسر في صحيح مسلم، فذاك في سياق المدح. أما حديث أبي وائل: قال: خطبنا عمار فأبلغ وأوجز. هذا في صحيح مسلم. حديث أبي وائل: قال: خطبنا عمار فأبلغ وأوجز، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست. يا أبا اليقظان، لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست. قال: «إنما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقه، فأطيل الصلاة وأقصر الخطبة، فإن من البيان لسحراً». هذا الشاهد، الشاهد من الحديث: «فإن من البيان لسحراً». فمن خطب الناس فأبلغ وأوجز وأوصل الحجة بلفظ سهل موجز، فهذا يقال فيه: كأنه سحرهم، على وجه المدح لا على وجه الذم. هذا الذي تجتمع به الأدلة. أما في حديث الباب فهو للذم. قد يقول قائل: ما وجه كون البيان سحراً؟ قيل: هذا على وجه المشابهة من وجه دون وجه، هذا على وجه المشابهة من وجه دون وجه. وإلا فإن من أبان حجته بالباطل حتى أخذ الحق على صاحبه، فهو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، ليس بكافر. وإذا سحر فهو كافر، وإذا سحر فهو كافر. فهذا تشبيه من وجوه، من بعض الوجوه، وجود هنا بعض. وكما تقدم أن الشيئين إذا تشابها من وجه جاز أن يقرن، ولو كانوا مختلفين من وجوه أخر. قل: هذا أمثل وشواهد. فالفصاحة محمودة والبلاغة محمودة إلا في باطل، هذا حاصل المسألة. الفصاحة محمودة والبلاغة محمودة إلا في باطل، فإنها مذمومة، فإنها مذمومة. انتهى باب ما جاء في السحر، باب بيان شيء من أنواع السحر. انتهى هذا الباب. قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء في الكهان ونحوهم. قال المصنف رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جنانه: باب ما جاء في الكهان ونحوهم. وهذا الباب وهذه الترجمة مناسبة لما قبلها، هذا الباب وهذه الترجمة في غاية المناسبة لما قبلها. فقد تقدم قريباً أن السحر أنواع، وأن من أنواعه ما يكون منه من وجه دون وجه، وأن من أنواع السحر ما يكون من السحر من وجه دون وجه. والكهانة والعرافة تشابه السحر، والكهانة والعرافة سحر. والكهان هم الذين يتعاطون الإخبار عن المغيبات في مستقبل الزمان، الكهان هم الذين يتعاطون الخبر عن المغيبات في مستقبل الزمان. هؤلاء هم الكهان، ويدعون معرفة الأسرار، ويأخذون عن مسترق السمع من الجن. هؤلاء هم الكهان. وكما قال الإمام الخطابي، كما قال الإمام الخطابي رحمه الله، صاحب شرح البخاري وصاحب شرح سنن أبي داود: أن الكهان أناس لهم أذهان حادة، الكهان أناس لهم أذهان حادة ونفوس شريرة. الكهان كما قال الخطابي: أناس لهم أذهان حادة ونفوس شريرة وطبائع نارية، يفزعون إلى الجن ويسألونهم عن ما يحصل من الحوادث، يفزعون إلى الجن ويسألونهم عن ما يحصل من الحوادث، فتلقي إليهم الجن كلمات، تلقي إليهم الجن كلمات. وسياتي أن من الشراح وهو الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في فتح المجيد يذكر أن اسم الكاهن يشمل العرافة والرمالة ونحوهم. سيأتي ذكر هذا إن شاء الله تعالى. والغالب على الكهان الأخذ عن الشياطين، الغالب على الكهان الأخذ عن الشياطين. هذا الغالب، أن الكهان يأخذون عن الشياطين، هذا هو الغالب. ومن هذا الوجه فالكاهن كالساحر، فإن الساحر يستعين بالشياطين ويعبدهم، والكاهن يستعين بالشياطين ويعبدهم. وإن كان الكاهن الساحر يستعمل ذلك في أعم مما يستعمله الكاهن، فالكاهن يخبر عن المغيبات والساحر يسلطهم في خدمته. ومن هذا الوجه فالكاهن يدخل في الساحر، من هذا الوجه الكاهن يدخل في الساحر، فكلاهما مستعين بالشياطين عابد لها، كلاهما مستعين بالشياطين عابد لها. هذا ينبغي أن يعرف: أن الكاهن كالساحر، استعانته بالشياطين وعبادته لهم. والجن يستمتعون بالإنس كهنة أو سحرة، والإنس كهنة أو سحرة يستمتعون بالجن. الجن يستمتعون بالإنس كهنة أو سحرة، والإنس كهنة أو سحرة يستمتعون بالجن، فكل الفريقين مستمتع بالآخر. كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكُمْ إِنَّ رَبَّكُمْ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. فالجن يستمتعون بالإنس سحرة أو كهان، والإنس سحرة أو كهان يستمتعون بالجن، يختص كل فريق للآخر حاجة، يختص كل فريق للآخر حاجة، كل فريق يختص للآخر حاجة: شهوة أو نحو ذلك. وقد كان الكهان قبل مبعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منتشرين بكثرة، كان الكهان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منتشرين لكثرة. فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرست السماء، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرست السماء، فلا يتمكن الجن من استراق السمع إلا يسيراً، لا يتمكن الجن من استراق السمع إلا يسيراً. كما قال الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. متقدم في أول كتاب صفة تراكب الجن بعضهم على بعض، فرق سفيان يده وشتت بين أصابعه، كناية عن أن كل واحد يحمل الآخرة. تقدم الكلام، فكأنهم أصابع يد متفرقة. تقدم الكلام على هذا الشاهد. هذا الباب مناسب لما قبله. قال: باب ما جاء في الكهان ونحوهم، كالعرافين وكالرمالين، وكمن يدعي علم الغيب بحدسه وذكائه، كالرمالين، كالعرافين، كمن يدعي علم الغيب بحدسه وذكائه، وكالجرائديين أصحاب الأبراج ونحو ذلك. كلهم داخلون في هذا الباب. قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء في الكهان ونحوهم. قال: روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوماً». وقوله: «فصدقه» هي في مسند الإمام أحمد بسند مسلم، قوله: «فصدقه» هي في مسند الإمام أحمد بسند مسلم رحمه الله تعالى، وليست في صحيح مسلم، ولا في بعض روايات. فكأن المصنف ساقها من حفظه رحمه الله، أجر له، كأنه ساقها من حفظه. لفظ الحديث في صحيح مسلم: «من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً». وظاهر هذا اللفظ الوعيد، ظاهر هذا اللفظ الوعيد مرتباً على مجرد المجيء، ظاهر لفظ صحيح مسلم ترتيب الوعيد على مجرد المجيء والسؤال. هذا ظاهر لفظ صحيح مسلم، وهذا المعنى صحيح. هذا المعنى صحيح لما في سؤال الكهان والعرابين والمجيء إليهم من المفاسد العظيمة: تغريراً بالسائل والمسؤول والمشاهد والمبلغ. الذهاب إلى هؤلاء فتنة لأصناف أربعة، الذهاب إلى العراف والكهان فتنة لأصناف أربعة، كما تقدم ذكره: فتنة للعراف والكاهن، وفتنة للسائل، وفتنة لمن شاهد. فلان ابن فلان ذاهب إلى عراف كذا وكاهن بلد كذا، وكاهن بلد كذا، وفتنة لمن شاهد فلان ابن فلان ذاهب إلى عراف كذا وكاهن بلد كذا، يسأله عن أمر حصل، وفتنة لمن بلغه فيما بعد أن فلان ابن فلان ذاهب. فمجرد المجيء والذهاب والسؤال لهؤلاء الدجالين فتنة لأصناف أربعة، كما تقدم. طيب، لكم الكلام على الحديث في غداً. هذا، وصل الله على محمد وعلى آله وسلم.