الدرس في مباحث في خصائص دعوة أهل السنة والجماعة 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول أهمية الرجوع إلى الدين الصحيح لتحقيق الخلاص، ويبرز منهج أهل السنة والجماعة في التصفية والتربية. التصفية تعني إصلاح الدين من الشوائب والتحريف.
يشرح مبدأ التصفية والتربية الذي يتبناه أهل السنة، حيث يبدأون بتصفية الدين ثم يربون الناس عليه. يشمل تصحيح العقيدة وتنقية العبادات من البدع.
أهل السنة قاموا بتنقية العبادات وإرجاعها إلى هدي النبي، وحذروا من البدع والتعصب المذهبي. تمسكوا بالصحيح من الأحاديث واستندوا إلى علمهم وصفاتهم.
يُشير إلى ختم الدعوة النبوية بالصبر الذي اتسم به أهل السنة والجماعة، ويطلب النفع بما قيل ويُختتم بالصلاة على النبي والسلام عليه وعلى آله وصحبه.
إن الحمد لله، فنحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، إخواني في الله، ونحن في هذا اليوم، والذي يعد اليوم الأخير من هذه الدورة العلمية المقامة في دار الحديث بجامع التقوى، نصل إلى نهاية هذا المبحث، والذي كان بعنوان "من خصائص دعوة أهل السنة والجماعة". وكان فيما مضى، إخواني في الله، العروج على أهم الصفات والسمات التي تميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم من الفرق والجماعات. وإن مما يناسب ذكره ختامًا لهذا المبحث أن أتحدث عن خصيصة، وهي كذلك من الخصائص التي تميز بها أهل السنة والجماعة عن غيرهم، فلا يزاحمهم بها أحد. وهي كان من امتثالهم في أمر دعوتهم لمنهج التصفية والتربية. إخواني في الله، عباد الله، لا شك أن الخروج مما نحن فيه في مثل هذه الأزمان الغابرة، مما نراه من طلاطم أمواج الفتن والمحن، ومن طروق التغيرات والمحدثات والمنكرات، والتي عصفت بالأفراد والمجتمعات، المخلص والنجاح إنما يكون بالرجوع إلى دين ربنا. وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بالداء، ثم أخبر بهذا الدواء، فقال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في السنن من حديث ابن عمر: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليكم ذلا". وهذا الذي ابتلينا به، الظل والهوان، سلط الله عليكم ذلا، لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم. فأخبر عليه الصلاة والسلام بأن مكمن الخلاص والمناص مما نحن فيه من الواقع الأليم، إنما يكون بالرجوع إلى دين ربنا سبحانه وتعالى. وهنا الإشكال، إخواني في الله، ليس الإشكال في مسألة الرجوع، لا، ليس هذا الإشكال حقيقة، ولكن الإشكال نرجع لمن، ونرجع لماذا نرجع للدين، أي دين سنرجع إليه؟ هنا السؤال الذي ينبغي أن يتنبه له المسلمون. أمرنا نبينا أن نرجع إلى ديننا، إلى الدين الذي أنزله الله علينا، كتابًا وسنة، لكن من تأمل إلى الدين الموجود في هذه الأزمان، قد تغير وقد تبدل جدًا عما كان عليه منذ قبل. وما كان تغير الدين إلا بسبب ما فعله الناس، بأن وضعوا فيه ما ليس منه، فأدخلوا فيه من الآراء والأهواء، ومن الأقوال والأفعال، ومن السلوكيات والنيات والاعتقادات، ما لا تمت بالدين بصلة أبدًا، بل هي دخيلة. حتى أصبح هذا الدين مخلطًا، إذا كان ذاك الصحابي الذي خرج رضي الله تعالى عنه، خرج على أتباعه في زمنه، قال: "لو خرج فيكم رسول الله، ما عرف فيكم إلا الصلاة فقط"، هذا الذي يميزكم، وإلا قد تغيرت. وما كان من تغير الناس أصلا إلا بما كان سببا في تغير الدين. فالناس لما رجعوا إلى الدين، لكن ليس الدين الصحيح، لما رجعوا إلى هذا الدين الذي قد خلط بما عليه الناس، إن عكس هذا الدين المخلط على الناس، فتخلط الناس جدًا، فيتغير الدين ويتغير أهله وأصحابه. لذا، إخواني في الله، كان الصلاح يكمن في صلاح الدين، وفي صلاح أهله. ومن هنا كان من صميم دعوة أهل السنة والجماعة أن انبروا لهذه المسألة العظيمة، والتي يكون بها صلاح الأديان والأبدان والأجساد، فحملوا راية التصفية والتربية. التصفية والتربية، التصفية هي في الحقيقة إصلاح للدين الذي وقع فيه التخليط، وذلك بإزالة ما تعلق فيه وما تعلق به، وتطهيره وتنظيفه وتهذيبه على ما كان عليه من الأصالة في الصدر الأول. فكان هذا مبدأ التصفية، يصفون هذا الدين ويصفونه حتى يظهر الدين كما كان عليه صافيا نقيا. ثم تأتي التربية، وهو في الحقيقة إصلاح للناس، بأنهم بعد أن صفوا الدين، أخذوا يربون الناس على هذا الدين. التربية تربية الأشخاص والأفراد والأعيان والمجتمعات، وذلك بتربيتهم وتهذيبهم وإلزامهم وإقناعهم ودعوتهم وحثهم وحضهم على التمسك بهذا الدين الصافي. هذا هو مبدأ التصفية والتربية، التصفية أولا بالتنقية، ثم بعد ذلك يتربى الناس على هذا الدين الصافي. هذا هو خلاصة هذا المذهب الذي اطبق عليه أهل السنة والجماعة، أن تكون الآلية في الإصلاح، آليتهم في الإصلاح تكون في هاتين الكلمتين: تصفية، تربية. ويعبر كذلك بعضهم بقوله: التخلية والتحلية، تخلية ثم تحلية. التخلية قبل التحلية، والتصفية قبل التربية. بل إن من الفضلاء من ذكر أن مبدأ التصفية والتربية هو موجود في ديننا، بل حتى في كلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، تقوم على التصفية والتربية. ما معنى "لا إله"؟ لا إله بمعنى أن تصفى القلوب من أي تعلق بغير الله، فتصفى القلوب من تعلقها بالأنداد والأصنام والأوثان، وبالأشخاص والأفراد، ومن كل أحد. "لا إله" لا تكون تعظيمًا لشيء كائنا من كان، تصفى ما في القلوب وما في الصدور. وبعد هذا "إلا الله"، يتربى المسلم والموحد على أن يعظم التعلق بربه لا لغيره، فيتربى الناس على هذا "لا إله إلا الله"، تصفى ثم تربية. وإن أهل السنة، إخواني في الله، كما سمعتم، كان من أشهر وأعظم الألوية التي رفعوها في دعوة الناس لدين الله، في مسألة الإصلاح لهم بالتصفية والتربية، وكان ذلك شاملا لكل أبواب الدين، ولكل أفراد الشريعة، بدءًا بالعقيدة، ونزولا إلى غيرها. فالعقيدة قام أهل السنة والجماعة بتصفيتها وتنقيتها عما وقع لها من التغيرات. فكم تغيرت العقيدة؟ وما يكون ينبغي أن يكون للرب سبحانه وتعالى؟ إما تغيرا في الربوبية، فمن أصبح يعتقد النفع والضر في غير الله، كمن يعتقد الضر والنفع في السحرة والمشعوذين والكهان، أو يعتقد النفع والضر في حبال أو خيوط أو حروز أو تمائم، بأنها تجلب له الخير وتدفع عنه الضر، هذا خلل في توحيد الربوبية. أو ما يكون من الخلل في توحيد الألوهية، من رأى ومن ظن أن العبادات ليس حقها فقط أن تصرف لرب العباد، لا، بل تعطى لغيره، لا بأس أنك تتوجه بالدعاء والاستغاثة والنذر للأضرحة، للأموات، لأصحاب القباب، للأولياء، تذبح لله وتذبح لغير الله، تهتف وتدعو باسم الله، وأهتف وأطلب المدد من غيره. أو ما يكون من الخلل العقدي في الأسماء والصفات، ممن أدخل على هذا الباب الجانب العظيم من توحيد الله، أدخل ما ليس فيه من التمثيل والتعطيل والتحريف والتجسيم والتكييف والتفويض، حتى شوه هذا الباب، فعري أن يكون لله جل في علاه الأسماء الحسنة والصفات العلا. فكان من أهل السنة أن قاموا بالتصفية، تصفية هذه العوائق والعوالق التي علقت في عقيدة الله وعقيدتنا، براء منها. فلما صفوا ونقوا، حينها ألزموا الناس بالعقيدة الصحيحة، بعقيدة أهل السنة والجماعة، في توحيد الله، في ربوبيته وألوهيته والأسماء والصفات، فلا رب سواه، ولا إله يعبد إلا إياه جل في علاه. وهكذا قل في باب العبادات والطاعات والقرب، قام أهل السنة بتصفية هذا الباب، وخاصة ما كان من إدخال البدع والمنكرات، ومن طقوس ومن سلوكيات، حتى أصبحت العبادات لم تكن على الصدر الأول. ما من عبادة إلا ودخلها شيء من التغيرات، في الصلاة، في الأذان، في الإقامة، في الأذكار، في الأوراد، في الصيام، في الحج. فكان هذا من وظيفة أهل السنة أن قاموا وحذروا الناس من البدع، ونقوا هذه العبادات، وأرجعوها إلى ما كان من فعله وما كان من هديه وسمته عليه الصلاة والسلام. صلاتنا كصلاته، صيامنا كصيامه، ذكرنا وأورادنا كما ذكر وأتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا قل في باب الفقهيات والتفقه في دين الله، وكم تمالكت أهل السنة العجب عندما رأوا هذا التعصب المقيت، حيث رأوا ما من طائفة مشتغلة بالفقه إلا ونصبت لها إماما، إماما لا يخرجون عن قوله، بل القول قوله والأمر أمره. فكان من أهل السنة أن حرموا هذا التعصب، ليس من عند أنفسهم، بل من أقوال أئمة المذاهب، من أقوال الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رحمهم الله، كيف أنهم حرموا على الناس أن يتعصبوا لهم. فكان أهل السنة على إثر الأئمة، بعدم الجواز أنت على مذهب معين، فذاك خذ، متى ما وافق الدليل، لكن تستميت عليه حتى يصل بك الأمر إلى أنك تشكك في دين أخيك الذي خالفك في مذهبه. وهكذا قل في باب الأخلاق، في باب السلوكيات، وما رأوه من هذه التغيرات في دين الناس، وفي دنياهم، من التشبه بأعداء الدين، ومن طروق ونشوء من هذه الأخلاق الردية والسلوكات الدنية. فكان منهم التجريم والتحريم لكل خلق هابط أثيم، ثم علموا الناس وربوهم عن الأخلاق الحميدة والآداب السديدة. وهكذا قل في السنة المطهرة، في اسم الأحاديث، عندما رأوا تلكم الأحاديث المتناثرة التي يهتدى بها الناس، وهي بين ضعيف ومكذوب ومنكر، أو أحاديث مسلسل بالمجاهيل. فكان من أعظم ما غير الناس هذه الأحاديث الموضوعة والمكذوبة. فكان من أهل السنة والجماعة أن حرموا التحديث بمثل هذه الأحاديث المنكرة، وربوا الناس على ضرورة أن تأخذ منها الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإن أهل السنة والجماعة هم من أجدر الناس بهذه الراية، وذلك لما حباهم الله جل وعلا من صفات لا توجد إلا فيهم. فمن أعظم الصفات التي جعلت أهل السنة هم أولى الناس بهذه الدعوة، بهذا المبدأ، مبدأ التصفية والتربية، ما كان من علمهم، وما آتاه الله جل وعلا لهم من العلوم. فهم من أعلم الناس بدين الله، يعلمون مكامن الخطأ، وأين الزلل، وأين الأخطاء، وأين البدعة، وأين الشرك، وأين المعصية، وأين التشبه. يعلمون هذا بما آتاهم الله. فبعلمهم علموا أماكن الزلل، ثم بما آتاهم الله من علمهم بعوامل الإصلاح، أصلحوا هذا. وكذلك قس جانب الإخلاص، بهذا وفقهم الله جل وعلا في السير على هذا المبدأ. الإخلاص أعمالهم، أقوالهم لله جل في علاه. يلاقون من الناس العنت والمشقة والأذى، وهم مع ذلك يمشون على هذا المضمار، لأن غايتهم هي طلب الأجر والقرب من الله سبحانه وتعالى. وكان من صبرهم صبر الصبر المديد الطويل، هذا الذي تسلح به أهل السنة والجماعة، يمضون حتى قال بعض الأفاضل: "وهو يحدث عن حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عندما خط نبينا خطا في الأرض، خطا طويلا، وخط عن يمينه وعن شماله خطوطا متعرجة، ذات اليمين وذات الشمال". فعلق نبينا على هذا الرسم بقوله: "قال هذا هو صراط الله، وهذه الطرق، وأشار عن الخطوط المتعرجة، هذه الطرق، ما من طريق إلا وعليه شيطان". ثم تلا قول الله: "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل". فكان من أهل السنة أن سلكوا هذا الطريق المستقيم، طريق التصفية والتربية، وإن ذهب هذا الجيل، أتى الجيل الثاني، وإن انقضى الجيل الثاني، يأتي الجيل الثالث، ولا زالوا يمضون على هذا الطريق. يا أيها المدثر، قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر. بدأها ربنا بالدعوة، قم فأنذر، وختمها ربنا بالصبر، هذا الذي تسلح به أهل السنة والجماعة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.