الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 96، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
استعرض الدرس أحداث السنة التاسعة للهجرة وبداية غزوة تبوك في وقت شدة وجدب وطيب ثمار، وأعلن النبي ﷺ الوجهة استثنائياً لبعد المسافة وشدة الزمان ليميز الصادقين من المنافقين، وسرد قصة الجد بن قيس الذي استأذن بالتخلف خوفاً من الفتنة بنساء الروم فنزلت فيه آية ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ مع تنبيه إلى اختلاف المحدثين في صحة نسبتها إليه.
ناقش الدرس ضعف حديث سبب نزول آية "لا تنفروا في الحر" واختلاف المحدثين في تصحيحه، ثم استعرض مواقف المنافقين المثبطة عن الخروج في الحر الشديد، واختتم بذكر حث النبي ﷺ على النفقة وإنفاق عثمان بن عفان ثلاثمائة بعير مجهزة لغزوة تبوك.
شرح الدرس تجهيز عثمان بن عفان رضي الله عنه لجيش العسرة بألف دينار وأحلاس وأقتاب، وروى قصة البكائين السبعة الذين حزنوا لعدم إيجاد ما يحملهم للجهاد، وموقف علبة بن زيد الذي تصدق بمظالمه حين لم يستطع الخروج فبشره النبي ﷺ بقبول صدقته، مبيناً الفرق بين أهل الإيمان وأهل النفاق.
جاء الأعراب معتذرين ليُؤذن لهم بالتخلف عن الغزوة، فلم يعذرهم النبي ﷺ لأن الله أخبره بكذبهم وقدرتهم على الجهاد، وانتهى الدرس عند هذا الحد على أن تُكمل أحداث الغزوة في درس قادم.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فما زلنا في السيرة في أحداث السنة التاسعة من الهجرة. وآخر ما انتهينا منه قصة كعب بن زهير رضي الله عنه الشاعر المعروف المشهور، وكيف أنه أسلم وذكر أبياتاً في مدح الإسلام وفي مدح النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: "فصل في غزوة تبوك". قال: قال ابن إسحاق: كانت في زمان عسرة من الناس، وجدب من البلاد، وجدب من البلاد حين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم. وهذا المعنى جاء في حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في قصة توبته رضي الله عنه مع صاحبيه، وهذه القصة ستأتي معنا في هذه الغزوة. فكانت هذه الغزوة شديدة على المسلمين، فكانت في زمان عسرة من الناس، يعني في زمن فقر وشدة معيشة، وجدب من البلاد، وقد طابت الثمار، بمعنى أوشكت على الإخضرار والإصفرار وجنيها، فلا شك أن الناس يحبون المقام في بلادهم كي يجنوا تلك الثمار ويتمتعوا بأكلها والتجارة فيها ونحو ذلك. قال: وكان كذلك هذه الغزوة كما سيأتي معنا كانت في مكان بعيد، وعدو كذلك شرس وبعيد. قال: وكان صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج من... قل ما يخرج من غزوة إلا ورى بغيرها، يعني إذا رجع من غزوة وأراد أن يغزو مرة أخرى لا يصرح بجهته، لا يقول: أنا سأغزو بلد فلان أو قبيلة فلان أو مكان فلان. لماذا؟ لماذا لا يصرح؟ نعم، من يجيب؟ عندك، عندك، عندك، نعم. حتى لا يعلم العدو فيستعد ويتجهز للقتال، أو أن أحداً من المنافقين أو الجواسيس والعيون يخبر العدو بجهة النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يوري. قال: إلا ما كان منها، إلا في هذه الغزوة فصرح عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ قال: إلا ما كان منها فإنه جلاها للناس لبعد الشقة، يعني المسافة، وكما جاء في القرآن: ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾، يعني المسافة، وشدة الزمان، فكان وقت جدب، وكذلك عسرة من الناس، فصرح بذلك لهذه المصالح حتى يتجهز المسلمون، وحتى يعلم الله الصادقين من الكاذبين والمؤمنين من المنافقين. ففي وقت الشدائد تتبين النفوس، وتظهر جواهر الرجال، تظهر جواهر الرجال. فبيّن لهذه المقاصد عليه الصلاة والسلام. فقال ذات يوم وهو في جهازه، يعني تجهيزه للغزو بعدما صرح بها، فقال وهو في جهازه للجد بن قيس: "هل لك في جلاد بني الأصفر؟" يعني في جهادهم وقتالهم، والمراد ببني الأصفر الروم. فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، يعني تأذن لي بالجلوس وعدم الخروج معك إلى هذا الغزو. قال: "فقد عرف قومي أنه ما من رجل أشد عجباً بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر"، يعني يهجم عليهن وربما يزني بهن قبل أن يعطى من السبي عند النصر ونحو ذلك، هذا معنى كلامه. فقال: "قد أذنت لك". ففيه نزلت: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾. وهذا الحديث رواه البيهقي في دلائل النبوة، وفيه رجل لم يوثقه معتبر، والشيخ الألباني يحسنه، لكن شيخنا الوادعي رحمه الله لم يذكره في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول"، فكأنه لا يرتضيه. وظاهر الآية يدل على هذا المعنى، لكن ذكر الاسم هذا هو الذي يكون على حسنه على حسب صحة وضعف الحديث، على صحة وضعف الحديث. فإذا صح الحديث فيثبت هذا النزول في الجد بن قيس، وإن لم يصح فلا يثبت هذا النزول فيه. فالأية في رجل استأذن من النبي صلى الله عليه وسلم خشية الفتنة بالنساء، خشية الفتنة بالنساء، فالمعنى صحيح، معنى سبب النزول صحيح، ولكن الخلاف في تعيين صاحب السبب، في تعيين صاحب السبب، والله تعالى أعلم. ولذلك الشيخ الألباني في "فقه السيرة" ضعف هذا الحديث، ضعف هذا السبب، سبب النزول، وحسنه في موضع آخر في "الصحيحة"، في "الصحيحة" حسن هذا الحديث الشيخ الألباني، نعم برقم ثمانية وثمانين وتسعمائة وألفين. وفي "فقه السيرة" في تحقيقه لكتاب "فقه السيرة" ضعف هذا الحديث بهذا الرجل الذي لم يوثقه معتبر، فالحديث دائر بين الحسن والضعف، والله تعالى أعلم. وقال قوم من المنافقين... انظر هذه الغزوة فضحت المنافقين، لأنه، لأن فيها ابتلاء عظيم لا يصبر عليه إلا صاحب الإيمان الصادق، إلا صاحب الإيمان الصادق، أما صاحب الإيمان المزعزع أو المنافق فإنه يظهر في مثل هذه الشدائد ويتبين نفاقه، يتبين نفاقه. فسيذكر المؤلف الآن مواقف كثيرة تدل على سقوط المنافقين في هذه الشدة، في هذه الشدة. قال: وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: "لا تنفروا في الحر"، لأن الوقت كان وقت حر. انظر إلى هذا البلاء، هذه الغزوة كانت في حر شديد، وفي عسرة يعني فقر في الناس، ومن جدب في البلاد، ومن قرب لجني الثمار، لجني الثمار، ابتلاءات عظيمة. فبعض المنافقين قال لبعض: "لا تنفروا في الحر". فنزلت، أو فنزل قول الله عز وجل: ﴿وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً﴾. وهذا الحديث يحتمل التحسين، وقد حسنه العلامة الألباني، أما شيخنا الوادعي فلم يذكره في "الصحيح المسند من أسباب النزول"، ولكن الآية تدل على أن المنافقين قالوا ذلك، أن المنافقين قالوا ذلك، لكن خلافنا هل الآية نزلت بهذا النزول وفي هذا الموضع، أو أنها بدون سبب نزول؟ لأن سبب النزول كما تقدم معنا لو تذكرون في دراستنا لكتاب أسباب النزول يثبت بأمور، منها تصريح الصحابي، منها تصريح الصحابي بأن هذه الآية نزلت في كذا وكذا، نزلت في كذا وكذا. فهنا ما جاء في حديث أن الآية نزلت في كذا وكذا، فسبب النزول لا يثبت إلا إذا هناك تصريح، إلا إذا كان هناك تصريح. نعم. قال: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حض، أي حث، حض أهل الغنى على النفقة، لأن الناس في شدة، في شدة وعسر. وهذا فيه أن إمام المسلمين أو من يقوم مقامه، أو كذلك إمام المسجد أو المسؤول على حي من الأحياء أو نحو ذلك، إذا رأى شدة وفقراً في أحد الناس فله أن يحث الناس على أن يتصدق عليه، هذه سنة نبوية كما ورد في حديث: "من سن في الإسلام سنة حسنة". فله هذا الحديث له سبب، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أولئك القوم وهم في فقر مذقع في ثياب رث، وفي حاجة ماسة، فتمعر وجهه عليه الصلاة والسلام شفقة ورحمة على هؤلاء، فحث الناس على الصدقة، حث الناس على الصدقة. وهكذا في هذا المقام، لما كانت الشقة بعيدة، وكذلك الزمان زمان عسرة من الناس، والناس بحاجة إلى تجهيز الرواحل والمجاهدين، حث عليه الصلاة والسلام أهل الغنى على النفقة. قال: قال فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا، يعني أنفقوا في سبيل الله. قال: وأنفق عثمان ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها. أنظر، أنظر إلى هذا النفق العظيم من هذا الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، ثلاثمائة بعير، ثلاثمائة، تجهيزاً لهذه الغزوة، بأحلاسها وأقتابها، يعني ليس مجرد بل مجهزة، لأن الأحلاس هو جمع حلس كما ذكر هنا المعلق، جمع حلس وهو كساء على ظهر البعير، لأن الراكم ما يركم مباشرة على شعر وعلى جلد البعير، يكون بينه وبين ظهر البعير كساء يجلس عليه، وهذا من تجهيز الراحلة. وأما الأقتاب فقد قال هنا: جمع، جمع قتبة، أو قال: والأقتاب جمع وقطبة، الرجل الصغير على قدر سنام البعير، أو قتبة الرحل، وقطبة الرحل الصغير على قدر سنام البعير، يعني مثل الشيء المقوس من الخشب يوضع على ظهر البعير فوق الكساء، فوق الكساء، يقال يقال له قتب، وقطبة الرحل هذا هو الصغير على قدر سنام البعير. فجهزها بكسائها، بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، وعدتها ما يحتاجه المقاتل، وألف دينار عيناً، يعني نقداً. وهذا تعد من مناقبه رضي الله تعالى عنه، إذ جهز هذا الجيش، ويقال له أيضاً جيش العسرة، لأن الله سماها في كتابه بالعسرة. قال: وجاء البكاؤون وهم سبعة، لكن يبكون على ماذا؟ انظر إلى الهمم، انظر إلى أهل الإيمان، انظر إلى أهل الصدق مع الله عز وجل. جاء البكاؤون وهم سبعة يستحملون رسول الله، يعني يطلبون منه أن يحملهم إلى الغزو لأنهم فقراء، ما معهم ما يركبون عليه، ما معهم ما يركبون عليه. فجاءوا وهم في حسرة أنهم لا يستطيعون الجهاد ولا يستطيعون الخروج لعدم تجهيز رواح لهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أجد ما أحملكم عليه"، ما عندي ما أحملكم عليه. ونحو هذا الحديث كما ذكر المعلق في البخاري: قال تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً، أو حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، كما هو ظاهر الآية: ﴿ولعل الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا ألا يجدوا ما ينفقون﴾. وبهذا الموقف يتبين لنا الفرق بين مواقف أهل الإيمان ومواقف أهل النفاق. أهل النفاق يعتذرون كذباً ويأتون بالأعذار الكاذبة حتى لا يخرجوا إلى الغزو وهم مقتدرون على الرواحل وعلى الخروج، وأهل الإيمان ما عندهم ما يركبونه ويتحسرون على ذلك ويبكون لأنهم لم يجدوا ما يركبونه. قال: وقام علبة بن زيد... هذه تولع، هذه اللنبات. قال: وقام علبة بن زيد فصلى من الليل وبكى، ثم قال: "اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به مع رسولك، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها من مال أو جسد أو عرض". ثم أصبح مع الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أين المتصدق هذه الليلة؟" فلم يقم إليه أحد، ثم قال: "أين المتصدق فليقم"، فقام إليه أي علبة بن زيد، فأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: "أبشر، فالذي نفس محمد بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة". وهذا الحديث صححه العلامة الألباني في "فقه السيرة"، في "فقه السيرة". فانظر إلى رغبتهم في الخير، ما استطاع أن يخرج في الجهاد لعذر، فتح على نفسه باباً آخر من أبواب الخير، تصدق على كل مسلم نال من عرضه أو من ماله أو من جسده، سامح، تصدق. من أخذ عليه مال ظلم، أنا مسامح له، قد عفوت عنه صدق لله، ومن نال من جسد بضرب أو بشيء من ذلك، فأنا كذلك قد عفوت عنه، وهكذا من تكلم في عرض بغيبة أو سب أو شتم أو نحو ذلك، فقد عفوت عنه. فتح على نفسه باباً آخر، وهكذا المؤمن إذا أغلق عليه باب من أبواب الخير والطاعة فتح لنفسه أبواباً أخرى من أبواب الخير، وفضل الله واسع. مثلاً بعض الناس في الزمن الأول يرغب في الحج في كل عام أو العمرة ولو عام بعد عام، لكن في هذا الزمان في هذه السنوات الأخيرة ربما تعسر هذا الأمر، فيفتح لنفسه باباً آخر، يقول: بدل ما أذهب إلى الحج السنة هذا، سأذهب إلى طلب العلم أو دعوة إلى الله، أو يفتح لنفسه أبواباً أخرى من أبواب الخير والبر والطاعة. فهكذا كان سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى. قال: وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، فلم يعذرهم، لأن الله أخبره بكذبهم وقدرتهم على الجهاد، فلم يعذرهم. طيب، لعلنا نكتفي ونكمل بقية أحداث هذه الغزوة في درس قادم. إلى هنا والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر