الدرس في التعليق على كشف الشبهات 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المؤلف الفرق بين شرك الأولين الذين يشركون في الرخاء ويخلصون لله في الشدة، وبين شرك أهل زماننا الذين يشركون في الرخاء والشدة. كما يوضح أن الأولين كانوا يدعون أناسا مقربين عند الله بينما يدعو أهل زماننا أشخاصا فاسقين.
يتناول المقطع انتقاد الممارسات الصوفية التي تتضمن ادعاءات كرامات وهمية مثل ادعاء رؤية شخص في أكثر من مكان، ويبين أن هذه الممارسات تهدف إلى إضلال الناس وتثبيت عقائد شركية. كما يشير إلى أن بعض المدعين يتصفون بالفسق والفجور ومع ذلك يُعتقد فيهم الولاية.
يتناول المقطع الرد على شبهة التفريق بين الكفار الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والذين يدعون الإسلام اليوم، ويوضح أن الكفر لا يتجزأ وأنه يشمل كل من أنكر شيئا من دين الله عز وجل بالضرورة.
يتم ختام الدرس بشكر الحاضرين والاكتفاء بما تم شرحه، مع التمني بالتوفيق من الله تعالى. يشير إلى انتهاء الدرس على خير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: فإذا عرفت هذا -أي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب- طرف كشف شبهات، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين. فإذا عرفت أن هذا الذي سماه المشركون في زماننا كبير الاعتقاد، هو الشرك الذي نزل فيه القرآن. كبير الاعتقاد معنى الاعتقاد بالأولياء. قال: وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس عليه. فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين. أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء ولا أوثانا مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، وقوله جل وعز: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَتَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾. فهذه الآيات كلها التي ذكرها المؤلف رحمه الله تدل على أن المشركين كانوا يشركون في الشدة وفي الضراء، ويدعون الله ويوحدونه في الرخاء. لكن مشركي هذا الزمان -أو هؤلاء من الروافض والقبورية الصوفية- تجد أنهم يشركون في الشدة والرخاء، بل يجعلونه من العبادات والطاعات. قال: فمن فهم هذه المسألة التي وضح الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون سادتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين. ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهما راسخا؟ والله المستعان. والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسا مقربين عند الله، إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أشجارا وحجارة مطيعا لله، وليست عاصية، يريد مطيعا لله، أي أنها منقادة وتسبح لله. ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. فالأشجار والأحجار ليست من بني آدم تعصي الله. لكن أهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك. ومن شك في هذا في كلام الشيخ ينظر إلى كتبهم، فهم يذكرون عن أوليائهم الزنا، ويذكرون عن أوليائهم السرقة، ويذكرون عن أوليائهم كذلك ترك الصلاة. يأتي الرجل يقول: أنا أصلي في الحرم، ويجلس في المسجد. وهذا قد حصل حتى في زمننا هذا، مع أن الناس قد عرفوا أن هذه الأشياء خرافات وترهات، إلا أن هناك من القبورية من يفعل ذلك إلى الآن. أنا ذكرت ورأيت كثير من الناس رجلا من الصوفية في البيضاء يجلس والناس يصلون، فإذا قيل له: لما لا يصلي؟ قالوا: هذا يصلي في الحرب. وهذا كذب وافتراء، ويأتون بعد ذلك بالقصص أنه رأى في الحرب، وأن فلانا لما ذهب للحج رآه في الحرب، ومن هذا القبيل حتى يضحك على السذج. وكل هذا من الكذب. وأيضا تزين الشيطان لهؤلاء حتى لو رآه مثلا معنا، صحيح أنه رأى في مكة، فهو شيطان، لأن هذا لا يفعله مؤمن، أنه يظهر في كل مكان، إلا الشياطين تريد أن ترسخ عند هؤلاء العقيدة التي هم عليها في اعتقادهم الشرك. وهذا الذي يسعى إليه الشيطان، أنه يخرج عباد الله عز وجل من دينه، من دين الله سبحانه وتعالى. فلهذا تجد أنهم يحكون عنهم هذه الأشياء، بل يحكون عنهم الخبائث التي لا تحكى، أو لا يستطيع أن يحكيها الفسقة فضلا عن غيرهم. ويحكون عن أوليائهم، ثم يقولون: أن هؤلاء أولياء. فهذا أيضا من الأمور التي يكون فيها فرق بين شرك الأولين والآخرين. ذكر هنا المؤلف رحمه الله أمرين، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أكثر من هذا. قال: وأهل زماننا يدعون مع الله أناسا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك. والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر، أهون ممن يعتقد في من يشاهد فسقه وفساده ويشهد به. أنا يراه يغازل النساء، ويراه أيضا عنده النساء الأجنبيات اللاتي لست أزواجه. وكما ذكروا عن بعضهم -عن بعض سادة البعلوي- كان عنده النساء يرقصن، فأنكر عليه بعض الفقهاء. فجاء هذا الفقيه حتى يريد أن ينكر على هذا السيد ما يفعله من جعل النساء يرقصن عنده. وإذا كان النساء يرقصن عنده بدون حياء، فمن باب أولى أن يكون هناك ما هو أكثر من هذا. قال: فلما جاء هذا الفقيه، فلما دخل جعلت تلك المرأة وبعض النساء يعتنقنه. فلما اعتنقته المرأة سقط مغشيا عليه. فلما أفاق اعترف بولاية هذا السيد. انظر إلى هذه العقول، وانظر إلى أيضا تبرير الفسق، تبرير هذا الفسق حتى يكون ولاية. أنا فسق ويكون ولاية، فهذا مما من العجيب الذي عنده هؤلاء. قال: إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله أصح عقولا -أنا أصح عقولا-. هنا أخذ الشيخ من هذا: كيف يحكون عنهم الفسق ويحكون عنهم الرذيلة ويحكون عنهم ترك الصلاة، ثم يكونون أولياء؟ هذا يدلك على أن عقولهم قد ذهبت. وأيضا أهل الشرك الذين كانوا يشركون بالأصنام أيضا لا عقول لهم، لكنهم أصح عقولا من هؤلاء. معنى: إنسان يأتي ويعبد صنما، يعبد شيئا لا يتكلم ولا ينطق ولا كذا، كما قال نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿اسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾، ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾. فرجعوا إلى أنفسهم، فقالوا: ﴿أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ﴾. فهؤلاء رجعوا إلى أنفسهم تذكروا قليلا، لكن جرهم بعد ذلك الشيطان وأصروا على ما هم عليه من الشرك بالله جل وعلا. وإلا كيف يعبد صنما ليس له حول ولا قوة، إذا كسر لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، فكيف يكون إلها؟ لكن هؤلاء صاروا معنا، صاروا أضعف عقولا من هؤلاء، وصار أولئك المشركون أصح عقولا منهم. فهؤلاء يحكون عنهم الفسق ويحكون عنهم الفجور، ثم يكونون أولياء، ويعظمونهم، بل إنهم يدعونهم من دون الله جل وعلا. قال: فاعلم أن لهؤلاء شبه يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فأصغي سمعك لجوابها. وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله، يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحرا. ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ونصدق القرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ قال: فالجواب: معنى يقولون: أولئك لا يؤمنون بالقرآن ولا يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نؤمن بذلك. قال: فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء أنه كافر، لم يدخل في الإسلام. وهذا بنص كتاب الله جل وعلا في ذكر الله عز وجل أن هذا عند اليهود: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ يعني: يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، ويؤمنون ببعض الرسل، ويكفرون ببعض. فهذا جعله الله عز وجل من الكفر الحقيقي. قال: كذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله وجحد الحج. ولما لم ينقض أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج، أنزل الله عز وجل في حقهم: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. معنا: لا فرق في الكفر كله كفر وشرك، من أنكر التوحيد كفر، ومن أقر بالتوحيد وأنكر الصلاة كفر، ومن أقر بالتوحيد والصلاة وأنكر الزكاة كفر. فكلهم كفار، كلهم كفار إذا أنكر شيئا من دين الله عز وجل بالضرورة. قال: ومن أقر بهذا كله -أي أقر بالتوحيد وأركان الإسلام- وجحد البعث، كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. قال: فإذا كان قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقا، وأنه يستحق ما ذكر، زالت هذه الشبهة. وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسله إلينا: أن هذه الشبهة ليست شبهة، لأن الكفر في الإسلام سواء كان الكفر أصليا أو أنه ارتد، فكلهم كفار ومشركون، سواء كان هذا أو هذا، فليس هناك ميزة لذاك أو هذا. طيب إن شاء الله وتعالى نكتفي بهذا، ونكون في درس الله. شكرا لكم.