الخطبة بعنوان حج هذا العام وقفات تأمل واعتبار، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 22 ذو القعدة 1442هـ الموافق 2 يوليو 2021م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الخطيب على وجوب المبادرة بالأعمال الصالحة وعدم التسويف، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تحث على المسارعة إلى المغفرة والجنة. كما يستعرض فضائل الحج وعظيم أجره داعياً المسلمين لاستغلال الفرص قبل فواتها.
يبين الخطيب أن الذنوب هي السبب الرئيس في حرمان المسلم من أداء العبادات كالحج، مستشهداً بأقوال ابن القيم والحسن البصري. ويشير إلى أن النية الصادقة بالحج عند تيسر السبيل تنال الأجر كاملاً حتى مع المنع، داعياً إلى التوبة وإصلاح النفس.
يختتم المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يردد جزءاً من الأذان (الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح). ويختتم بالشكر للمشاهدين على المتابعة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إننا في مثل هذه الأيام من كل عام نودع قوافل حجاج بيت الله الحرام، وتضج المساجد بذكر فضائل الحج وأحكامه، ولكن في هذا العام والذي قبله حرم من كان خارج المملكة من حج بيت الله الحرام والاعتمار. كم من شخصٍ منا عنده القدرة المالية والبدنية ولكن لا يستطيع الحج لما علمتم وسمعتم، فيا لوعة المشتاقين، ويا حزن المحبين! كيف لا يشتاقون وكيف لا يحزنون وقد حرموا بيت الله الحرام والطواف به؟ كيف لا يشتاقون ويحزنون وقد حرموا السعي بين الصفا والمروة؟ كيف لا يشتاقون ويحزنون وقد حرموا الوقوف بعرفات؟ كيف لا يشتاقون ويحزنون وقد حرموا عبادة... وحرموا المبيت بالمشعر الحرام؟ كيف لا يحزنون ويشتاقون وقد علموا أن من حج فلم يرفث ولم يصخب رجع كيوم ولدته أمه؟ كيف لا يشتاقون ويحزنون وقد علموا أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة؟ كيف لا يشتاقون ويحزنون وقد علموا أنه ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإن الله ليدنو لعباده فيباهي بهم الملائكة؟ كيف وكيف أيها المؤمنون، عباد الله؟ إن في هذا المنع والحرمان لتأملًا، إن في هذا المنع والحرمان لتأملًا وذكرى، وكذلك تفكرًا واعتبارًا. ينبغي للمسلم أن يستفيد من مثل هذه الأحداث وأن يعالج مثل هذا الحرمان. فأول ما ينبغي أن يقف متأملًا فيه المؤمن تجاه هذا المنع والحرمان: أنه متى ما سنحت له فرصة لعمل من الأعمال الصالحة، أو لطاعة من الطاعات، أو لقربة من القربات، فليبادر وليسارع إلى العمل بها، ولا يتأخر ولا يسوف. ومما يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه وحسنه العلامة الألباني من حديث الفضل بن العباس، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة». فما يدريك يا عبد الله هل ستدرك بعد سنة أو بعد شهر، بل هل بعد يوم ستدرك ما أردت من عمل تيسر لك في حينه أو لا تستطيع ذلك؟ لا ترجِ عمل اليوم إلى غد، لعل غدًا يأتي وأنت فقيد. ولذلك ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الحج يجب على الفور لمن استطاع إليه سبيلًا، مستدلين بقول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ولفظة «ولله» من ألفاظ الأمر والوجوب، واستدلوا بالحديث المتقدم. وكذلك جاءت رواية من حديث ابن عباس عند الإمام أحمد ويصححها العلامة الألباني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «عجلوا إلى الحج، فإنكم لا تدرون ما يعرض لكم». فإذا يا عبد الله، يا من قلت وقد استطعت في أعوام ماضية: سأحج بعد عام أو عامين، أرأيت كيف منعت من هذه العبادة العظيمة؟ فليكن لك ذلك عبرة وعظة واعتبارًا، فلا تؤخر الأعمال الصالحة. وإن الناظر يا عباد الله في كتاب الله عز وجل والمتأمل فيه ليدرك سريعًا كثرة الآيات التي تحث على المسارعة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة وعدم تأجيلها وعدم التسويف فيها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. فليكن يا عباد الله، فلتكن يا عباد الله أعمالنا أعمالًا فيها من المسارعة، وفيها من المسابقة، وفيها من اغتنام الفرصة وعدم إضاعتها. وأما الناظر كذلك إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام فسيرى الأحاديث الكثيرة التي تحث على المبادرة والمسارعة والتعجيل في أعمال البر والخير. فهذا نبي عليه الصلاة والسلام يقول كما عند مسلم عن أبي هريرة: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل». وهكذا جاء عند البخاري من حديث عقبة بن الحارث أنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة العصر، فلما سلم خرج مسرعًا، يتخطى رقاب الناس حتى فزع الناس، فلما رجع عليهم ورأى تعجبهم من ذلك قال: «تذكرت تبرًا عندنا»، أي ذهبًا في بيته في إحدى حجرات نسائه، قال: «فخشيت أن يحبسني فأمرت بقسمته». بادر عليه الصلاة والسلام وسارع إلى الإنفاق من هذا المال، ففيه الحث على المسارعة والمسابقة في فعل الخيرات والقربات. وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، لا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: هذا لفلان، وهذا لفلان، وكان لفلان كذا». أي: سارع وسابق يا عبد الله إلى فعل الخيرات وعمل الطاعات والقربات. ولذلك حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من التأخير والتسويف في الأعمال الصالحة، فإن العبد إذا كان كذلك ندم في وقت لا ينفع فيه الندم. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. بلى، ليس الأمر كذلك، وقد أمهلت في هذه الحياة، وقد عمرت في هذه الحياة، ﴿أَوَلَمْ نَعُمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾. يقول: يا ليتني قدمت ليوم القيامة، يا ليتني عملت الصالحات، يا ليتني بادرت في فعل الطاعات والقربات. ألا فاتقوا الله أيها المسلمون، واعتبروا بمثل هذه الأحداث، وبادروا إلى الأعمال الصالحات، سواء أكان من الصدقات أو من الحج إن فتح، أو من غيرها من العبادات والطاعات. وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وإن مما يجب الاعتبار به في هذا المنع والحرمان من حج بيت الله الحرام أن نعلم ما هو السبب في ذلك. يقول العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه «الجواب الكافي» عند حديثه عن آثار الذنوب والمعاصي: «ومنها -أي من هذه الآثار- حرمان الطاعة، حرمان الطاعة». ثم قال: «فإن لم يكن في الذنب عقوبة إلا أن يصد عن فعل الطاعة، وتكون بدلها فيقطع عنه طريق عبادة أخرى، فتنقطع بالذنوب طريق عبادة ثالثة ثم رابعة، وهل يضر؟ فتنقطع بالذنوب عبادات كثيرة، الواحدة منها خير له من الدنيا وما عليها». فعلمنا بذلك أيها المسلمون، عباد الله، أن من أعظم أسباب الحرمان من فعل الطاعات والعبادات هي الذنوب، هي الذنوب والمعاصي. يا عباد الله، أي والله! يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ولقد لحظ ذلك سلفنا الصالح، نعم. فأتى رجل عند الحسن البصري رحمه الله تعالى فقال له: يا إمام، إني أريد قيام الليل فلا أطيقه، إني أريد قيام الليل... إني أريد قيام الليل فلا أطيقه. فقال له الحسن البصري: «كبلتك معاصيك، كبلتك معاصيك». ثم قال له: «استغفر الله وتب إليه، فإنك على طريق سوء، فإنك على طريق سوء». وهكذا يقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «إن العبد ليحرم قيام الليل بذنب يصيبه، بذنب يصيبه». وهكذا جاء عن عبد الله بن جلا أنه قال: كنت أنظر إلى أمرد نصراني صبيح الوجه، فمر علي أبو عبد الله البلخي فقال لي: «والله لتعلمن غبها ولو بعد حين»، أي: لتعلمن عقوبتها ولو بعد حين. قال: فعلمت ذلك بعد أربعين سنة، فإني أنسيت القرآن، فإني أنسيت القرآن. انظروا يا عباد الله كيف تحرمك المعاصي من لذة العبادة ومن فعل العبادة. ينبغي علينا أن نرجع إلى أنفسنا: لماذا يا ربنا، لماذا يا ربنا حرمنا من حج بيت الله الحرام وعندنا من الراحلة وعندنا من الاستطاعة؟ إنها الذنوب والمعاصي يا عباد الله. ألا فلنرجع إلى ربنا سبحانه وتعالى ونتوب من خطايانا، فإن المعاصي لها أثر عظيم في حرمان العبادات والطاعات. أيها المسلمون، عباد الله، وإن من هذه الوقفات التي ينبغي أن نستفيدها، أن نستفيدها من هذا المنع والحرمان: أن ننوي النية الصادقة، النية الصالحة، متى ما فتح حج بيت الله الحرام، فإننا عازمون عزما أكيدًا وناوون نية صالحة على حج بيت الله الحرام. فإذا منعت وكانت نيتك صالحة، فيرجى أن تجد أجر الحج والعمرة ولو كنت جالسًا في بيتك. قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث جابر: «إن في المدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم، شركوكم الأجر». وفي رواية: «منعهم العذر»، وفي رواية: «منعهم المرض». فمن نوى نية صالحة صادقة يرجى أن يؤجره الله أجر ما نوى، وإنما الأعمال بالنيات. أسأل الله بمنه وكرمه أن يفرج عن المسلمين همومهم وغمومهم. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم عز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح. شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة.