الدرس في التعليق على النبذة الشريفة النفيسة في الرد على القبوريين 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش بطلان القول بأن النهي عن الصلاة في المقابر بسبب النجاسة، ويبين أن العلة الحقيقية هي اتخاذ القبور مساجد ووسيلة إلى الشرك بالله. يستدل بالأحاديث النبوية التي تدل على أن اللعن النبوي على اليهود والنصارى كان لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد.
يشير إلى أن النهي عن الصلاة في المقابر ليس بسبب النجاسة، بل لتلافي الشرك وتعظيم المخلوق، ويقارن بين تعاليم النبي وأفعال الناس اليوم في التعامل مع القبور.
يبين تحريم البناء على القبور وكتابة القرآن عليها، ويشرح أن أهل الشرك خالفوا تعاليم النبي وأحدثوا ممارسات مخالفة في تعظيم القبور.
يعبر عن التفاؤل والأمل في الكتابة بإذن الله تعالى، ويعبر عن التعظيم والتسبيح بقول الله أكبر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. يؤمن ولا مبعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: بعدما ذكر بعض الأحاديث في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن اتخاذ القبور مساجد، قالوا: في هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أخذنا هذا، قال: وهو باطل من عدة وجوه. منها أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعللون بالنجاسة. على أنه قلنا: إن هناك نجاسة قد تكون في المقبرة المنبوشة، لكن الأحاديث لم تعين. وقد قعد الإمام الشافعي رحمه الله قاعدة عظيمة، وهي قوله: "ترك الاستفصال في قضاء الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال". على ترك استفصال النبي عليه الصلاة والسلام، وعدم تعيينه في الأحاديث يدل على العموم، يدل على العموم. فلهذا لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المقبرة الحديثة وبين المقبرة التي قد نبشت قبورها، حتى يقال: إن العلل نجاسة، كما يقوله بعض الشافعيين. يقولون: إن العلل من عدم الصلاة نجاسة. فإذا كانت المقبرة... انظروا إلى تعليل الأحاديث أو تعليل المسائل بدون دليل. ثم أيضا يبنون على هذا التعليل، يعني الآن يقولون: إن العلل في نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في المقابر هي النجاسة، وبنوا على هذه العلل أنه إذا كانت مقبرة حديثة فلا يكون فيها نجاسة، فيجوز أن يصلى فيها. وهذا كلام باطل. فأولا: العلل خطأ، والقياس عليها لا شك أنه سيكون خطأ. فالعلل لم يأتي فيها دليل على أن المراد بها العلل النجاسة، بل لا شك ولا ريب أن العلل هي أنه وسيلة إلى الشرك بالله وتعظيم المخلوق. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». وقالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولولا ذلك لأبرز قبره»، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. فكل هذا يرد على أنه ليس العلة النجاسة، وإنما العلة عدم اتخاذ هذه القبور أو ثانيا تعبد من دون الله أو اتخاذها عيدا كعياذ المشركين أو عيدا في كل سنة أو في كل شهر، فكل ذلك منهي عنه. قالوا: منها أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، فهذا اللعن فيه نهي شديد. قالوا: اللعن يكون نهي شديد على اتخاذ القبور مساجد. وقد لعن اليهود والنصارى النبي عليه الصلاة والسلام. فليس العلة هي النجاسة كما يقولون، لأن هذه النجاسة قد لا تتحقق في بعض المقابر. ولهذا لعن النبي صلى الله عليه وسلم اليهود والنصارى باتخاذهم من قبور مساجد. قالوا: معلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع. أيضا هذا تعليل آخر، لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وقبور الأنبياء طاهرة مطهرة، وهم يصلون أيضا في قبورهم كما صح ذلك. وفي الإسراء، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رأيته موسى يصلي لقبره». قال: لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، وليس للنجاسة عليها طريق. فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طريون. ومنها أنه نهى عن الصلاة إليها، ولو كان لأجل النجاسة لا فصل في ذلك. ومنها أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، هذا حديث بسعيد عند أحمد، والحاكم، وأختلف في صحته. قال: ولو كان ذلك لأجل النجاسة، لكان ذكر الحشوش والمجازر أولى من ذكر القبور. أن لو كان لأجل النجاسة لقال: لا تصلوا إلى الحشوش، لا تصلوا إلى أماكن النجاسات، لكن ذكر القبور، فهذا لا يدل على النجاسة أبدا. قالوا: منها أنه لعن المتخذين عليها المساجد والسرج. ولو كان لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طهر، مع إزالة النجاسة. ولا شك أن هذا ليس المقصود. قالوا: بالجملة، فمن له معرفة بالشرك وأسبابه، وفهم عن الرسول مقاصده، جزم جزما لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة واللعن وأنه ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل الشرك. فإن هذا وأمثاله منه صلى الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد. فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه وإن قل. لأنها نجاسة الشرك، فاجتنبوا الأوثان واجتنبوا قول الزور، فاجتنبوا الرجسة من الأوثان واجتنبوا قول الزور. فأيضا الشرك نجاسة، نجاسة معنوية. فإن كانوا قصدوا ذلك فلا بأس، أما النجاسة الحسية فهي غير موجودة في المقابر. قالوا: من جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبور وما أمر به وما نهي عنه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدها مضادا للآخر، مناقضا له. معنى ينظر إلى ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وينظر ما يفعله الناس الآن، تجد تناقض. قال: فإنه نهى عن الصلاة إليها وهؤلاء يصلون عنده، ونهى عن اتخاذها مساجد وهؤلاء يبنون عليها المساجد ويصمونها مشاهد، مضاهاة لبيوت الله، عن المشهد الفلاني والمشهد الفلاني. قالوا: نهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، فقط ليس السرج، بل يوقفون الوقوف لعجل إيقاد هذه القناديل ولعجل السرج. ويا ليتهم يتخذون هذه السرج لعجل الضوء، وإنما لعجل اعتقاد أن هذا يضيء لصاحب القبر، فلهذا يتخذون الزيت وأيضا القنديل أو المصباح أو غيره، ويضعونه في حفرة من حفر القبر. قالوا: نهى أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها عيدا ومناسك، اجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. قالوا: أمروا بتسويتها، وهؤلاء يرفعونها ويبنون عليها القباب. وهنا عندنا في الطريقة العلوية، القباب لا تكون إلا للسادة. وإذا كان من المشايخ يكون له عرشة، أنا ما تكون له قبة إلا إذا كان مثلا في خارج تريم. أما في تريم عندهم درجات السادة، هذا يؤمنون له قبة سيد. وأما الشيخ ولو بلغ ما بلغ، مثل سعد السوين كما يقولون، هذا سعد السوين يعظمونه تعظيما كثيرا، لكنه ما فعلوا له قبة، فعلوا له سقيفة يسمونه سقيفة سعد السوين، لأنه ليس من السادة. وأما باقي الناس الذين يسمونهم الفقراء، هؤلاء لا يبنون في القبر، ممنوع أن يبني في القبر أو يفعل له، أو لا تكون له سقيفة ولا قبة. قال: ونهى عن الكتابة عليها، وهؤلاء يكتبون عليها القرآن وغيره. تقدم معناه أن القرآن لا يجز، وأما إذا كان يكتبون مثلا للتعريف، فهذا في خلاف كما قلنا على صحة الرواية. قال: ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، والظاهر هذا المقصود به أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسوية القبر. قالوا: هؤلاء يزيدون سوى التراب، العجير والأحجار والجص. العجير هذا الظهر النوري، ويتم بأحجار أيضا وجص يسمونه بالجص. قال: فأهل الشرك مناقضون لما أمر به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أنا مشاقون له. في أهل القبور وفيما نهي عنه محادون له في ذلك. فإذا نهى الموحدون عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تعظيمها والصلاة عندها وإصراجها والبناء عليها والدعاء عندها، وما هو أعظم من ذلك مثل بناء المساجد عليها ودعائها وسؤالها قضاء الحاجات. أي لهذا القبور وهي غاثة اللهفات، غضب المشركون. أي إذا نهى الموحدون أهل السنة، إذا نهى عن هذه الأشياء، قالوا: يتكلمون في الأولياء. قال: غضب المشركون واشمعزت قلوبهم، وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية، وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر. ولا يظنون أن النهي عن هذه الأمور فيه تجني لحرمة هؤلاء المقبورين، وهذا بعيد جدا. قالوا: سرى ذلك بنفوس الجهال الطغام، حتى عادوا أهل التوحيد، أنا من العداوة عادوا، أي من العداوة، ورموهم بالعضائم، ونفروا الناس عن دين الإسلام، ووالوا أهل الشرك وعظموهم. قال الله عز وجل: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾، يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾، ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾. فأظهر الله عز وجل أهل العلم وأظهر ما قالوه من سنة الله، من سنة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم في إنكار مثل هذه الأفعال. وإلا قديما كانت لا تنكر، حتى صارت سنة أن يبنى المسجد عند القبور، حتى جاء أهل التوحيد وأهل السنة وبيّنوا أن هذا باطل، وهذا قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. إن شاء الله تعالى نكتب بهذا والله تعالى عنه. الله أكبر.