فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 1

الدرس في فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة الدرس وبداية شرح رسالة فتح الرحمن

بدأ الدرس بالتهنئة بشهر رمضان ثم انتقل إلى تقديم رسالة 'فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن' وبداية قراءتها من الفصل التاسع.

اهتمام السلف بمعرفة الناسخ والمنسوخ

أظهر السلف اهتماما بمعرفة الناسخ والمنسوخ في القرآن، وألف العلماء كتبا كثيرة في هذا الباب الذي يُعد شرطا للمجتهد.

بيان الآيات المنسوخة والفرق بين النسخ والتخصيص

ناقش المقطع مفهوم الآيات المنسوخة والفرق بين النسخ والتخصيص، وبين أن بعض الآيات التي يُعتقد أنها منسوخة هي في الحقيقة عامة وتشمل مختلف أنواع الإنفاق.

ختام الدرس وتأجيل الشرح إلى الدرس القادم

اختتم الشيخ الدرس ويعلن عن متابعة شرح الآيات في الدرس القادم بإذن الله، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فأولا نهنيكم بقدوم شهر رمضان المبارك، الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعله شهر خير وشهر رحمة ومغفرة، ونوفقنا جل وعلا لصيامه وقيامه وإعمار أوقاته بطاعته، وأن يجعلنا جل وعلا فيه من عتقائه من النار. وثانيا، أحب بعض إخواننا أن نقرأ هذه الرسالة التي بين أيدينا، وهي «فتح الرحمن في شرح نظم السيوطي الناسخ والمنسوخ من القرآن». وكنا قد كتبنا هذه الرسالة قبل أكثر من عشر سنين، فسعى بعض إخواننا حفظهم الله إلى طبعها للاستفادة منها، فجزاهم الله خيرا. وبسبب التعجل في الطبع وضيق الوقت، وكان ذلك قبل رمضان بأيام، حصلت بعض الأخطاء من قبل المنسق للطباعة، كما ترون في غلاف الرسالة بعض الأخطاء النحوية، فتتدارك إن شاء الله في طبعات القادمة بإذن الله. فجزى الله خيرا كل من سعى إلى إخراج هذه الرسالة وطبعها، نسأل الله عز وجل أن يثيبهم ويجعل ذلك في ميزان حسناتهم. ولأجل استغلال الوقت والتمكن من قراءة الرسالة خلال هذه الأيام الثلاثة، لأنه سيكون القراءة فيها في يوم السبت والأحد والإثنين، في مثل هذا الوقت، سنبدأ في القراءة من الفصل التاسع، بداية ذكر النظم. بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الجامع لهذه الرسالة، عفو الله عنه: الفصل التاسع في ذكر نظم السيوطي والتعليق عليه. قال السيوطي في نظمه، كما في الإتقان: قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد، وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر. وهك تحرير آي لا مزيد لها عشرين، حررها الحذاق والكبر. آي التوجه حيث المرء كان، وأن يوصي لأهله عند الموت محتضر. وحرمة الأكل بعد النوم من رفث، وفدية لمطيق الصوم مشتهر. وحق تقواه فيما صح من أثر، وفي الحرام قتال للأولى كفر. والاعتداد بحول مع وصيتها، وأن يدان حديث النفس والفكر. والحلف والحبس للزان، وترك أولى، وترك أولى كفروا شهادتهم. والصبر والنفر، ومنع عقد لزان أو لزانية، وما على المصطفى في العقد محتضر. ودفع مهر لمن جاءت، وآية نجواه كذاك قيام الليل مستطر. وزيد آية الاستئذان من ملكة، وآية القسمة الفضل لمن حضر. هذه المنظومة المختصرة، الإمام السيوطي رحمه الله، ذكر فيها الآيات المنسوخة من القرآن، أي التي نسخت ورفع حكمها. فذكر في هذا النظم، الذي هو عبارة عن أحد عشر بيتا، الآيات التي وقع عليها النسخ، حسب ما ظهر له رحمه الله. وكان التعليق على هذه الأبيات، وبيان ما الذي نسخ منها وما لم ينسخ. فنبدأ إن شاء الله في قراءة التعليق على هذا النظم. قال قوله: «قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد». قال: ألف العلماء في ذلك كتبا كثيرة، منها «الناسخ والمنسوخ» لابن سلامة، و«نواسخ القرآن» لابن الجوزي، و«الناسخ والمنسوخ» لابن حزم، و«الناسخ والمنسوخ» للسدوسي، قتادة من دعامة. وممن صنف كذلك أبو عبيد القاسم، وأبو داود السجستاني، وأبو جعفر النحاس، وابن الأنباري، ومكي، وابن العربي، وغيرهم، كما ذكرهم السيوطي في الإتقان. فهؤلاء العلماء وغيرهم ألفوا في هذا الباب في ذكر الناسخ والمنسوخ من القرآن. قال: ذكر آثار عن السلف في اهتمامهم بالناسخ والمنسوخ. أخرج البيهقي في السنن الكبرى، والخطيب الفقيه والمتفقه، من طريق شعبة، عن أبي حسين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: مر علي بن أبي طالب على قاض، فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. وهذا الأثر سنده صحيح. هذا يدلنا على اهتمام السلف بمعرفة الناسخ من المنسوخ، ولهذا يذكر أهل العلم في كتب أصول الفقه، من شروط المجتهد أن يكون عالما بالناسخ والمنسوخ، حتى لا يثبت حكما قد نسخ ورفع بدليل كذلك قد رفع ونسخ. فلابد من معرفة هذا الباب، معرفة الناسخ، وهو الدليل الذي حصل به النسخ، ويكون متأخرا. والمنسوخ هو الدليل الذي رفع حكمه. قال: أخرج البيهقي في المدخل، وابن الجوزي في نواسخ القرآن، وغيرهما، من طريق سلمة بن نبيط، عن الضحاك بن مزاحم، قال: مر ابن عباس رضي الله عنهما بقاضي يقضي، فركضه برجله، قال: أتدري من ناسخ ومن منسوخ؟ قال: ومن يدري من ناسخ ومن منسوخ؟ قال: وما تدري الناسخ من المنسوخ؟ قال: هلكت وأهلكت. وهذا الأثر أيضا سنده صحيح. قال قوله: «وأدخلوا فيه آيا ليست تنحصر». أي أدخلوا آيات وادعوا فيها النسخ، وليست كذلك. وقد ذكر بعضها رحمه الله في كتابه الإتقان، صفحة الجلد الثالث، صفحة ثلاث وستين. قال: منها قسم ليس من النسخ في شيء، ولا من التقصيص، ولا له بهما علاقة بوجه من الوجوه. يعني ذكروا من الآيات ما ادعوا فيها النسخ، وليست هي من هذا الباب، لا من باب النسخ ولا من باب التقصيص. وذلك أن النسخ قد يطلق ويراد به المعنى الذي يستعمله المتأخرون، من رفع الحكم، رفع حكم متقدم بحكم متأخر عنه متراخيا، هذا هو المشهور عند المتأخرين. وقد يطلق لفظ النسخ ويراد به التخصيص، يقال: هذه الآية منسوخة، والمراد بالنسخ هنا معنى التخصيص، لا معنى رفع الحكم. قال: مثل قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ونحو ذلك. قالوا: إنه منسوخ بآية الزكاة، وليس كذلك، بل هو باق. يعني ادعوا أن نسخ هذه الآيات، التي فيها الحث على الإنفاق، وقالوا بأنها منسوخة بآية الزكاة، وليس الأمر كذلك، بل هذه الآيات مطلقة فيها الحث والترغيب على الإنفاق، مما رزق الله عز وجل العبد، فيشمل ذلك النفقة المستحبة، والصدقة المستحبة، وكذلك أيضا يدخل في ذلك النفقة الواجبة، الزكاة. قال: أما الأولى، فإنها خبر في معرض الثناء عليهم بالإنفاق، وذلك يصلح أن يفسر بالزكاة، وبالإنفاق على الأهل، والإنفاق في الأمور المندوبة، كالإعانة والضيافة. يعني قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، هذه الآية عامة تشمل النفقة الواجبة، كالزكاة، وكذلك أيضا النفقة على الأهل، وتشمل كذلك النفقة المستحبة. قال: والآية الثانية، يقول: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾، قال: يصلح حملها على الزكاة، وقد فسرت بذلك. ثم ذكر آيات أخرى. قال: وقسم، يعني مما ذكروا من الآيات أنها منسوخة، قال: هو من قسم المخصوص، لا من قسم المنسوخ. وقد اعتنى ابن العربي بتحريره، فأجاد. كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وغير ذلك من الآيات التي خصت باستثناء آية. وقد أخطأ من أدخلها في المنسوخ، لأن هذا هو من باب التخصيص. فقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني يستثنى من هذه الخسارة الذين آمنوا، ومن توفرت فيهم بقية الصفات المذكورة في هذه السورة، فليس هذا من باب النسخ، وإنه من باب التخصيص. قال: وقسم، رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية، أو في شرائع من قبلنا، أو في أول الإسلام، ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية، وحصر الطلاق في ثلاث. قال: وهذا إذا قيل في قسم الناسخ قريب، ولكن عدم إذ قيل أقرب، وهو الذي رجحه مكي وغيره. وجهوه بأن ذلك لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه، إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب. قالوا: وإنما حق الناسخ والمنسوخ أن تكون آية نسخت آية. قال قوله: «وهك تحرير آي لا مزيد لها عشرين، حررها الحذاق والكبر». قال: هاك، وهاءك بمعنى خذ، كما في تاج العروس. هاك تحرير، يعني خذ تحرير هذه الآيات، وبيان المنسوخ منها. وقوله: تحرير آي، أي تقويمها وتخليصها، كما في التاج. والحذاق جمع حاذق، وهو الماهر بكل عمل، كما في تهذيب اللغة. والكبر بالكسر، العظمة، يقال: كبر، أي عظمة، فهو كبير، كما في لسان العرب. والمعنى: قد قلصت الآيات المنسوخة التي حررها أهل الخبرة والمهارة من العلماء. ومن خلال هذا الشرح يظهر أنها أقل من عشرين، كما سيأتي بإذن الله تعالى. أظن أن الوقت قد انتهى، فنقف هنا إن شاء الله، ونبدأ في بيان الكلام على هذه الآيات في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.