الدرس في عشر قواعد في تزكية النفس 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح أهمية تهذيب النفس وضرورة الاعتناء بها، حيث أن الله أقسم بالنفس في سورة الشمس. تزكية النفس سبب للفلاح ودسيها سبب للخسران.
يشرح أهمية تزكية النفس ومجاهدتها لتحقيق الفلاح والنجاة من المعاصي والذنوب، ويوضح الفرق بين النفوس الشريفة والدنيئة في التعامل مع الطاعات والمعاصي.
يناقش أهمية تزكية النفس وضرورة مقاومتها لمنعها من الانغماس في الشهوات والمعاصي، ويشير إلى أن التزكية تكون بالتوازن والاعتدال وليس بالإفراط أو التفريط.
يتضمن دعاء الله تعالى لتهذيب النفس وتصحيح الأعمال واتباع الحق، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر فيه طلب الهداية والتقوى والابتعاد عن الفتن.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسنقرأ إن شاء الله في مثل هذا الوقت من يومي الثلاثاء والأربعاء هذه الرسالة المختصرة النافعة، وهي رسالة باسم «عشر قواعد في تذكية النفس»، أعدها وكتبها الشيخ الفاضل عبد الرزاق ابن عبد المحسن البدر، حفظه الله. ومن خلال قراءة المقدمة سيتبين أهمية هذا الموضوع، وما ينبغي أن يعتني به المسلم في زكاة نفسه وتهذيبها، وما يترتب على ذلك من فلاح العبد وهلاكه. قال حفظه الله: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين، نبينا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد بن عبد الله الهادي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سار على هديهم إلى يوم الدين. فابتدأ رحمه الله هذه الرسالة بالحمد والثناء على الله جل وعلا. الحمد لله، أي أثني على الله جل وعلا مع المحبة والتعظيم. فالله عز وجل هو المستحق للحمد جل وعلا لكماله سبحانه في ألوهيته، وفي أربوبيته، وفي أسمائه وصفاته، والمستحق للحمد جل وعلا على عظيم فضله وإنعامه، فهو المنعم والمتفضل على سائر الخلق بالنعم التي لا تعد ولا تحصى، وهو جل وعلا رب العالمين. والعالم كل من سوى الله جل وعلا من مخلوقات، سواء كان ذلك في العالم العلوي أو كان في العالم السفلي، وسواء كان في البر أو في البحر، فجميع من في هذا العالم ربه وخالقه وموجده. ثم صلى على النبي عليه الصلاة والسلام وسلم عليه، وهو عليه الصلاة والسلام خاتم المرسلين الذي ختم الله عز وجل به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده عليه الصلاة والسلام، ولا رسول بعده. قال الله جل وعلا: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي». فكل من ادعى النبوة فهو دجال كذاب، كما أخبر عليه الصلاة والسلام. وهو عليه الصلاة والسلام قدوتنا الذي نقتدي به ونتبعه فيما قال وفيما فعل مما شرع عليه الصلاة والسلام، وهو قرة أعيننا عليه الصلاة والسلام. ثم قال حفظه الله: أما بعد، أي انتقال من الحمد والثناء إلى ذكر موضوع هذه الرسالة. قال: «فالنفس التي بين جنبي الإنسان أمرها عظيم». هذه النفس التي بين جنبيك هي روحك وهي حياتك الحقيقية. فالإنسان بلا روح جثة هامدة. لما يموت الإنسان وتخرج روحه من جسده، هل يبقى كما كان في حال حياته؟ هل يقال له فلان ابن فلان؟ الجواب: لا. لما يموت يقال: الميت أو الجنازة، هاتوا الميت، غسلوا الميت، احملوا الميت، صلوا على الميت، ادفنوا الميت. خلاص مات، انتهى، مع أن الجسد موجود، لكن حقيقة الحياة هي حياة الروح، وهي حياة الروح التي هي النفس التي هي داخل هذا الجسد. فإذا كانت هذه حقيقة هذه الروح، إذن أمرها عظيم. قال: «وشأنها كبير». فقد أقسم الله عز وجل بعدد من مخلوقاته الكبار الدالة على عظمته سبحانه وتعالى في سورة الشمس على النفس المفلحة وغير المفلحة، فقال تعالى: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. أقسم الله عز وجل بهذه المخلوقات العظيمة وهي الشمس والضحى والقمر والنهار والليل والسماء والأرض على ماذا؟ على هذه النفس. ﴿ونفس وما سواها﴾ ثم بيّن جل وعلا أنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها، ثم أخبر أنه من زكى نفسه فقد أفلح. قد أفلح من زكاها، أي تحقق له الفلاح، تحقق له الفلاح في الدنيا والآخرة، والفلاح هو الفوز بالمرغوب والنجاة من المرغوب. وهكذا أخبر بعد ذلك أنه قد خاب من دساها، أي تحقق الخيبة والهلاك على من دس هذه النفس، وكذلك قد دنسها بالمعاصي والذنوب. قال حفظه الله: قوله عز وجل: ﴿قد أفلح من زكاها﴾، أصل الزكاة هي زيادة في الخير، الزيادة في الخير، فهذا معنى الزكاة في اللغة، الزيادة والنماء. يقال: زكاة الزرع إذا نمى وزاد. قال: والمراد بالآية هنا أن من سعى في تزكية نفسه وإصلاحها وسموها بالاستكثار من الطاعات والخيرات والابتعاد عن الشرور والسيئات تحقق فلاحه. نعم، من زكى هذه النفس بطاعة الله جل وعلا وفعل الأعمال الصالحة، وسيأتي ذكر هذه القواعد التي بها يصل العبد إلى تزكية نفسه أو الغاية الكاملة في تزكية النفس. قال: وقوله عز وجل: ﴿وقد خاب من دساها﴾، أصل التدسية هو الإخفاء. فالعاصي إذ قد أخفى نفسه الكريم بفعل الآثام وطمرها بالرذائل والخسائس وقمعها وأهلكها بفعل العيوب حتى صارت نفسا دنيئة وضيعة منحطة، واستحقت بذلك الخيبة والخسران والعياذ بالله. هذا حال من خاب من دنس نفسه، دنسها بالذنوب والمعاصي والتباع الشهوات والملذات المحرمة، فهو بهذا قد دنس هذه النفس وجعلها يعني نفسا دنيئة ونفسا خبيثة ونفسا رذيلة منحطة لا قيمة لها ولا منزلة. قال: «فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها وأحمدها عاقبة». والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار. فالذباب ما يميز بين الطيب والخبيث، إذا رأى شيئا وقع عليه، سواء كان طاهرا أو نجسا، سواء كان طيبا أو خبيثا. هكذا النفوس الدنيئة، ما يعني تميز بين الطيب والخبيث والنافع والضار، كل ما أرادت أن تفعله فعلته، وما اشتهته أقدمت عليه، لا تبالي بحلال أو حرام، بطاعة أو معصية، همها أن تجد ما تريد وما تشتهي، حالها كحال الذباب الذي يقع على الأقذار والنجاسات. قال: «فالنفس الشريفة العلية لا ترى بالظلم ولا بالفواحش ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل». والنفس المهينة الحقيرة الخسيسة بالضد من ذلك، فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها. هذا كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، نقله المؤلف من كتاب الإمام ابن القيم المسمى «بالفوائد». فالنفس الطيبة والنفس الشريفة لا ترضى بالدنائس ولا ترضى بالدناءة ولا في الوقوع في أوحال المعاصي والذنوب والشهوات، بخلاف النفس الدنيئة. قال: ولما كانت تزكية النفس بهذه الأهمية وجب على كل مسلم ناصح لنفسه أن يعنى بها عناية فائقة، وأن يجاهد نفسه في حياته على تحقيق هذه الغاية الحميدة. فالوصول إلى هذه الغاية وهذه المنزلة تحتاج إلى مجاهدة، تحتاج إلى مجاهدة أن يجاهد المسلم نفسه؛ لماذا؟ لأن هذه النفس أمارة بالسوء، كما قال الله جل وعلا: ﴿إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي﴾. النفس تأمرك بفعل الشهوات وفعل المعاصي والمحرمات، فيحتاج منك أن تجاهدها، أن تقودها، لا هي تقودك، لا تجعل نفسك هي التي تقودك فتوقعك في أوحال المعاصي والذنوب وتكون سببا في هلاكك في الدنيا والآخرة. الذي يتبع نفسه ويجعل نفسه هي التي تقوده فإنه بذلك سيكون متبعا لهواه، كما قال الله جل وعلا: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾. هذا حال من يتبع نفسه ومن يجعل نفسه هي القائدة وهو المقود، وهي الرئيسة وهو المرؤوس، فإن حاله وإن مآله أن تقوده هذه النفس إلى ما فيه هلاكه وخسارته في الدنيا والآخرة. ولذلك لا بد أن يجاهد هذه النفس. ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾. هذه النفس إذا أعطيت ما أرادت فإنها تنغمر وتستمر وتتوسع ولا تتردد عما أرادت إلا أن تفطم كما يفطم الصبي من الرضاع. ولهذا قيل: «النفس كالطفل، إن ترضعه شب على حب الرضاع، وإن تفطمه ينفطم». النفس كالطفل، الطفل إذا تركته يرضع سيكمل السنتين ويدخل في الثالثة وسيستمر في الرضاع إذا تركته، ربما أكمل الثالثة ودخل في الرابعة، إذا لا بد من فطامه بالقوة، لا بد من أن يفطم بالقوة أو بأي حيلة من الحيل التي بها يتوصل إلى أن يترك الثدي ولا يرضع. وهكذا النفس إذا تركتها على ما تريد ستستمر وتزيد، ستوسع وتتابع المعصية تلو المعصية والذنب تلو الذنب حتى يهلك صاحبها. قال: «ليفلح في دنياه وأخراه وينعم بالسعادة الحقيقية». فالسعادة الحقيقية هي بتزكية النفس، إذا زكت هذه النفس صلح القلب وصلحت الجوارح وصلحت الأعمال، وبهذا يصلح للعبد حياته الدنيا وحياته الأخروية. قال: «فإن للنفس على المسلم حقا»، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وإن لنفسك عليك حقا». والحديث في الصحيح من حديث سلمان. قال: «ويخطئ من يظن أن حق النفس يكون بالتشديد عليها وحرمانها من حقوقها التي فطر الله عز وجل النفوس على الاحتياج إليها». يعني يشدد على نفسه، ربما يمنعها من الطعام والشراب الحلال الذي تحتاج له والذي أحله الله جل وعلا لها، أو كذلك ربما يحرمها من النوم الذي تحتاج له كذلك مما ليس فيه إفراط، أو كذلك أيضا من ملذاتها المباحة كمعاشرة الزوجة والحياة معها إلى آخر ذلك من الأمور المباحة، فيظن أن يعني التشديد على النفس بمثل هذا الحال هذا من تزكية النفس أو أن هذا من حق النفس، وهذا خطأ. كذلك أيضا في المقابل يخطئ من يعطي نفسه كل ما أرادت من غير أن يأخذ بخطامها وزمامها. قال: «كما يخطئ من يظن أن حق النفس يكون بالتفريط وإهمال سياستها وتركها منغمسة في شهواتها ونحو ذلك». قال: «وهيأت أن تكون تزكية النفس بمثل ذلك». بل تزكية النفس تكون بالمسالك الشرعية وبالتوسط والاعتدال، فلا إفراط ولا تفريط، لا إفراط يعني بالتشديد على النفس ومنعها من حقوقها التي أباحها الله جل وعلا لها، ولا تفريط بالتوسع بإعطاء النفس كل ما أرادت حتى إذا كان ذلك على سبيل معصية الله جل وعلا ومخالفة شرع الله ومخالفة دين الله سبحانه وتعالى. قال: «بل بلزوم هدي النبي صلى الله عليه وسلم ونهجه القويم». قال: «وسأذكر في هذا المختصر عشر قواعد مهمة تعين المسلم على تزكية نفسه وتنميتها وتطهيرها من كل ما يدنسها ويشينها». وأسأل الله تعالى أن يزكي نفوسنا وأن يصلح أعمالنا وأن يسدد أقوالنا وأن يبصرنا بالحق ويرزقنا اتباعه وأن يهدينا لأحسن الأخلاق والأعمال وأن يصرف عنا سيئها وأن يجنبنا فتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.