الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 3، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستهل الإمام الوصية بالتأكيد على طاعة الوالدين في المعروف وتوقير الصالحين، مبيناً أن أول وصية وأول وصايا الأنبياء هي التمسك بالإيمان والإسلام، مستشهداً بوصية إبراهيم ويعقوب لبنيهما أن لا تموتوا إلا وأنتم مسلمون.
يشدد الشيخ على أهمية الموت على الإسلام والإيمان بالله مستشهداً بوصايا إبراهيم ويعقوب ولقمان، وينهى عن الشرك باعتباره ظلماً عظيماً، محذراً من أن أي خير بعد الخلود في النار لا ينفع.
يؤكد النص أن أول واجب على المسلم تحذير أهله وقربته من الشرك كما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوة عشيرته، ويشدّد على أن الموت على دين الإسلام خير عظيم ونعيم الجنة ينسى تعب الدنيا.
يُذكر حال من انغمس في ملذات الدنيا ونسي الآخرة، فيُسأل يوم القيامة هل رأى نعيمًا فيقول: ما رأيت نعيمًا قط، دليلًا على بطلان نعيم الدنيا وزواله.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد أخذنا في الوصية الولدية، كلام الإمام أبي الوليد رحمه الله، أنه أحد أنصح الناس للوالد من الولد، وكذلك وجوب طاعة الأب ونصحه إذا كان في مرضاة الله وليس في معصية الله عز وجل، وتذكير الأولاد أو الابن بمنزلة الآباء والأعمام ومكانتهم في الأسرة إذا كانوا على هدى وصلاح وخير وبر ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، وأن يحفظ ذلك لهم. وكذا أن يمشي الولد على ما مشى عليه آباؤه من الخير في طاعة الله سبحانه وتعالى، وأن لا يألو جهداً في ذلك، بل يكون أفضل منهم في أبواب الخير. ثم قال الإمام أبو الوليد رحمه الله في أول الوصية: ما هي أول الوصاية التي أوصى بها ولديه؟ أول الوصية هي الإيمان بالله عز وجل. فقال: «أول ما أوصيكما به ما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾». هذه الآية الكريمة في سورة البقرة، فيها وصية إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكذلك غيرهم من الأنبياء يوصون بهذا. فأوصى بنيه كذلك، قال يعقوب: ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. وصية بالإسلام الذي يتضمن الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وكما سيأتي بهذا أنه بيّن لهم تلك الأمور وهي أركان الإيمان. وقال: إنها كما نهى عنه لقمان، نعم، هنا في فرق في الكتابة، والصحيح: أنها كما نهى عنه لقمان ابنه وهو يعظه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. وأؤكد عليكما في ذلك وصيتي، وأكررها حرصاً على تعلقكما وتمسككما بهذا الدين الذي تفضل الله تعالى علينا به، فلا يستزلنكم عنه شيء من أمور الدنيا، وابذلا دونه أرواحكما، فكيف بدنياكما؟ فإنه لا ينفع خير بعده الخلود في النار، ولا يضر ضر بعده الخلود في الجنة. ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾. إذن، بيّن رحمه الله تعالى الوصية العظيمة، أول الوصايا: أن يموتوا على الإسلام وعلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى، الإسلام الذي هو الاستسلام والانقياد والطاعة لله سبحانه وتعالى، ونهاهما عن ضده وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى، واستدل على هذا بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ ﴾ إلى آخر الآية، وبما وصّى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾، وبما نهى عنه لقمان ابنه فقال: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. هذا أول واجب ينبغي على كل مسلم أن يحذر أقرباءه وأهله وذويه هذا الأمر العظيم، وهو أمر الشرك بالله سبحانه وتعالى، وأن يعمل في ذلك الأمر الذي كان عليه أنبياء الله عز وجل. وأول ما بدأ به نبينا عليه الصلاة والسلام دعوته: دعا عشيرته، ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، فدعاهم إلى الله، إلى التوحيد، إلى الإسلام، ونهاهم عن ضده وهو الشرك بالله سبحانه وتعالى، وأكد ذلك. قال: «وأؤكد عليكم في وصيتي هذا الأمر، وهو أمر الموت على دين الإسلام؛ لأن الإسلام خير، لا يضرك شيء في الدنيا لو حصل لك من النقص، لو حصل لك من التعب، لو حصل لك من الفقر، كل هذا ستنساه بغمسة واحدة في الجنة، كما جاء في الحديث الصحيحين: "هل رأيتم لما يغمس هذا في الجنة غمسة واحدة بعد التعب والعناء الذي عاناه وقاساه في الدنيا، يقال له بعد أن يدخل الجنة: يا ابن آدم، هل رأيت بؤساً قط؟ فيقول: ما رأيت بؤساً قط"، لأنه رأى النعيم العظيم فنسي ما كان عليه، بل لم يره شيئاً الذي قد تعب فيه في الدنيا وصبر من أجل أن يناله في الدار الآخرة. لما أدخل الجنة قال: ما رأيت بؤساً قط. وذلك الذي تنعم ونسي الآخرة، تنعم بالأموال وتنعم في الدنيا ولم يرَ بؤساً في الدنيا، يُقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ فيقول: ما رأيت نعيماً قط،