التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 14

الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 14، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله

يشرح المقطع وجوب طاعة ولاة الأمور في طاعة الله والمباح مستدلاً بالآيات والأحاديث، مبيناً أن الطاعة واجبة فيما يحب المرء ويكره إلا إذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة. ويحذر من مخالفة ذلك لما يؤدي إليه من الفتنة وضياع الأمن والاستقرار.

وجوب السمع والطاعة في العسر واليسر والنهي عن الخروج

يؤكد المقطع على وجوب السمع والطاعة لولاة الأمور في العسر واليسر، وينهى عن الخروج عليهم إلا بكفر بواح ثابت ببرهان من أهل العلم. ويحذر من الثورات والفوضى المسماة بالربيع العربي التي تؤدي إلى سفك الدماء وزعزعة الاستقرار.

خطر الخروج على الحاكم ومنهج الخوارج وعواقبه

يؤكد المقطع أن الخروج على ولي الأمر منهج الخوارج والمبتدعة مستدلاً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الصحابة. ويحذر من عواقب الثورات والانقلابات التي تجر الويلات، وأن الموت بلا بيعة في العنق يعد ميتة جاهلية.

مشروعية الحاكم المستقر ورفض الفتن الداخلية

يؤكد المقطع أن من استتب له الأمر وصار رئيساً معترفاً به من العلماء والفقهاء والناس فهو ولي الأمر الشرعي. وينتقد من يطالبون بدولة داخل دولة ويثيرون الفتن في بلاد المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. بعد: يقول الإمام أبو الوليد الباجي رحمه الله في وصيته لولديه: «طاعة ولي الأمر في غير معصية الله». قال: «وأطيعا من ولاه الله أمركما ما لم تدعيا إلى معصية، فيجب أن تمتنعا منها، وتبذلا الطاعة فيما سواها». هذه وصية عظيمة، وصية عظيمة جداً، ويحتاج لها الناس أيضاً، وهي طاعة ولاة الأمور في طاعة الله سبحانه وتعالى، وفي المباح، في المباح الجائز، ما لم يدعى إلى معصية الله، فإنه لا سمع ولا طاعة. وبهذا جاءت الأدلة من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾. طاعتهم تابعة، فأمرنا الله بطاعته وطاعة رسوله، ولم يكرر الفعل في ولاة الأمر لأن طاعتهم تابعة، ففيها جزء، والفعل الحقيقي: «من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني»، و«من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله». فإذا طاعة أولاة الأمور يجب أن تكون في محلها، فطاعتهم واجبة على الرعية، وبها يحصل الخير العظيم إذا أطاعوا أولاة أمورهم. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة»، يعني لو رأسه أسود، عبد حبشي، يقول عليه الصلاة والسلام: «اسمعوا وأطيعوا له». فإذا هذا تغلب، صار حاكماً وسلطاناً وأميراً، فإنه يطاع في طاعة الله سبحانه وتعالى. وهذا الحديث رواه البخاري عن أنس. وجاء أيضاً عن أبي ذر أنه قال: «أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبداً مجدع الأطراف»، لو ما في أطراف، يعني مقصوص الأطراف، عبد، قال: «أمرني»، أوصاني خليلي، وهو عليه الصلاة والسلام، يقصد النبي عليه الصلاة والسلام، بأن يسمع لهذا الأمير. حديث رواه مسلم. وجاء عن ابن عمر مرفوعاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وفيما كره، فيما أحب وفيما كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». متفق عليه. إذن ينبغي على الجميع، أي جميع المسلمين، أن يسمعوا ويطيعوا لولاة أمورهم فيما تحبون وفيما تكرهون. ليس الميزان فيما تحبون وفيما تكرهون، لكن الميزان هو طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والعمل بالشريعة. فإن أمرك بالطاعة أو في أمر مباح، ولو كان في نفسك شيء، أمر ولي الأمر به أمر جائز ومباح، أن تسمع الرعية له وتطيعه في هذا الأمر ما دام أنه ليس في معصية الله عز وجل، حتى تستتب الأمور. فإن خالفوا ذلك فقد عصوا، عصوا الأمير، ومعصيته هي معصية لله عز وجل. وهنا ترى الآن يحصل الخبط، تخبط، حتى من أهل السنة أنفسهم، الذين ينتمون إلى السنة أنفسهم، ما يسمعون لولاة أمورهم. ولي الأمر الذي هو رئيس الدولة أو حاكم البلاد أو سلطانها، هذا يسمى ولي الأمر المطلق، هذا العام، وله نواب هم الوزراء، الوزراء الذين أيضاً يديرون البلاد، ما تسمى الحكومة، لأن بأيديهم العزل، وبأيديهم أيضاً الأمر والنهي في مصالح ومعاش العباد. لهذا هؤلاء يسمعون ويطاعون في طاعة الله عز وجل، يعتبرون ولاة أمور. فمن ولاه ولي الأمر يسمع له ويطاع إذا كان له الحل والعقد في مصير الشعب، كما يقال في مصير الشعب والأمة، يستطيع يعزل، يستطيع يولي، يستطيع يسجن، يستطيع يضرب، يستطيع يقتل، يستطيع أن يقول: افعلوا أو لا تفعلوا. فهذا من أولياء الأمور، نطيعه في طاعة الله عز وجل كما جاءت الأدلة. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك». حتى في الإيثار، لو أخذ المال وما أعطاك شيء، أيضاً تسمع وتطيع. وفي حديث آخر: «وإن أخذ مالك وضرب ظهرك فاسمع وأطع». ماذا تفعل أنت؟ أنت تعطي حقه من السمع والطاعة، ولا تنزع يداً من طاعة، ولا تخلع هذا القميص، لا تخلعه، لأن هذا باعتباره كأنك خلعت، كأنك لبست قميصاً اسمه قميص الطاعة، فلا تخلعه. لهذا من خلع هذا القميص فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، وإن مات على هذا مات ميتة جاهلية، والعياذ بالله، ميتة الجاهلية؛ لأن الإسلام أمرنا بطاعة أولياء أمورنا، وفي طاعتهم يحصل الخير للبلاد والعباد. وانظروا إلى ما حصل من الثورات والانقلابات في بلاد المسلمين، ما يسمى بالربيع العربي، الذي سموه الربيع العربي، وهو أصلاً جاء من الغرب، قبحهم الله، هم الذين نشروا هذا في بلاد الإسلام، يريدون إثارة الفوضى والفتن، وأن لا تستقر بلاد المسلمين، لما يرون فيها إما من الخير، الخيرات، ما يريدونهم يتنعمون بها، ما يريدونهم يطبقون دينهم، يطبقون أمور دينهم. إذا رأوا في البلاد استقراراً أثاروا الفوضى فيها بأن ألبوا الشعب على الحاكم، بأن هذا حاكم جائر، هذا حاكم ظالم، هذا حاكم يجوز الخروج عليه. وهذا منهج الخوارج، منهج الخوارج. فهم يأتون بأمثال هؤلاء الذين إما يتربون عندهم، وإما يغدقون عليهم بالأموال في بلادهم، فيقولون لهم: اخرجوا على حكامكم، ونحن معكم، سندفع لكم. فيبدأون بعد ذلك بماذا؟ بوسائل، وسائل التواصل الاجتماعي، فيبدأون ينشطون هؤلاء تبعاً لهؤلاء، والعياذ بالله. فعلى المسلم يكون حذراً، حذراً. يقول عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، في عسرنا ويسرنا، سمع وطاعة، إن كنا فقراء سمع وطاعة». يعني كما يقال عندنا غلاء الآن الذي يراه الناس، هذا من العسر الآن الموجود، ارتفاع كذا وارتفاع كذا وارتفاع كذا. في عسرنا ويسرنا، أي في الرخاء، إذا كانت الأمور طيبة والأمور يعني ما شاء الله تمشي في البلاد بيسر وسهولة والناس متنعمون، أيضاً علينا السمع والطاعة، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. يقول: هذا كله لا ننازعهم، مدامهم أولياء أمور، لا ننازع الأمر أهله. قال: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان». إذا رأيتم الكفر البواح عندكم فيه من الله برهان، من يقول إن هذا الحاكم كفر كفراً بواحاً؟ العامة، جواب: لا، العامة ليس عندهم تمييز، لا يقال للعامة: أنتم الذين ترون الكفر البواح، يقال لأهل العلم، أهل العلم هم الذين يعرفون هذا الحاكم كفر كفراً بواحاً ظاهراً، عندهم فيه من الله، من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم برهان أن هذا الحاكم قد كفر. وبعد ذلك تأتي الطرق الشرعية من أهل الحل والعقد لإزالة هذا الحاكم. ما قال عليه الصلاة والسلام: إذا رأيتم الكفر البواح اخرجوا في الشوارع، ها، اخرجوا في الشوارع. فهؤلاء ما يعرفون كيف تمشي الأدلة، الغوغاء لا يتبعون في مثل هذا. فانظروا إلى بلاد الإسلام ماذا حل بها وماذا حصل بها: ليبيا، العراق، سوريا، اليمن، وغيرها من البلاد التي حصل فيها الخروج على ولاة الأمور وقتل ولاة أمورهم، وهم يدعون الإسلام، ويدعون الناس إلى إقامة الشعائر، وقامت، ماذا؟ الشعائر. فدامت الحدود موجودة، الجمع والجماعات موجودة، لا يضايق فيها أحد، فهذا خير عظيم، لأن يحصل ذلك على أيديهم، أي على أيدي ولاة الأمور، خير من الفوضى. ولهذا قال بعض السلف، وهو عمرو بن العاص رضي الله عنه، ينصح ولده، يقول له: «إمام ظلوم غشوم خير من فتنة تدوم، خير من فتنة تدوم». لو كان ظالماً لكن أمور المسلمين كما هي، يعني الجمع قائمة، الجماعات قائمة، الأعياد قائمة، حفظ لحدود البلاد من الأعداء، وغير ذلك مما يكون بين المسلمين بينهم ببعض، تقام الأنكحة والبيوعات، كل شيء ما ألغاها، الصلوات الخمس تقام. هذا وإن كان فيه بعض الظلم بأن يأخذ الأموال واستأثر بها ويبني له البيوت والقصور ونحو ذلك، علينا بالصبر، ونسأل الله عز وجل حقنا، إذا التزمنا بالطرق الشرعية، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يهلك هذا الحاكم الظلوم الغشوم. والله سبحانه وتعالى أعلم بمصالح عباده، الله عز وجل رؤوف بعباده، الله عز وجل رحيم بعباده. فإذا أطاعوا الله عز وجل الرعية وعملوا بالأدلة الشرعية فإن الله قدير سبحانه وتعالى على أن يخلصهم مما هم فيه من البلاء ومن الغلاء ومن هذا الجائر ومن هذا الظالم. فانظروا كيف الحقبة الزمنية التي مرت في تلك العصور الأولى، ومن تجبر ومن طغى جاء له ممن هو أطغى منه وقصم ظهره، كما فعل بالمسلمين ونكل بهم، نكل الله به على يدي حاكم ظالم آخر، ربما يكون رؤوفاً بالناس لكن على هذا يكون شديداً. وهكذا الأيام دول، الأيام دول، اليوم هو رئيس، غداً في التراب. كم سيعيش هذا الحاكم؟ كم مئة سنة؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يتجاوز ذلك». قليل من الأمة من تجاوز هذا، هو من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وليس عندنا فيه من الله برهان أنه كافر، وإنما مجرد ما يقوله هؤلاء الذين هم خوارج العصر، ارتضوا أن يكون هذا حاكماً لهذه البلاد، فقاموا وفتنوا الناس في مثل هذه الأمور والأوضاع. فلهذا ينبغي علينا أن نتنبه، نطيع ولاة أمورنا، ولا نخرج عليهم، ولا ننزع يداً من طاعة، ونعتقد أيضاً كأهل السنة والجماعة أن في أعناقنا بيعة لولي الأمر. نعتقد هذا لأن السنة يعتقد أنها لا تبيت وليس لها ولي أمر، بل لنا ولي أمر هو رئيس الدولة، لنا ولي أمر. وإن قال هؤلاء ما قالوا: ليس ولي أمرنا، بل نقول: أهل السنة يقولون لنا ولي أمر، دام أنه أي أن الناس قد سمعوا له وأطاعوا، وأهل الحل والعقد كذلك، وما جرى ما جرى في هذه البلاد، وعرف أنه رئيس هذه البلاد واختير لهذه البلاد. انظروا كيف النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «فإن جاءكم آخر»، جاءنا واحد ثاني يريد يستولي على البلاد، ماذا نفعل؟ قال: «فاضربوا عنق الآخر». هذا الثاني الذي يقول: أنا سأسوي وأسوي وأسوي، يعني يريد الإصلاح، هذا كذاب. أول واحد هو كذاب يريد أن يستولي على الحكم ويفعل ربما أشد من هذا الحاكم الذي يريد قتله، أو يريد دنيا، يريد مصالح دنيا، حرمه الحاكم شيئاً فأراد أن يثور لأجل الدنيا، ما يثورون لله سبحانه وتعالى ولشرعه ولدينه. هذه كلها قد جرت، قد جرت فيما مضى، إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى. فما يأتي عام إلا والذي بعده شر منه. وانظروا الآن إلى الأحوال التي في بلاد المسلمين، ماذا جنوا من تلك الثورات والانقلابات على أولياء أمورهم؟ فالبعض، أي بعض الناس، وربما الأكثرية، يقولون: يا ليت، يا ليت، ما تنفع كلمة ليت، يا ليت فلاناً كان موجوداً، ولا الحال الذي نحن، والحال الذي نحن فيه. هذا كله بسبب الخروج على ولاة الأمور. فالخروج على ولاة الأمور منهج من منهج الخوارج، منهج الرافضة، منهج المعتزلة الذين يقولون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عندهم تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويريدون بها الخروج على ولاة الأمور. الرافضة عندهم فقط لأئمة الاثني عشر هم المعصومون، فالإمام يعتقدون فيهم وليس أحداً سواهم، فأولهم علي، وآخرهم المهدي المنتظر محمد بن الحسن، الذي يقولون دخل سرداب سامراء عام ألف وستمائة، فهو موجود فيها، فيعتقدون أنه سيخرج آخر الزمان. من أكاذيب الرافضة، من أكاذيب الرافضة. فإذن ينبغي أن ننتبه، أن ننتبه، فهذا منهج خطير ومنزلق خطير. فأهل السنة منهجهم واضح من كتاب ربهم ومن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. انظروا كيف تعامل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فيما جرى من الخوارج بعد مقتل عثمان، مباشرة جاء على علي رضي الله عنه وبايعوه على الخلافة، فكان خليفة للمسلمين بعد عثمان، وبقي الخوارج هم الخوارج، خرجوا على عثمان ثم خرجوا على علي بن أبي طالب، وقاتلهم في النهروان، وقاتلهم في النهروان. هذا منهج يسير، منهج معوج من ذلك الزمان، فما يرتضون أحداً من ولاة الأمور، ولا يقومون لله عز وجل وغضبهم لله سبحانه وتعالى، وإنما كله لأجر دنيا، لأجر دنيا. فإذا يعتقد المسلم أن في عنقه بيعة، وإلا إن مات ولم يعتقد في عنقه بيعة، والعياذ بالله، مات ميتة جاهلية، ميتة الجاهلية. لا تخلع هذا، أنت خلاص قد بايعت هذا ولي أمرك، هذا ولي أمرك، فتعتقد في عنقك بيعة كبقية المسلمين؛ لأنه لا يشترط أن تذهب وتصافح تقول: أنا بايعتك على السمع والطاعة. فمدام أنه استتب له الأمر وأصبح رئيساً للبلاد ودان له كل شيء في البلاد، نقول: خلاص، هذا صار ولي الأمر، عند العلماء معروف، عند الفقهاء معروف، عند سائر الناس معروف. هل أحد يخالف في هذا يقول: أن هذا ليس برئيس دولة ولا حاكم الدولة؟ فأين عقولهم؟ هؤلاء الذين يطالبون بإقامة دولة، دولة وسط دولة، فما ينفع هذا، دولة وسط دولة. فهؤلاء الذين يثيرون الفتن والقلاقل في بلاد المسلمين، عياذاً بالله