الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 21، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يشرح المقطع خطورة الكبر بتعريفه بطر الحق وغمط الناس، مبيناً عقوبة المتكبرين بالحشر على صورة الذر. ويؤكد أن التواضع سبب للرفعة ودخول الجنة بخلاف الكبر الذي يهلك صاحبه.
ينتقل المقطع للنهي عن البخل والشح مبيناً أنهما مانعان للحق الواجب والمستحب، وأن الشح أهلك الأمم السابقة. ويستعرض أمثلة من الواقع العربي وموقف النبي ﷺ مع هند بنت عتبة وأبي بكر الصديق في ذم البخل.
يبرز المقطع فضيلة الكرم والجود كما تجلى في النبي ﷺ وأبي بكر والصحابة، ويحذر من البخل والشح لكونهما مرضاً مهلكاً. ويؤكد ضرورة مراقبة الله في السر والعلن وتجنب مواقف الخزي يوم القيامة.
يشير المقطع إلى أن المسلم يراقب ربه لأن الله يراه في خلوته وجهاره، ويختتم الدرس بالتسبيح والاستغفار. وهي خاتمة تؤكد على رقابة الله الدائمة للعبد.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الباجي رحمه الله في وصيته لولديه: قال تحريم الكبر. قال: وإياكما والكبر، فإن صاحبه في مقت الله متقلب، وإلى سخطه منقلب. الكبر أيضًا مرض قلبي ينبغي التخلص منه، ففيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». فقلنا: الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». بطر الحق: أي دفعه ورده، وغمط الناس: أي احتقارهم وازدراءهم. فحذر نبينا عليه الصلاة والسلام من الكبر، وعرفه بأنه دفع الحق ورد الحق، فمن رد الحق ودفع الحق يعتبر متكبرًا. فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». ومن عقوبة المتكبرين يوم القيامة أنهم يحشرون أمثال الذر، يطؤهم الناس، جزاء كبرهم؛ لأن الكبرياء والعظمة لله. الكبرياء ردائي، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعزة إزاري، فمن نازعني فيهما عذبته». إذن ينبغي للمسلم أن يتخلص من داء الكبر. ومن موانع طلب العلم الكبر: أن يتكبر الطالب عن أخذ العلم. قال مجاهد كما في البخاري وغيره: «لا ينال العلم مستحٍ ولا مستكبر». مستحٍ: يستحي من أخذ العلم، أو مستكبر: يتكبر ويترفع عن أخذ العلم عن غيره ممن هو فوقه، أو ممن هو مثله، أو ممن هو دونه. وإياكما والكبر، فإن صاحبه في مقت الله متقلب، وإلى سخطه منقلب، أي إلى سخط الله وغضب الله منقلب ذلك المتكبر. فالكبر داء ومرض ينبغي التخلص منه، والتخلص منه بالتواضع، والمتواضعون يرفعهم الله عز وجل، كما جاءت الأحاديث الدالة على فضيلة التواضع. والمتواضعون أيضًا هم أهل الجنة، أهل الجنة هم المتواضعون، أما المتكبرون فهم أهل النار، وقى ذنب الله. ثم قال: النهي عن البخل. وإياكما والبخل، فإنه لأداء أدواء، منه لا تسلم عليه ديانة، ولا تتم معه سيادة. البخل أيضًا: هو منع الحق الواجب. البخل أن يمنع الإنسان الواجب عليه، سواء كان من نفقة عيال أو والدين أو نحو ذلك، فيمنع الواجب الذي أوجبه الله عز وجل عليه. والشح أعظم منه وأكبر منه. الشح: بخل وزيادة، ليس في الواجب فقط، بل كذلك في المستحب والجائز والمباح. الشحيح هذا لا يتصدق، ولا يحب أن يتصدق، ولا يحب أن يعطي أحدًا شيئًا؛ لأن نفسه شحيحة. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. رتب الفلاح على وقاية الشح، على وقاية الشح. أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث جابر عند الإمام مسلم وغيره، قال: «اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أهلكهم القرون الماضية». قال: «حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم». انظر كيف عاقبة الشحيح: الشحيح هذا يجعله يسفك الدم لأجل المال، وأيضًا يجعله - والعياذ بالله - يستحل ما حرم الله سبحانه وتعالى. فلهذا هذا مرض خطير، مرض خطير جدًا. بعض الأقوام أثر عنهم أنهم لا يحبون أحدًا أن يأتيهم من خارجهم، يعني من غير قريتهم ومن غير قومهم، لا يريدون إقراء الضيف وإكرام الضيف. وهذا ليست من عادة العرب، العرب الأصل فيهم الكرم والجود. هذا في العرب التأصل، إلا قليلا، إلا قليلا منهم الذين هم لا يحبون أحدًا أن يأتيهم ولا أن يقربهم، لما في نفوسهم من البخل والشح. حتى أنهم أقاموا رجلًا على مرتفع، يعني هذا الرجل على المرتفع مثل الحارس، يخبرهم إذا كان هناك أحد قادم إليهم، ويقولون له: لا تصفق بيديك حتى لا يسمعك القادم، وإنما صفق ببنانك. كيف تصفيق ببنانك؟ تصفيق ببنانك هكذا. إذا رأيناك من بعيد تقول هكذا، علمنا أن هناك شخص قادم، فيتخذون بعد ذلك الاحتياطات، اللي بيكون مشغول، اللي بيكون نائم. المهم أنهم ما يريدون أحد يأتيهم، لأجل ماذا؟ لأجل أن يقروه ضيافة. فقال قائلهم: أقاموا الديدبان على يفاعي *** وقالوا لا تنم للديدبان الديدبان: هذا الحارس، أقاموه على مرتفع. أقاموا الديدبان على يفاعي، على مكان مرتفع، وقالوا: لا تنم للديدبان. إذا أبصرت شخصًا من بعيد فصفق بالبنان، على البنان، لا تقول كذا، لكن قل كذا. حتى لو أنك لو صفقت يسمعك ذاك القادم، فيعرف أن هنا ناس موجودين، فيقول: نأتيهم لأجل الضيافة. فصفق بالبنان على البنان. تراهم خشية الأضياف خرسًا، يصلون الصلاة بلا أذان. حتى الصلاة قالوا: المؤذن انتبهت، يقول الله أكبر، لأنه سيسمعك من بعيد إذا كبرت للأذان. لكن نقيم الصلاة بلا أذان. ففي داعي قال: ياش. تراهم خشية الأضياف خرسًا، ما يتكلمون أبدًا، يصلون الصلاة بلا أذان. هذه فائدة ذكرها شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في قوم من أقوام العرب، كان هذا ديدنهم، أنهم ما يحبون أحد من شحهم وبخلهم. وهند رضي الله عنها لما ذكرت للنبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف». وجابر رضي الله عنه جاء إلى أبي بكر، لما جاءت هناك غنائم من بعض القتال بينهم وبين الكفار، جاءت غنائم من البحرين وغيرها، غنمها المسلمون. فجاء جابر إلى أبي بكر يطلب قسمه منها، فلم يعطه شيئًا. ثم جاءه مرة ثانية فلم يعطه شيئًا. ثم جاءه مرة ثالثة فلم يعطه شيئًا. فقال له جابر رضي الله عنه لأبي بكر: إما أن تعطيني، وإما أن أبخلك. أبخلك: أي أقول أبو بكر بخيل، ما يعطي أحد شيئًا. إما أن تعطيني وإما أن أبخلك. فلما سمع هذه الكلمة قال أبو بكر: لا، وأي داء أدوأ من البخل؟ كما ذكر هنا رحمه الله، هذا كلام أبو بكر: «فإنه لا داء أدوأ من البخل». قال: «وأي داء أدوأ من البخل؟ والله ما جئتني في المرة الأولى وإلا وأنا أريد أن أعطيك، أريد أن أعطيك، لكن لعل هناك أمرًا منع أبو بكر من أن يعطي جابرًا، من أن يعطي جابرًا». ثم أعطاه. انظر أبو بكر قال: لا، وأي داء... مرض أعظم مرض في الشخص أن يوصف بالبخل، أن يقال: فلان بخيل، فلان شحيح. هذا مرض خطير، احذر منه أن توصف به. فالعرب كانت تتحاشى هذا، وكانت تتسابق إلى ماذا؟ إلى الكرم. وابن عباس وصف نبينا عليه الصلاة والسلام بأنه كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان حينما يأتيه جبريل فيدارسه القرآن. قال: «فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة». كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، عليه الصلاة والسلام، لا يخشى الفقر، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. وأعطى رجلًا غنمًا بين جبلين، بين جبلين غنم كثيرة، هذا الواحد قال له: خذها، هذا خذها. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان أكرم الناس وأجود الناس، ومنه تعلم الصحابة رضي الله عنهم هذا الجود وهذا الكرم. فكان الصحابة يمتثلون هذا، ولم يوصف أحد منهم بذلك. والسيد الذي يوصف بالبخل، هذا لا يعد عندهم سيدًا، لا يعد عندهم سيدًا؛ لأن السيد الذي يسود قومه يكون أكرمهم، ويكون أجودهم. يكون ماذا؟ أجودهم. والذي يوصف بالجود والكرم، هذا عندهم سيد. والسيد الذي لا يعني يكون مثلاً ذو مرتبة في قومه، لكنه لا يجود بشيء من ماله، يعتبر عندهم ماذا؟ رجلًا غير... يعني ليس بسيد. الذي يسود الناس. فلهذا ينبغي على المسلم أن ينتهي، وأن كذلك يحذر من أن يمنع الحق الواجب، حتى لا يوصف بالبخل ولا بالشح. فإن الشح مذموم، وقد ذمه الله عز وجل في كتابه الكريم، ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الشح، فإنه أهلك من كان قبلكم». ثم قال: مراقبة الله في السر والعلن. وإياكما ومواقف الخزي، وكلما كرهتما أن يظهر عليكما فاجتنباه، وما علمتما أن الناس يعيبونه في الملأ فلا تأتياه في الخلاء. هنا ذكر المراقبة، وهي في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك». فهذا حديث أصل في المراقبة. فالشخص يخاف من أن ينقلب، إذا كان يعصي الله في السر، إذا كان يعصي الله عز وجل في السر. لهذا: إياك ومواقف الخزي، أن تقف موقف خزي. وقد جاء في حديث ثوبان أن رجالًا يأتون بحسنات أمثال الجبال عظيمة، ثم يوم القيامة تجعل هباء منثورًا. فيسألون عن ذلك: هذه الحسنات أين ذهبت؟ تجعل هباء منثورًا. قال عليه الصلاة والسلام: «أولئك الذين إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها». يعني إذا كان لوحده في الخلاء انتهك محارم الله عز وجل. وقال: «وكلما كرهتما أن يظهر عليكما فاجتنبه». إذا كرهت أن يظهر أمام الناس اجتنبه، وكذلك في السر. فإذا يراقب المسلم ربه سبحانه وتعالى، لأن الله عز وجل يراه، يراه حال خلوته كما يراه سبحانه حال كذلك جهاره. طيب، إلى هنا نكتفي. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر