التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 20

الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 20، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

وصية الإمام الباجي بتحريم الفواحش والغيبة

يستعرض المقطع وصية الإمام الباجي لولديه بالابتعاد عن الفواحش الظاهرة والباطنة مستنداً إلى قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾. ويبين خطورة الغيبة بأنها تحبط الحسنات وتكثر السيئات مستشهداً بالآية ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وحديث النبي ﷺ في تعريف الغيبة والبهتان.

تفصيل تحريم الغيبة وشدتها واستثناءاتها الشرعية

يؤكد المقطع أن الغيبة محرمة أصلاً ولا تُستثنى إلا بأدلة شرعية محددة، مستعرضاً أدلة من السنة النبوية تُبين عذاب المغتابين في الدنيا والآخرة. ويذكر الاستثناءات الستة التي نص عليها النووي مشروطة بتحقيق المصلحة ودرء المفسدة، محذراً من التوسع في أعراض الناس.

خطر الغيبة في العلماء ووجوب حفظ اللسان والدفاع عن الأعراض

يحذر المقطع من الخوض في أعراض العلماء والدعاة وطلبة العلم بغير علم ولا تقوى، مبيناً أن الجرح والتعديل ليس رخصة للغيبة بل يحتاج إلى ورع وتثبت شديدين. ويؤكد وجوب حفظ اللسان، والنهي عن مجالس الغيبة، والدفاع عن عرض الأخ المسلم مستدلاً بحديث: «من رد عن عرض أخيه فله الجنة».

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء جامع يسأل الله التوفيق والمغفرة والتقوى والهداية، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والى، أما بعد. فقد أخذنا في وصية الإمام الباجي رحمه الله: تحريم الظلم، والتحذير من النميمة، والنهي عن الحسد. كل هذه أمور منهي عنها، فينبغي للمسلم أن يتجنبها؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة دلت على تحريم الظلم، وتحريم النميمة، وأيضا جاءت الأدلة بالنهي عن الحسد، كما في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما: نهى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «لا تحاسدوا». فهذه الأمراض ينبغي للمسلم أن يطهر قلبه منها. قال رحمه الله في وصيته لولديه: «اجتناب الفواحش، وإياكما والفواحش؛ فإن الله تعالى حرم ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق». هذا دليله قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾. فالله سبحانه وتعالى حرم قربانها، والفاحشة اسم لما فحش من القول والعمل، من القول والعمل، فيتجنب الكبائر منها والصغائر. يتجنب الكبائر من الفواحش ك الزنا واللواط ونحوهما مما فحش من الأعمال والأفعال، وهكذا أيضا يطهر قوله من فحش القول. ينبغي أن يكون لسانه طيبا لا ينطق إلا طيبا، فلا يفحش في القول، ولا يأتي بالكلام السيء البذيء الذي تعافه النفوس، وذكر أمور الفاحشة في المجالس ونحو ذلك، فينبغي للمسلم أن يتجنب ذلك. فكل قربان للفاحشة وما يؤدي إليها نهى الشرع عنه بقوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾. فلهذا ينبغي أن يصون المسلم سمعه، ويصون بصره، ويصون جوارحه عن قربان الفواحش. فدليل تحريمها في كتاب الله سبحانه وتعالى. ثم قال: تحريم الغيبة، «إياكما والغيبة؛ فإنها تحبط الحسنات، وتكثر السيئات، وتبعد من الخالق، وتبغض إلى المخلوق». في نصيحته لولديه يقول لهما: «إياكما والغيبة، الغيبة تحبط الحسنات، تذهب الحسنات؛ لأن الغيبة جاءت فيها الأدلة بتحريمها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم». من كتاب الله قوله عز وجل: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾، ولا ناهية دل على تحريم الغيبة. ﴿ لَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾، ﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾. يعني هذا مثله مثل من يأكل لحم أخيه ميتا، أتستطيع أن تأكل الميتة؟ لا تستطيع أن تأكل الميتة، فهذا يدل على أن الغيبة شديدة، مثل ما تأكل لحم أخيك ميتا إذا اغتبته. وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام الغيبة بقوله، كما في حديث أبي هريرة: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره». قال: أرأيت إن كان فيه؟ قال: «إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته». وهذا أشد، أن تذكر أخاك المسلم بما يكره عند حضوره، لو كان حاضرا لكره ذلك القول منك، ولا يرضاه. فإذا كنت تعلم أن أخاك المسلم الذي ستتكلم فيه في مجلس من المجالس يكره هذا الكلام إذا كان حاضرا، وأنت تعلم هذا، فهذه غيبة، ولو كان فيه. إذن ينبغي لنا أن نحفظ ألسنتنا من الوقوع في أعراض الناس؛ لأن المسلم مطالب بالستر، يستر على إخوانه. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة». حتى لو كان فيه، ما لك حق أن تتكلم فيه بأي وجه؟ تتكلم فيه بأي وجه حق في مجالس الناس، تقول: فلان كان كذا وكذا، وصفته كذا وكذا، وفعله كذا وكذا، هذا لا يجوز. ولهذا لما قالت عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: «حسبك من صفية» قال الراوي: تعني قصيرة. «حسبك من صفية»، قال: «يا عائشة، إنك قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته». كلمة فقط: «حسبك من صفية» تعني قصيرة، هذه الكلمة لو خلطت بالبحر لغيرته، كلمة واحدة، فما بالك بكلام يقال على شخص؟ فباب الغيبة الأصل فيه التحريم، وما جوز إلا بأدلة شرعية، كما ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم، يعني مضيق باب، مضيق لا يتوسع فيه، ليس كل شخص تكلم فيه بما هب ودب، لأنك قد تتجاوز، قد يتجاوز هذا الإنسان الحد والعياذ بالله فيقع في البهتان الذي هو أشد من الغيبة. البهتان: لأن من قال كما قال في حديث ابن عمر: «من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله رضغة الخبال حتى يخرج مما قال». ما بالك بهذا الوعيد الشديد الذي يقول في مسلم ما ليس فيه؟ هذا متوعد بهذا الوعيد الشديد: «أسكنه الله رضغة الخبال حتى يخرج مما قال». ومما جاء أيضا في تحريم الغيبة والنهي عنها، وأنها من الأمور العظيمة، ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعرج به وأخذه الملكان، رأى أقواما لهم أظهور من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، تخيل أظهور من نحاس، حديد، يخمش وجهه ويخمش كذلك صدره وجلده، يخمشون بها وجوههم لما عرج به عليه الصلاة والسلام. هذا من جنس العذاب، من جنس عذاب المغتابين. قال: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: «هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم». هؤلاء الذين يغتابون الناس ويقعون في أعراضهم. لهذا يحذر المرء المسلم من أن يقع في شيء. حديث أنس رضي الله عنه، وهكذا جاء في حديث جابر عند الإمام أحمد، حسنه الألباني رحمه الله، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح، ريح منتنة، فقال: «أتدرون ما هذه الريح؟» ما تدرون ما هذه الريح، ريح منتنة، قال: «هذه الريح ريح الذين يغتابون الناس». يعني في أقوام جالسين، شغلهم الشاغل أنهم يتكلمون في الناس، ما عندهم شيء آخر، فهذه انبعثت هذه الريح المنتنة والعياذ بالله، ليعلم خطر الغيبة وشدة الغيبة. ويوم القيامة يكون الحساب، يوم القيامة يكون الحساب والجزاء للمغتابين. لهذا قال عليه الصلاة والسلام كما حدث به أبو هريرة: «تدرون من المفلس؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «المفلس من جاء...» أو قال: «المفلس من لا درهم له ولا متاع ولا دينار». قال: «المفلس من جاء بحسنات أمثال الجبال، ولكنه ضرب هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، واغتاب هذا، سفك عرض هذا». قال: «فيأخذون من حسناته، يأخذون من حسناته إلى حسناتهم، فإذا فنيت أخذوا من سيئاتهم فطرحت عليه، ثم ألقي في النار». إذن الغيبة مما تأخذ منها الحسنات؛ لأنه لا جزاء يوم القيامة للذي اغتبته، وربما لم يكن فيه الكلام الذي تكلمت فيه، نقل إليك، فأنت تنقل، بعض الناس هكذا نقل إليك كلام عن فلان، فجعل فاكهة المجلس الكلام عن فلان، وربما ذاك الناقل ليس بمتأكد ولا متثبت. هب أنه كذلك متأكد ومتثبت، هل يلزمك أن تذكره أنت وتغتابه؟ لا يلزم ذلك، بل لا يجب عليك، بل ينبغي عليك أن تسكت، أن تسكت وتحفظ عرض أخيك، فلعل الله عز وجل أن يصلحه وأن يهديه، فتكون أنت حفظت لسانك من الوقوع في عرضه. والإمام النووي لما ذكر الأمور الستة ذكرها بأدلتها، لما قال: «والقدح ليس بغيبة في ستة: متظلم، ومعرف، ومحذر، ومظهر فسق، ومستفت، ومن طلب الإعانة على إزالة منكر». فهذه دلت عليها أدلة من الشريعة وهي مقيدة، يعني مقيدة بحصول المصلحة وانتهاء المفسدة. فإذا كانت هناك مفسدة، هناك من يذكر هذا الشخص للمصلحة ودرء المفسدة، فباب المصالح والمفاسد معروف ضابطه، ومن يقدر قدره. ولهذا عندنا ولاة أمور، عندنا محاكم، عندنا كذلك علماء، فإذا ينبغي على المرء أن يكون حريصا على حفظ لسانه من الوقوع في أعراض الناس. فالوقوع في أعراض الناس حفرة من الحفر، حفر النار، الوقوع في أعراض الناس حفرة من حفر النيران. ولهذا كان السلف الذين تكلموا في الرجال كانوا من أورع الناس؛ لأنهم يعلمون أنه إذا قال في شخص ما ليس فيه، أنه كأنما أقحم نفسه في حفرة من حفر النار. فالكلام في الرجال يحتاج إلى تقوى، يحتاج إلى ورع، يحتاج إلى تثبت، ما كل شيء يقال أنك تذكر في كل مجلس فلانا وفلانا فعله وتركه. هذا ينبغي على طالب العلم بالأخص؛ لأن هذا منزلق خطير قد ينزلق فيه. بعضهم يقول لك: من باب الجرح والتعديل، من باب الجرح والتعديل نجرح ونعدل ونغتاب. نعم، قال شعبة: «تعالوا نغتب في الله». لكن هل أنت مثل شعبة قد فحصت الرجال؟ هل أنت مثل إمام شعبة رحمه الله تعالى في زهده وتقواه وورعه؟ ما بلغنا شعبة فضلا أن نبلغ غيره. فلهذا ينبغي علينا في هذا الباب أن نحفظ الألسنة، فإنك يوم القيامة ستأتي بحسناتك ويأتي الذي تكلمت فيه، هل هو بحق؟ هل كان من دافع المصلحة ودرء المفسدة؟ هل هو بتقوى الله سبحانه وتعالى؟ لأن بعضهم قد يتشفى، يتشفى، فلان ما أعجبه فلان، بينه وبين أخيه شحناء، وبينه وبين أخيه شيء، قال: هذا دعنا نهتك عرضه، فيأتي من باب التشفي ويتكلم في فلان وفلان ويخط بقلمه. فانظروا كيف الفتن لما تأتي، باب الفتن لما تأتي يخوضها هؤلاء الأغمار الصغار، الأحداث الذين ما بلغوا منزلة في العلم، فيتكلمون في أكابر العلماء، يكلمون في المشايخ، جعلوا أعراض العلماء وقيعة فوقعوا فيها، ولحوم العلماء مسمومة كما قال ابن عساكر رحمه الله. فينبغي أن نتورع عن المسلمين من العوام، فكيف بالعلماء؟ كيف بالصلحاء؟ كيف بالدعاة؟ كيف بالمشايخ؟ يجعلون هؤلاء، يجعلونهم، عياذا بالله، فاكهة المجالس، وأيضا الكتب يكتبون في العلماء كذا وكذا وكذا. إذا جاءت الفتن هذا حال وديد كثير من هؤلاء الذين شغلوا أنفسهم واعتبروا أنفسهم في مقام ومصاف العلماء، ولبس عليهم، ودخل لهم من هذا الباب: أنتم أنتم حماة الدين، وأنتم أهل الجرح والتعديل، وكذا وكذا، فدخلوا في هذا الباب. فالإمام الباجي رحمه الله ينصح ولديه، يقول لهم: «إياكما والغيبة، الغيبة هذه محرمة، الأصل فيها التحريم، والوقوع في أعراض الناس لا يجوز». فيقول لهم: تحبط الحسنات يوم القيامة، إما حسنات وإما سيئات، وتبعد من الله سبحانه وتعالى، يقسو قلبك. ولهذا ينبغي أن يجعل المرء مجالسه ذكر الله سبحانه وتعالى أو الكلام في الخير، بل وينبغي عليه أنه إذا سمع الغيبة في مجلس ينبغي أن ينهي صاحبها، ينهى صاحبها عن الكلام والوقوع في أعراض الناس، أو ينصرف من هذا المجلس. وإذا رأى كذلك أو سمع عن أخيه زورا وبهتانا وهو يعلمه أن هذا كذب على فلان، فإنه ينبغي أن يدافع عنه ويرد عن عرض أخيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رد عن عرض أخيه فله الجنة». يرد عن عرض أخيه، إذا سمعت بفلان يتكلم عن فلان من العلماء أو المشايخ أو طلاب العلم ويتهمهم بما ليس فيهم، رد رده، وقل له: اتق الله، هذا الكلام ليس بصحيح، ما يقال في العلماء وفي المشايخ وفي طلاب العلم وفي الدعاة إلى الله، فتثبت، وأنا أعلم أن الكلام الذي تقوله كلام غير صحيح، كلام باطل، كلام كذب. فهكذا يرد المسلم عن عرض أخيه، سواء كان في المجلس أو حتى كما يقال في المجموعات، مجموعات الواتساب، لأنك ترى مجموعات الواتساب بعضها يكون فيها الخلط من هنا ومن هنا ومن هنا، فبعضهم ليس على السنة، ليس على السنة، وربما أتى بكلام من بعض المغرضين يتكلم فيه على المشايخ والدعاة، فلهذا أنت ترد عن عرض أخيك المسلم. من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة، وكما قال عليه الصلاة والسلام. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، ونسأله عز وجل أن يغفر لنا ذنوبنا ويكفر عنا سيئاتنا، ونسأله سبحانه وتعالى تقواه وهداه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. نكتفي بهذا إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر