الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 30، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد الدرس على وجوب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم وعدم الخروج على ولاة الأمور مستدلاً بحديث حذيفة وآيات النهي عن التفرق. ويوصي بالصبر على جور السلطان والأذى منه، وترك منافسته في الدنيا، والاعتزال التام عند وقوع الفتن حتى تنجلي، داعياً للإصلاح بالدعاء للسلطان لا بالشقاق.
يحث المقطع على اعتزال الفتن والاقتصار على العبادة في البيت، وينصح من ابتلي بمجاورة السلطان بالتقليل من الدنيا، وعدم الغيبة عنده، وطاعته في المعروف فقط. كما يحذر من الاستكثار من الدنيا ويبين أنها حقيرة عند الله، وأن كل ذي نعمة محسود، فيجب الزهد والاقتصار على الكفاف.
يميز المتحدث بين حسد الغبطة الممدوح - وهو تمني النعمة للطاعة - والحسد المذموم الذي طبع في النفوس ويخفيه الكريم، ثم يحذر من تجميد المال في أصول عرضة للتلف والغصب. ويوصي بالتوكل على الله والتجمل في طلب الرزق، ويختم بالنهي الشديد عن التقرب إلى السلطان لما فيه من فتنة الدين والعرض والمال.
اختتم المتحدث الجلسة بالدعاء لله بالتوفيق والرضا، وأعلن انتهاء الجزء الحالي مع نية استكمال الكتاب في الجلسة القادمة. ثم حمد الله وشكر الحضور على حضورهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام أبو الوليد رحمه الله في وصيته لولديه: "قال: لزوم الجماعة". قال: "فالتزما الطاعة وملازمة الجماعة، فإن السلطان الجائر الظالم أرفق بالناس من الفتنة وانطلاق الأيدي والألسنة". وهذا كما تقدم حث على لزوم جماعة المسلمين وعدم الخروج على ولاة الأمور. وقد جاء هذا في حديث حذيفة رضي الله عنه الذي في صحيح الإمام مسلم، حيث قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فسأله بعد ذلك، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». فالمسلم يلزم الجماعة، والجماعة هم أهل الحق الذين اعتصموا بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيدخل فيهم دخولاً أولياً أهل الفقه والنظر، وأهل العلم، وأهل الحديث، وأهل السنة والجماعة. فما سموا أهل سنة إلا لأنهم على سنة رسول الله، ولا سموا جماعة إلا لأنهم مجتمعون على الحق لا يخرجون عنه. فلهذا يلزم المسلم هذه الجماعة ولا يتفرق. فإن الله عز وجل ذم التفرق في كتابه الكريم، قال سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. فليحذر المسلم من أن يتفرق إلى هذه الجماعات أو الطوائف أو الفرق أو الأحزاب أو غيرها مما خالف الكتاب والسنة. فإنك إنما تجتمع مع أهل الحل والعقد، ومع أهل العلم، ومع المسلمين، فتكون مع إمام المسلمين. فبذلك تذرأ نفسك من الفتنة. قال: "الصبر على السلطان الجائر". قال: "فإن رابكما أمر ممن ولي عليكما، أو وصلت منه أذية إليكما، فاصبرا وانقبضا، وتحيلا لصرف ذلك عنكما بالاستنزال والاحتمال والإجمال. وإلا فاخرجا عن بلده إلى أن تصلح لكما جهته، وتعود إلى الإحسان إليكما نيته. وإياكما وكثرة التظلم منه، والتعرض لذكره بقبيح يؤثر عنه، فإن ذلك لا يزيده إلا حنقاً وبغضة فيكما". وارضا بإضراره بكما. يعني: إذا أظهرت التظلم والشكاية، وأظهرت التعرض لولي الأمر، فإن ذلك لا يزيد ولي الأمر عليك إلا حنقاً وبغضاً. فهكذا يفعل ولاة الأمور بمن يشهر بهم، أو بمن يخرج عليهم، فيبغضون هؤلاء فيضرون أنفسهم. هؤلاء الذين يتكلمون في السلطان، أو الذين يخرجون عليه، والذين يتشكون منه. فلهذا السلطان إذا قال فعل، كما قال في قصيدته ابن الوردي: "لا تعاند من إذا قال فعل وهو السلطان". احذر من معاندة السلطان، فإنه إذا قال فعل، فينزل بك الأفاعيل: يسجنك، يضربك، يقتلك إذا استلزم الأمر. هذا كله بيد هؤلاء الصلاطين. فالواجب علينا الصبر، الصبر ممن ولي علينا. نصبر على أذاهم، نصبر على ما منعون منه، أو مما لم يعطونا منه. هذا كله ينبغي علينا فيه الصبر. ونسأل الله عز وجل لنا ولهم الهداية والسداد، وأن يهديهم الله ويصلحهم الله. كما قال الإمام أحمد: "لو كانت لي دعوة صالحة لجعلتها للسلطان". لو أن لي دعوة صالحة لجعلتها لولي الأمر. انظروا كيف هذا الإمام أحمد! لو ظن أن له دعوة مستجابة لجعلها لولي الأمر، لأن بصلاحه صلاح للبلاد والعباد، وبفساده والعياذ بالله فساد للبلاد والعباد. فاجعل دعوتك لولاة الأمور بالخير: أن الله عز وجل يوفقهم ويصلحهم ويهديهم ويرزقهم البطانة الصالحة. هذا من منهج أهل السنة والجماعة: الدعاء لولي الأمر، والصبر على السلطان الجائر. قال: "ترك منافسة السلطان". وأبدأ بعد سد هذه الأبواب عنكما بترك منافسة من نافسكما، ومطالبة من طالبكما. فإنه قد يبدأ بهذه المعاني من يعتقد أنه لا يتوصل منها إلى محظور، ولا يتشبث منها بمكروه، ثم يفضي الأمر إلى ما لا يريده ولا يعتمده من مخالفة الرئيس الذي يقهر من ناوأه، ويغلب من غالبه وعاداه. إذن عليكما بسد كل الأبواب التي فيها منافسة ولي الأمر، ومنافسة السلطان في ولايته، وفي حكمه، وفي ماله، فيما معه. اترك هذه المنافسة، فإن السلطان يقهر من ناوأه، أي من عاداه، وهكذا يغلب من غالبه. هكذا ولاة الأمور، وهكذا الصلاطين: يحنقون ويغضبون ممن ناوأهم وعاداهم وأظهر لهم المنافسة. فلا تنافس هذا السلطان. إذا تريد أن تنافس، فنافس في أمر الآخرة، لا في أمر الدنيا. وابتعد عن الصلاطين، وعن أبواب الصلاطين، يسلمنك دينك وعرضك. قال: "الاعتزال في الفتنة". أيضاً إذا حصلت فتن، عليك باعتزالها. قال: "وإن رأيتما أحداً قد خالف من ولي عليه، أو قام على من أسند أمره إليه، فلا ترضيا فعله، وانقبضا منه، وأغلقا على أنفسكم الأبواب، واقطعا بينكما وبينه الأسباب، حتى تنجل الفتنة وتنقض المحنة". هذا كله إرشاد منه رحمه الله أنكم إذا رأيتما... إذا رأيت كذلك أيها السني، رأيت من خالف ولي الأمر وقام ضد ولي الأمر، فلا تقم معه. فلا تقم معه، فإنك نهيت عن هذا. نهيت أن تقوم مع أرباب الفتن وأصحاب الشغب والانقلابات. فإنما يعود وبال ذلك عليهم، فتكون أنت الضحية. تكون أنت الضحية لهذا. فالتزم منهج أهل السنة والجماعة: إذا حصلت الفتنة ورأيت الناس بعضهم يموج في بعض، واختلطوا... هكذا قد شبك النبي صلى الله عليه وسلم هكذا أصابعه، يعني اختلط الناس، فصاروا هكذا، فلا يدرى أين أهل الحق، ولا يدرى أين أهل الباطل. فربما تظن أن أهل الباطل هم أهل الحق، وأهل الحق هم أهل الباطل. فلذلك تجتنب الفتنة، ولو أنت عضّ على أصل شجرة حتى يأتيك الموت. وقد أرشد نبينا عليه الصلاة والسلام حذيفة إلى هذا، قال: «فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتى يأتيك الموت». وأنت على ذلك تعتزل كل الفرق، تعتزل كل من خرج، تعتزل كل من قام بالسيف. هؤلاء أرباب فتن، فلا تشارك معهم: لا في قتال، ولا في تصويت، ولا في غير ذلك. لأن هذا كله والعياذ بالله من فساد القلوب. فالفِتن تفسد القلوب. لهذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث شداد: «إن السعيد لمن جنب الفتن»، كررها ثلاثاً عليه الصلاة والسلام. فالسعيد من اجتنب الفتن، يجتنبها فيقعد في بيته، ويلزم مصحفه وصلاته، ويلزم شأنه. إذا حصلت هذه الفتن، فعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العام. دع أمر العام. لهذا لا ترضَ بفعل من يخرج. وقت الفتن خرج كثير، وقت الفتن التي حصلت في القرن الأول وفي القرن الثاني، خرجوا كثير. لكن كان مآلهم وعاقبتهم القتل أو السجن أو نحو ذلك. فما أفلحوا، ما نجحوا، وما فازوا، وما ربحوا عندما قاموا وخرجوا في وقت الفتن على الأمراء والسلاطين. فلا ترضَ بفعله. قال: "مصاحبة السلطان في المعروف". فإذا امتحن بصحبته، أو دعته إلى ذلك ضرورة، فليتقلل من المال والحال، ولا يغتب عنده أحداً، ولا يطالب عنده ببشر، ولا يعصي له في المعروف أمراً، ولا يستنزله إلى معصية الله تعالى. فإنه يطلبه بمثلها، ويصير عنده من أهلها. وإن حضي عنده بمثلها في الظاهر، فإن نفسه تمقته في الباطن. هذه نصيحة، نصيحة لمن جاور السلطان، لمن ابتلي... قد تبتلى وتجاور السلطان. فلو فرضنا أنك جاورت السلطان، أي أصبحت عنده ذا حظوة، وأصبحت عنده ذا مكانة ومرتبة، وعينك في وزارة، أو عينك في رئاسة... نعم، شكراً. تمام. نكمل هذا إن شاء الله. قال: "فإن حضي عنده"، يعني حضيت عند السلطان. فحاول أن تتقلل من المال، لا تكثر من ذلك، والحال: أي لا تطالبه بشيء، لا تطالبه شيئاً من أمور الدنيا. وكن كالمستشار له، المعين له. هكذا ينبغي أن يكون الوزراء والمستشارون: يشيرون على ولي الأمر بالرشد، ولا ينظرون إلى الدنيا. أيضاً لا يغتابون عنده أحداً، فلا يتكلمون عنده على فلان حتى يغضب السلطان عليه، فربما أوقع به السلطان. أيضاً لا تطيعه في المعصية، ولا تعصيه في المعروف. فإن المعروف يطاع، والمعصية لا تطاع فيها. فلهذا ينبغي عليك أن تتقي الله سبحانه وتعالى في صحبته وفي مجاورته. طيب. قال: "الزهد في الدنيا". الزهد في الدنيا أيضاً: الشخص يزهد في الدنيا، يزهد في الدنيا. قال: "إياكما والاستكثار من الدنيا وحطامها، وعليكما بالتوسط فيهما، والكفاف الصالح الوافر منهما. فإن الجمع لها والاستكثار منها، مع ما فيه من الشغل بها والشغب بالنظر فيها، يصرف وجوه الحسد إلى صاحبها، والطمع إلى جامعها، والحنق على المنفرد بها". أيضاً مما يحذر منه الاستكثار من الدنيا والانغماس فيها، بحيث ينسى المصالح المترتبة عليه. فإن العبد عليه حقوق وعليه واجبات، فلا تشغله الدنيا عن أداء الحقوق وأداء الواجبات: حق لربه، وحق لنفسه، وحق لأهله، وحق لقرابته، ولمن معه وذويه من المسلمين. لهذا يعطي كل ذي حق حقه، فلا يجعل الدنيا في قلبه، بل يجعل الدنيا في يده. فإن المال الصالح نعمه للرجل الصالح، كما قال عليه الصلاة والسلام: «نِعْمَ المال الصالح للرجل الصالح». هذا الرجل الذي عنده المال يصرفه في وجوه الخير وفيما أباح الله عز وجل. فلا يستكثر أحد من الدنيا وينغمس فيها إلا نسي الآخرة. نسي الآخرة. فمن كان يريد حرث الدنيا، قال الله عز وجل: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. الدنيا تلهي، وقد حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة عندما مر بجدي أسك ميت، قال للصحابة: «ما هذا؟ هل أحد منكم يشتري هذا؟» قالوا: يا رسول الله، إنه ميت، إنه... ماذا؟ ميت، وإنه أسك. أسك يعني مقطوع الأذن. يعني اجتمعت فيه عاهتان: أنه أسك، وأنه كذلك ميت. ما أحد يرضى يشتريه وهو حي إذا كان أسك مقطوع الأذن، فكيف وهو ميت؟ يا رسول الله، قال: «لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَذَا». الدنيا أهون، الدنيا حقيرة، ما تزن عند الله جناح بعوضة. ولو كانت تزن جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء. والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب للدنيا مثلاً بمثل الغائط الذي يخرج من الإنسان. من الإنسان هذا الغائط، وما في حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام شبه الدنيا بما يخرج من الإنسان. «وإن قزحه وملحه»: يعني لو حطيت له بهارات، حطيت للغائط بهارات، حطيت له ملح، هل تستطيع أن تأكله؟ هل تستطيع هذه البهارات تغيره؟ حطيت له شطة، حطيت له عسل، حطيت له ما تبي... يقول: هذا عصيد، هذا براز، هذا براز. سبحان الله! ما يستطيع يأكله الإنسان، ولو وضع له ما وضع من هذا. قال: «وإن قزحه وملحه»، يبقى هذا براز، وهذا غائط. فلهذا الدنيا شبيه بهذا، وإن زينت، وإن زخرفت. يعني المثل: إن زينت الدنيا، تبقى دنيا، تبقى ماذا؟ دنيا ومذمومة، إلا من اتقى الله سبحانه وتعالى فيها. قال: "كل ذي نعمة محسود". فالسلطان يتمنى أن يزل زلته، يتسبب بها إلى أخذ ما عظم في نفسه من ماله. والفاسق مرصد لخيانته واغتياله. والصالح ذام له على استكثاره منه واحتفاله. خاف عليه صديقه وحميمه، ويبغضه من أجله أخوه شقيقه. إن منعه لم يعدم لائماً، وإن بذله لم يجد راضياً. أيضاً عليك أن تقتنع أن كل ذي نعمة محسود من غيره. يعني من أعطاه الله عز وجل نعمة المال مثلاً، فإنه يحسد من غيره. يتمنى بعض الناس أن يكون عندهم مال. والحسد قسمان: حسد غبطة، وحسد تمني زوال النعمة. فحسد تمني زوال النعمة هذا محرم مذموم. أما حسد الغبطة فممدوح: الذي يتمنى أن يكون له مثل ما عند فلان، لأجل أن يعمل بطاعة الله. لو لي مال لتصدقت به، لو عندي علم لعملت به ولعلمته. فالذي يؤتى القرآن، والذي يؤتى الحكمة، والذي يؤتى المال، هذا محسود، هذا محسود. والحسد طبيعة في النفوس مغروس فيها. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "ما من إنسان إلا وفيه حسد، ولكن الكريم يخفيه، ولكن الكريم يخفيه". أي صاحب الطبع النقي، وصاحب الطبع الكريم، يخفي الحسد، لا يظهر هذا الحسد. وبعضهم لسانه تلهج... قل: انظروا ماذا عند فلان، فلان معه كذا. تراه دائماً يتحدث عن الناس، يتحدث عن فلان، عن فلان: عنده هذا، عنده بيت، عنده سيارة، عنده أموال، عنده تجارة، عنده كذا. يعني هذا ما ينطق من هذا إلا من طبيعة الحسد، من طبيعة الحسد. الكريم ما يتكلم بهذا أمام الناس، بل يتمنى في قلبه أن الله سبحانه وتعالى يؤتيه من فضله، يؤتيه مثل ما آتى فلان، لكي يعمل بطاعة الله. فهذا ممدوح، هذا محمود. لعله يؤجر على هذه النية الطيبة، يؤجر على هذه النية الطيبة. بخلاف ذلك الذي دائماً ينظر إلى ما عند الناس، يتمنى أن يكون مثلهم، لا ليعمل بطاعة، بل ليتنعم، وربما ليمنع الحقوق التي عليه، مثل ما يمنعها هؤلاء أصحاب الأموال. لهذا هذا الحسد موجود في النفوس، مغروس فيها، مغروس فيها، إلا ما رحم الله سبحانه وتعالى. قال: "آفات الدنيا". ومن رزق منكما مالاً، فلا يجعل في الأصول إلا أقله. فإن شغبها طويل، وصاحبها ذليل، وهي ليست بمال على الحقيقة. إن تغلب على الجهة عدو حال بينه وبينها، وإن احتاج إلى الانتقال عنها تركها، أو ترك أكثرها. يقول: احذر من الاستكثار من المال. وإذا رزقت مالاً، فلا تجعل في أصولها إلا أقلها. مثلاً لو عندك أرض، الأرض هذه أصل، هذه أصل. فلا تجعل فيها أشياء كثيرة، بحيث لو كان بينك وبين... يعني نوأك عدو، ربما يأخذ مالك كله، يأخذ هذا المال كله، فتبقى بعد ذلك بدون شيء. أو أنك تستطيع أن تأخذ منه أغلبه إذا حال بينك وبينه، فيكون معك أصل... هذا المال. لهذا ينبغي للعاقل أنه يعرف كيف يوزع ماله، إذا كان عنده مال، بأن لا يجعله في مكان واحد، فيجعل له أصول في أماكن متفرقة معينة، بحيث لو حصل له شيء من نوائب الدهر، أو كان هناك فتن، أو كانت هناك حروب، يستطيع أن يأخذ بعض ماله ولا يتركه كله لعدوه. هذه من آفات الدنيا: المال أنت تحافظ عليه، تحرص على جمعه، ثم بعد ذلك تحافظ عليه من السرقة، تحافظ عليه من النهب، تحافظ عليه من الأخذ ومن غير ذلك. فهذا من آفاته، يعني من آفات الدنيا أن هذه هي... هي طبيعتها، وتحتاج إلى حراسة المال. بينما لو كان عندك علم، فإنك لا تحتاج إلى حراسته، بل العلم يحرسك. قال: "لا يصلك إلا ما قدر لك". ومن احتاج منكما فليجمل في الطلب، فإنه لا يفوته ما قدر له، ولا يدرك ما لم يقدر له. وقد ذكر الله تعالى ما وعى به العبد الصالح ابنه في مثل هذا، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. هكذا أيضاً تعتقد أنه لن يؤتيك الله سبحانه وتعالى إلا ما كتبه لك. وما منعك شيئاً سبحانه وتعالى إلا وقد أراد الله عز وجل بك خيراً. فلهذا ما أعطاك الله سبحانه وتعالى فهو خير لك، وما منعك كذلك فهو خير لك أيضاً. تجمل في الطلب، تجمل في الطلب، ولا تطلب بمعصية الله سبحانه وتعالى. فما فاتك أراد الله عز وجل أن يفوتك، فلا تتحسر عليه. وما آتاك فأراد الله سبحانه وتعالى أن يدركك، فهذا من نعمة الله وفضلك عليك. كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «اعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». قال: "من أتى السلطان افتتن". واجتنبا صحبة السلطان ما استطعتما، وتحريا البعد منه ما أمكنكما. فإن البعد منه أفضل من العز بالقرب منه. فإن صاحب السلطان خائف لا يأمن، وخائن لا يؤمن، ومسيء إن أحسن. يخاف منه، ويخاف بسببه، ويتهمه الناس من أجله. إن قرب فُتِن، وإن أبعد أحزن. يحسدك الصديق على رضاه إذا رضي، ويتبرأ منك ولدك ووالدك إذا سخط. ويكثر لائموك إذا منع، ويقل شاكروك إذا أعطى. فهذه حال السلام معه، ولا سبيل إلى السلام ممن يأتي بعده. هذه نصيحة بترك القرب من السلطان. فالقرب من السلطان هذا حاله: من يقرب من ذي سلطان، فإنه يكون عند الناس ما بين الذم والمدح. فإما أن يذموك، وإما أن يمدحوك، بحسب ما أعطيت أو منعت. فلهذا ينبغي على العاقل أن يبتعد عن أبواب الصلاطين وذوي الجاه، حتى لا يفتتن. لا يفتتن المسلم بإتيانه أبواب الصلاطين. فإن أبعد الناس عن أبواب الصلاطين هم أهل العلم. أهل العلم لا يطرقون أبواب الصلاطين والأمراء، لأن ما عندهم حل، ما عندهم المال. لهذا ربما أقنعوك بشيء أنت لم تقتنع به، وأرادوك على شيء أنت لا تريده. لهذا إذا ابتعدت كان قلبك أسلم، فتسلم. تبتعد عن ما كل فيه فتنة لقلبك، من هؤلاء الذين يفتنون الناس بأموالهم، بأموالهم. فأنت أعطاك الله سبحانه وتعالى خيراً عظيماً، تحافظ على هذا الخير. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضى. نكتفي بهذا، وبالله التوفيق. إن شاء الله الصلاة، نكمل ما تبقى من هذا الكتاب. والحمد لله رب العالمين. شكراً.