شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 46

الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التحذير من الخروج على ولاة الأمور وتاريخه

يتناول هذا الفصل التحذير من الخروج على الحكام وطاعتهم، مع ذكر تجارب تاريخية سابقة مثل خروج بعض الفقهاء على الحجاج بن يوسف الثقفي.

أهمية طاعة الحاكم والدعاء له

يؤكد هذا الفصل على أهمية طاعة الحاكم مهما كانت الظروف، والدعاء له بالإصلاح لتحقيق المصلحة العامة، ويستدل بالأحاديث النبوية في ذلك.

دور العلماء في توجيه الحكام وصلاح المجتمع

يشرح هذا الفصل كيف يتحكم العلماء في الحكماء ويتولون تعيينهم وتحجيم سلطتهم، ويبرز أهمية صلاح السلطان في صلاح المجتمع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فذكرنا أمس كلام مؤلفنا، رحمه الله، أو عثمان الصابوني في طاعة ولاة الأمور، وكل إمام مسلم، برا كان أو فاجرا، فإنه يصلى معه الجمعة والعيدين. وأيضا يرون جهاد الكفر معهم. قال أيضا: ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح. فهناك حقوق على الرعية، وحقوق على الراعي. وقد جاء في حديث مسلمة أن النبي، عليه الصلاة والسلام، قال: يكون فيكم أمراء يأخذون حقهم ولا يعطونكم حقكم، معنى يأخذون ما لهم، وأيضا يطلبون ما لهم من الطاعة، لكن لا يعطون الناس حقهم من النصح في الحكم وغيره. فقالوا: ماذا نفعل يا رسول الله؟ قال: أعطوهم حقهم، وسلوا الله الذي لكم. أعطوهم حقهم من الطاعة والسمع، وأما ما لكم من حقوق، فاسألوا الله عز وجل، فهو ملك ذلك أو كل شيء. ولأجل أن هذا الأمر تحصل فيه الفوضى، وتحصل فيه الجماء، فلهذا جاء الشرع بمنع مثل هذه الأمور، وغض الطرف عما يفعل هؤلاء الأمراء، لعجل المصلحة المرجوة، أو لدفع المفسدة الكبرى. فإن كثيرا من الناس الآن يتهور، فيخرج على الأمراء، أو يفعل فوضى وثورة، ثم يعود ذلك إلى أنها تصفك دماء المسلمين. ويا ليت أنه شيء ينتهي، بل يأتي من هو أفسق منه، وأفجر منه، وأظلم منه. وهذا كما قلنا من زمن بني العباس، والأمر كذلك، حتى قال شيخ الإسلام: وقد عرف بالتجربة أنه ما من خارج يخرج على رجل من الحكام من المسلمين، ولو كان جائرا، إلا ويكون مآلهم أكثر مما كانوا عليه. وهذا الذي يحصل في هذه الثورات، تجد بعد ذلك تتمنون ذاك العهد الذي كانوا قد خرجوا عليه. حتى لما حصل أن خرجوا في بني أمية، خرجوا على الحجاج، خرج محمد بن الأشعث، وخرج بعض الفقهاء معه، فكان ممن خرج رجل يقال له أبو مسلم، وكان من الفقهاء. ولما خرجوا، سفكت الدماء المسلمة، وحصل قتال، ولم ينجحوا بشيء، بل مات كثير من الفقهاء والعلماء في تلك الفتنة. فذات مرة كان هذا أبو مسلم عند محمد بن سيرين، فذكروا الفتنة التي حصلت في زمن الحجاج، وخروج الفقهاء وكذا، فقال أبو مسلم: الحمد لله أني لم أضرب أحدا بسيفي، أن لم أضرب أحدا من المسلمين بسيفي. فقال له ابن سيرين: ألم يقول فلان معنا، وفلان كان معنا؟ فبكى أبو مسلم حتى قال الراوي: حتى أردنا أن يسكت، فلم يسكت معنا من كثرة البكاء، أن تندما على ما فعل. وهكذا كانت الخروجات، غالبها تكون على المسلمين، وتكون فتنة، ولا يتحقق المراد منها. أنا ليس الإنسان عندما مثلا يقوم ويخرج على حاكم، أنه سيحصل على ما يريد، وأنه سيأتي حاكما، أو ما يتمنى أن يكون حاكما، وأن هذا الحاكم الذي يريده سيعدل، وسيفعل، سيفعل. فالغالب أن الحكم يغير النفوس، لأنه يرى الأموال، ويرى كذلك الهيمنة والسيطرة على الناس، فتأخذه نفسه بالعزة بالإثم، فيتغير على خلاف ما كان عليه. وانظر إلى واقعنا المعاصر، فقد كان الإخوان المسلمون يتمنون أن يأخذوا الحكم، وكانوا دائما في الثورات في مصر، وفي غيرها، في الشام. فتجد أنه كلما أرادوا أن يطلعوا رجلا، أو أن يجعلوا رجلا منهم في الحكم، يصعد ذلك الرجل، ويكون أشد ممن كانوا قد قاموا عليه. فانظر مثلا جمال عبد الناصر، كان من الإخوان المسلمين، كان مع حسن البنا، فلما طلع الحكم، قلب عليهم، فعل بهم ما لم يفعلوا بهم السادات وغيره. وهكذا أيضا حصل لهم في الشام، حتى استولى النصارى على لبنان، واستولوا أيضا كذلك الاشتراكيون الشيوعيون على سوريا، وكذلك النصيرية بعد ذلك على سوريا. وهكذا حصل ما هو أشد مما كان عليه الناس، وأعظم. وأيضا كذلك تحولت الحكم إلى غير المسلمين، فالنصيرية كفار، بل قال شيخ الإسلام: أنهم أكفر من اليهود والنصارى. وكذلك أيضا الدروز الذين في لبنان، أيضا نصارى كفار. وهذا كله بسبب جهل المسلمين في مثل هذه الأمور، وخاصة الإخوان، فهم منذ أن نشأوا هم على هذه الحالة دائما يحبون الثورات، يحبون الفوضى بين المسلمين. حتى إذا رأوا دولة استقرت وأمنت، بثوا إليها جنودهم من القاعدة، وما يسمون بالدواعش وغيرهم، فيحدثون الفتن بين المسلمين، والفوضى في بلاد الإسلام. ولهذا كان السلف، رحمهم الله، يحذرون شديد التحذير من هذه الأمور. وخلاصة ما كان عليه السلف، رحمه الله، من التحذير، خاصة في جانب ولاة الأمور، كانوا يحذرون من الخروج. وهذا قد جاء في الأحاديث عن النبي، عليه الصلاة والسلام، حتى قال عليه الصلاة والسلام: لما قال: اسمع وأطع، وإن كان، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك. جاء في حديث أنس، وجاء أيضا كذلك في حديث أخرى. وكذلك قال: وإن تأمر عليكم عبد يسوقكم بعصاه، أي أنه شديد، فاسمع وأطع. وهذا كله مما يدل على أن الحاكم إذا تغلب، واستتب له الأمر، فإنه يدعى له، ولا يجوز الخروج عليه. فأولا الخروج. ثم ذكر هنا المؤلف أيضا: ويرون الدعاء لهم بالإصلاح. وهذا الأمر الثاني، أنهم يحرصون على الدعاء للسلطان، وإن كان جائرا، وإن كان جائرا لا يدعون عليه. لماذا؟ لأن الدعاء له مصلحة ليست له فقط، بل مصلحة للناس جميعا، إذا أصلح الله عز وجل الأمير، صلح الناس. فلهذا كان السلف يدعون للأمير، كما جاء ذلك عن جماعة من السلف، جاء عن ابن سيرين، وجاء كذلك عن أبي قلابة، وجاء أيضا عن الفضيل بن عياض، وجاء عن الإمام أحمد. بل قال الإمام أحمد: إني أدعو للسلطان، مع أنه معتزلي، وكان يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن. فقال: إني أدعو للسلطان ليل نهار، وأعتقد أن هذا واجب عليك، هكذا يقول الإمام أحمد. وقال الفضيل بن عياض: لو أن لي دعوة مستجابة، لجعلتها للسلطان. وكذلك جعفر بن محمد، لو أن لي دعوة مستجابة، لجعلتها للسلطان. وليس هذا محابة، أو كذلك تزلفا، وإنما هذا لأن صلاح السلطان صلاح للرعية. وأما إذا كان مثلا الإنسان يدعو على السلطان، ويدعو على الحاكم، فهذا لا يريد خيرا للناس، فهذا لا يريد خيرا للناس. ولهذا كان السلف، رحمه الله، يقولون: وذكر ذلك الإمام البربهاري، يقول: إذا رأيت الرجل يدعو للحاكم بالهداية والصلاح، فاعلم أنه صاحب سنة. وإذا رأيت الرجل لا يدعو للسلطان بالهداية والصلاح، فاعلم أنه صاحب بدعة. ولهذا من نظر إلى، أو سمع محاضرات الحزبيين جميعا، من الإخوان، السرورية، والقطبية، تجد أنهم في منأى عن هذا الباب، لا يدعون للسلطان أبدا. لكن من سمع خطب أهل السنة، يجد أنهم يدعون للسلطان، ليس كما قلنا تزلفا، ولا أيضا كذلك سكوتا عن الباطل، ليس هذا، وإنما لأن الله عز وجل هو سامع الدعاء، ومستجيب. فأعظم ما يكون للناس أن يصلح الله عز وجل ولاتهم، إذا أصلح الله عز وجل ولاتهم، صلح أمر الدنيا، صلح أمر الدنيا. فليس للعجل، فما فائدة أن يدعو عليه، أن يدعى عليهم؟ لأن زيادة الدعاء عليهم، وزيادة فسادهم، هو أيضا فساد للمجتمعات، وفساد أيضا، وتقنيط، وكذلك أيضا تضييق على عباد الله عز وجل. فكلما كان الحاكم فاسقا فاجرا، كلما كان ذلك على أهل الإسلام، وخروجهم أيضا يؤدي إلى ما هو أعظم من ذلك. ولهذا كان الحسن، رحمه الله، لما ذكروا له الخروج، الحسن بن أبي الحسن البصري، قال: أخاف أن تخرجوا على الحجاج، وتحكمكم اليهود والنصارى. أنا أخاف أن تخرجوا على الحجاج، طيب ما للحجاج ويأتي النصارى واليهود الذين يحكمونكم؟ لماذا؟ لأنهم يحبون الفوضى بين المسلمين، فيتدخلون. وإذا حصلت الفوضى، وحصل مثل هذه الأمور، تجد أن هؤلاء يتربصون بالمسلمين، فيدخلون معهم. وإذا حصل مثلا العداء من الرعية للراعي، فتجد أعظم شيء أنهم يريدون إزالة الراعي، فكل من أيدهم، فهم معه، فكل من أيدهم، ولو كان كافرا. ولهذا تجد غالب هذه الثورات التي تكون في بلاد المسلمين، يدعمها الكفار، يدعمها الكفار، سواء كان باسم حقوق الإنسان، أو سواء كان بأسماء أخرى يبتكرونها، وإنما فقط لأجل أن يزعزعوا الأمن بين المسلمين، وأيضا يجعلونهم يقتلوا بعضهم بعضا. ثم بعد ذلك يتصرفون فيمن يعني يحكم بين الناس، لأنهم يمسكون زمام الأمور، فهم الذين يعينون الحاكم بعد ذلك، وهم الذين يحكمون الناس في العقل، ويكون هذا الحاكم الذي جعلوه تابعا لهم. وهذا الذي حصل في كثير من بلاد الإسلام، وغيرها. فنسأل الله عز وجل التوفيق والسداد والإعانة. والحمد لله رب العالمين.