الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح اعتقاد أهل السنة بأن لكل مخلوق أجلًا محددًا من الله، وأن الموت يأتي عند حلول الأجل بغض النظر عن السبب، مستندًا إلى الأدلة القرآنية. يُثبت ذلك ويُرد على المخالفين من المعتزلة.
يشرح أن الأجل محدد من الله ولا يمكن تغييره، ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يجيب عن إشكال في حديث أنس بأن الأجل ينقسم إلى أجل مطلق وأجل مقيد، وأن صلة الرحم قد تؤثر في الأجل المقيد.
يشرح أن صلة الرحم قد تؤدي إلى زيادة في الأجل المقيد، مع توضيح الفرق بين الأجل المطلق والأجل المقيد المكتوب عند الملائكة. يُفصّل أيضًا أن الأجل المطلق لا يعلمه إلا الله عز وجل.
يشير إلى أن الموت يدرك الإنسان أينما كان، مستشهدا بالآية الكريمة ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. يُعتبر هذا تذكيرا بقدرة الله وإرادته التي لا يمكن مقاومتها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام الصابوني رحمه الله: ويعتقدون ويشهدون أن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجل، وأن نفسًا لن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا، فإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس منه فوت. قال الله عز وجل: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، وقال: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا﴾. قالوا: يشهدون أن من مات وقتل فقد انقضى أجله المسمى له. قال الله عز وجل: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، وقال: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. فهذه المسألة مسألة الأجل، وأن الله عز وجل أجل لكل مخلوق أجل، وجاء وكتب الله عز وجل لكل مخلوق أجل يموت في ذلك الأجل، لا يستقدم، لا يتقدم عنه، ولا يتأخر. فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. فمع وضوح هذه المسألة، وأن لكل إنسان أجله، إذا جاء أجله فإنه يموت، سواء كان يموت قتلًا أو أنه يموت في فراشه، أو كذلك يموت لأجل يسقط في بئر أو يغرق في بحر أو يسقط على هدم، فكل ذلك هو أجله. كل ذلك هو أجله عند أهل السنة، وكذلك عند جماعة من المعتزلة والأشاعرة وغيرهم. مع وضوح هذه المسألة، إلا أن هناك من يخالف في هذه المسألة، فقال بعض المعتزلة: أن من قتل فإنه قطع أجله. يقولون: أن من قتل إن قطع أجله فإنه قد يكون أجله آخر، لكن لما قتل فالقاتل قطع أجل المقتل. وهذه بعض يقولها، وهذه خطأ، وأنه يقولون قطع أجله، فإنه فلان قطع أجل فلان. وهذه العبارة خطأ، فليس هناك أحد يقطع أجل إنسان، فأجله محدد عند الله عز وجل. وسواء مات بقتل أو بموت أو بهدم أو بغرق أو بغيره، فهو أجل أجله الله عز وجل. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، وقال: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا﴾، معنى قد كتب. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود، حدثنا الصادق المصدوق، قال: «فيأتيه الملك فيكتب أربع كلمات، فيكتب أربع كلمات: أجله وعمله وشقي أو سعيد». أولًا يكتب عمله وأجله، وكذلك أيضًا عمله وأجله وشقي أو سعيد. فهنا الأجل يكتبه الله عز وجل، يكتبه الله سبحانه وتعالى منذ أن يخلق العبد، فأجله مكتوب معه. لو قال قائل: ما الرد على الإشكال الذي جاء في حديث أنس في الصحيحين، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره فليصل رحمه». وجاء في لفظ في خارج الصحيح: «ويؤخر له في أجله وينسى له في أثره»، معناه يؤخر له في أجله. فكيف يؤخر في أجله وأجله مكتوب؟ فأجاب العلماء على هذا الأمر بأجوبة، وأفضل الأجوبة بما أجاب به شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فذكر أن الأجل على قسمين: أجل مطلق، وهذا لا يعلمه إلا الله، وأجل مقيد، وهذا الذي قد يعلمه بعض الملائكة الكتبة أو ملك الموت وغيره، عن الذين يكتبون أجال الناس، فعندهم مكتوب أن فلانًا أجله إلى كذا، فهذا أجله الذي هو مقيد. لكن أجله الحقيقي هو عند الله سبحانه وتعالى، فقد يكون أجله أقل من هذا، لكن بسبب صلة رحمه زاده الله عز وجل في أجله. زاده الله عز وجل في أجله، ولهذا علم بهذا الحديث، وكذلك بالتجربة غالبًا، إن الذين يصلون أرحامهم ويحسنون إلى أرحامهم غالبًا يعمرون، غالبًا يعمرون. ولكن هذا ليس دائمًا، فقد يموت الشخص وهو واصل لرحمه، يموت في أول شبابه، لأن هذا أجله المقيد. وأما الأجل المطلق فلا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. فبسبب قد يكون بسبب صلة الرحم زاد أجله، هذا الذي يجمع بين الأدلة على أن الأجل على نوعين: أجل عند الله عز وجل وهو الأجل المطلق، وأجل مقيد عند الملائكة، وهذا الذي يعرفه الملائكة. وأما الأجل المطلق وهو لا يعرفه إلا الله عز وجل، فقد فأما الملائكة فعندهم المكتوب هذا المؤجل المكتوب، وهذا المؤجل المكتوب هو بعد معنى علم الله عز وجل من العمل، فلهذا زاد في أجله أي فيما كتب، وليس معنى زاد في أجله أي على ما كتب له. وليس الزيادة هذه معنى في الأجل المكتوب هذا، وإنما قد كتب له الأجل على الزيادة قد كتب له الأجل على مع الزيادة التي زادها الله عز وجل له لأجل صلة رحمه. وهكذا يقال في الرزق، وهكذا يقال أيضًا في الرزق: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسى له في أثره فليصل رحمه». فخلاصة هذه المسألة أن أجال العباد عند الله سبحانه وتعالى وهي مكتوبة، وما أحد من الناس إلا وسيموت بأجله، لكن هذا الموت قد يكون قتلًا، قد يكون أيضًا من المجاهدين في سبيل الله يموت في سبيل الله، قد يموت غرقًا، قد يموت شنقًا، قد يموت بالهدم، فكل هذا الموت يحصل. فكما قال الله عز وجل: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، فإنا سواء كان خرجت إلى الجهاد أو جلست في بيتك أو ذهبت إلى مكان فترى أنه آمن، سيأتيك الموت أو سيأتيك أجلك مهما ذهبت. ولهذا قال: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. فهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.