الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح هذا الفصل عداوة الشيطان للإنسان منذ خلق آدم عليه السلام، وكيف أقسم الشيطان أن يغوي بني آدم. يحذر من مكر الشيطان ووسوسته للإنسان.
يتناول هذا الفصل وسوسة الشيطان لبني آدم وطرق الوقاية منها، مثل ذكر الله والتفل عن اليسار والتعوذ بالله من الشيطان.
يفصل هذا الفصل ضعف كيد الشيطان و سلطانه على الناس، مشيراً إلى أن سلطانه على الذين يتولونه بينما لا سلطان له على المؤمنين المتوكلين على الله.
يختتم هذا الفصل بالتأكيد على اكتفاء المؤلف بما ذكر، مع الإشارة إلى أن الله تعالى أعلم بكل شيء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال العلامة أبو عثمان الصابوني رحمه الله في كتاب عقيدة السلف: قالوا يعتقدون أن الله سبحانه خلق الشياطين يوسوسون للآدميين ويقصدون استنزالهم ويترصدون لهم. قال الله عز وجل: ﴿وإن الشياطين لا يوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾. وهذه المسألة هي -لا شك- من الاعتقادات التي يعتقدها المسلم، وأن الله عز وجل قد قررها في كتابه سبحانه وتعالى، وهو أن الشيطان عدو للإنسان، وعداوته هذه أعلنها لرب العالمين سبحانه وتعالى، بل وأقسم بالله أنه يكون عدوا للإنسان وأنه سيعترض الإنسان في طريقه. قال: ﴿وَلَا آتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ثُمَّ لَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. فأعلن العداوى للإنسان منذ أن خلقه الله عز وجل، أي خلق آدم عليه السلام، واستكبر الشيطان أن يسجد لآدم كما أمره الله عز وجل. بل لم يكتفي بهذا، لما طرده الله عز وجل قال: ﴿وَعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾. فجاهر بالعداوى لبني آدم. وذكر ربنا جل وعلا أن الشيطان لما طرده الله عز وجل وتوعده بالنار وعلم يقينا أنه من أهل النار، استشاط غضبا وأيضا أخذ هو الحقد والحسد لبني آدم. ولهذا كان أعظم مطلبا له: أنه يجعل بني آدم أو آدم وبنيه يجعلهم من أتباعه، وأيضا يجعلهم من معه في النار. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾. يدعو حزبه، أي من يتحزب معه ومن يجتمع معه، يدعوهم إلى ماذا؟ إلى عذاب السعير. فلهذا يحذر الإنسان من مكر الشيطان وعداوته، ومن ابتلائه لبني آدم. جعل هذا الشيطان له طرقا في غواياتهم، ومن ذلك الوسوسة. من ذلك أنه يوسوس لبني آدم، يوسوس له أن يصرف عن الحق كما وسوس لآدم عليه السلام: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور﴾. فلهذا فهو كما قال الله عز وجل: ﴿ووسوس له الشيطان وقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾. فلهذا فوسوسة الشيطان قديمة لأبينا آدم، وكذلك هو جعلها الله عز وجل لبنيه أيضا: أنه يوسوس لبني آدم. لهذا قال الله عز وجل: ﴿قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس﴾. سماه الله عز وجل وسوس، يوسوس أي يغري بني آدم ويغويهم، وأيضا يبعدهم عن الله. لكن إذا ذكر الله عز وجل، إذا ذكر الإنسان ربه جل وعلا خنس واختفى. فلهذا فالشيطان إنما مع الغافل، فإن غفل العبد وسوس له الشيطان. ولهذا لم يترك الشيطان وسوسته حتى في الصلاة، حتى في الصلاة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أذن المؤذن هرب الشيطان وله ضراط، ثم يأتي، ثم إذا أقيمت هرب، ثم إذا انتهى جاء لبني آدم يوسوس لهم في الصلاة». قال: «ويأتي إلى مقاعدهم حتى يشككهم في صلاتهم». شككهم في صلاتهم. وجاء في صحيح مسلم مع عثمان بن أبي العاص الثقفي أنه قال: «يا رسول الله، إن الشيطان قد لبس علي صلاتي». أو كما قال. فقال: «ذلك الشيطان يقال له خنزب، فإذا أحسست بذلك فالتفت عن يسارك وتفل ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثلاثا». وغيرها من الأحاديث والآيات التي جاءت في وسوسة الشيطان لبني آدم. قال: وأن الله تعالى يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء. فهم لهم كيد ومكر وخطوات وأشياء كثيرة ذكرها ربنا جل وعلا يستعملها هؤلاء الشياطين ليغووا بني آدم. وأيضا لهم طرق جعلها الله عز وجل ابتلاء لبني آدم، فمن تابعهم فيها أغووه وصار منهم، ومن خرج وابتعد منهم ولم يطعهم فإنه يكون من أهل الإيمان وأهل الفلاح. وربنا جل وعلا قد حذر عباد الله من أن يتبعوا الشيطان ويعبدوه. وقال جل وعلا: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾. أي هذا الشيطان، فإنه أضل أناسا كثيرين، لكن من عصمه الله عز وجل وعبد الله فإنه ينجو. وكيد الشيطان ضعيف، فإذا اشتد الإنسان وأيضا التجأ إلى الله فإن الشيطان يخنس ويبتعد لأن كيده ضعيف. قال: وقال: ﴿ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء﴾. قال الله عز وجل: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا﴾. فهذا أيضا يبين ربنا جل وعلا أنه أيضا يأتي بصوته. قال بعض السلف: أن صوت الشيطان هو الغناء. ﴿وأجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾، أي بكل ما تقدر عليه. أن هذه عبارة تستعمل على أن الإنسان يأتي بكل ما يقدر عليه في إغوائهم. ﴿وأجلب عليهم بخيلك ورجلك﴾، حالا سواء كان بجرك بالخيل أو بالرجل. والمراد كما قلنا كما قال العلماء: أنه يأتي بكل ما معه من طرق حتى يغوي بني آدم. ﴿وشاركهم في الأموال والأولاد﴾، وهذا ابتلاء من الله عز وجل. ﴿وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا﴾. وقال جل وعلا: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مؤمنون﴾. فهؤلاء الذين يسيطر عليهم الشيطان. وأما عباد الله عز وجل الذين لجأوا إلى الله واعتصموا بالله جل وعلا وأخلصوا دينهم لله، فهم لا يستطيع الشيطان إغواءهم، بل لا يستطيع أن يوسوس لهم لأنهم التجأوا واعتصموا بالله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر، والمراد أن هذا من اعتقاد أيضا أهل السنة، خلافا لمن أنكر الجن والشياطين، وإنما مثل المعتزلة ينكرون الجن. كذلك بعض أيضا المستشرقين أو أقصد العقلانيين في هذا العصر ينكرون أيضا الجن. وقد ذكرهم الله عز وجل وأنهم أعوان الشياطين، وأن منهم أيضا من أهل الإيمان وغيرهم. وهذا لا ينكره إلا رجل كافر، أي وجود الجن. وأما مسألة دخولهم إلى أو دخولهم في جسد بني آدم، فهذا قول أكثر العلماء على أنها جائزة. وقد عرف بالدليل والواقع كما قال الله عز وجل في آكل الربا: ﴿لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾. فهذا شيء مما يذكر بهذا المقام، فنكتفي به. والله تعالى أعلم.