الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أسماء الله تعالى هي أعلام وأوصاف تدل على الذات والمعاني، وهي مترادفة باعتبار دلالتها على المسمى الواحد ومتباينة باعتبار دلالتها على المعاني الخاصة. كل اسم يدل على صفة من صفات الله عز وجل.
الصفات الإلهية تُقسم إلى صفات معنوية وذاتية وفعلية وتنزيهية، والنفي في الصفات الإلهية يدل على كمال الضد. بعض الأسماء الإلهية تدل على جملة أوصاف متعددة.
شبهات المعتزلة والأشاعرة حول إثبات صفات الله باطلة، وإثبات الصفات لا يستلزم تعدد القدماء أو التجسيم أو التشبيه. كما أن الشبهة القائلة بمخالفة إثبات الصفات للعقل متهافتة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، السلام علي رسول الله وآله وصحبه، ومن والاهم، بعد قال الشيخ المعتمير رحمه الله: القاعدة الثانية، أسماء الله تعالى أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني. وهي بالاعتبار الأول مترادفة، لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله عز وجل، وبالاعتبار الثاني متباينة، لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص. فالحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم، كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، لكن معنى الحي غير معنى العليم، وغير معنى القدير، وهكذا. فهذه القاعدة المراد بها أن كل اسم من أسماء الله عز وجل يدل على صفة من صفاته. أن الأسماء أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف، أي كل اسم يدل على صفة من صفاته أو أكثر. وهذا يدل على أن أسماء الله عز وجل مشتقة. وهذا الذي عليه أكثر أهل السنة، فهي مشتقة من معاني. ومن ذلك أن هذه الأسماء تشتق منها الصفات، أي من معانيها. ومما يدل على هذا، أي على أن الأسماء تتضمن صفات، أن الله عز وجل ذكر أسماءه سبحانه وتعالى، ووصفها بأنها حسنة. ومعنى حسنة، أي تدل على معاني حسنة، أن فيها هذا الحسن العظيم، أو غاية الحسن. وأيضا تدل على صفات حسنة، ما دامت أنها تدل على معاني. فالمعاني تشتق، وأما الأسماء الجامدة التي لا معاني لها، فليست بحسنة، وليست تشتق. فلهذا فقوله: «ولله الأسماء الحسنة»، فما ستكون حسنة إلا إذا كانت لها معاني عظيمة. وهذا لا شك فيه. فلهذا فكل اسم من أسماء الله عز وجل يتضمن صفة من صفاته أو أكثر. فقوله جل وعلا: «ولله الأسماء الحسنة فادعوه بها»، فقوله: «أسماء حسنة»، معنى أن لها معاني مشتقة، فتشتق منها الصفات. وهذا الذي ذكره الجماعة من هذا العلم، على أن الأسماء تشتق من الصفات، لأنها أسماء حسنة. هذا دليل على أن الصفات تشتق من الأسماء، كما ذكر ذلك الشيخ الإسلام ابن تيمية في بعض كتبه. الأمر الثاني أيضا مما يدل على هذا، وهو ما ذكره هنا المصنف، عندما قال: «وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها». فإن الإنسان هو يقرأ أسماء الله في القرآن، يقرأ أيضا صفات الله عز وجل مطابقة لهذه الأسماء. مثل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، ونقرأ أيضا أن الله خالق كل شيء، فهو خالق ويخلق، ورازق ويرزق، وأيضا محي ويحي، ومميت ويميت. فكل اسم من أسماء الله عز وجل له صفات تدل عليه. فمثلا أيضا الغفور، وهو الغفور الرحيم، الغفور يدل على صفة المغفرة. وإلا لكانت أسماء الله عز وجل كأسماء المخلوقين، إذا لم تدل على الصفات، ستكون مثل أسماء المخلوقين، إنها أعلام مجردة، صفات المخلوقين أعلام مجردة لا تشتق منها صفات. فلهذا فهذه الصفات أو أسماء المخلوقات إنما هي أسماء جامدة لا تدل على معانيها. وأما أسماء الله عز وجل فهي أعلام وأوصاف. وهكذا في كل الأسماء، فاسم الله عز وجل القوي يدل على أنه صفة القوة، والعزيز يدل على صفة العزة، وغيرها من الأسماء التي تدل عليها هذه الصفات. كذلك العلم، وكذلك غيرها من هذه معاني. قص على هذا أسماء الله عز وجل، فإنها كلها مشتقة لها صفات. فهذا كله يدل على ما ذكرناه، أو ذكره المؤلف رحمه الله، أن كل اسم من أسماء الله عز وجل يتضمن صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. وأيضا ذكر بعض العلماء كالشيخ الإسلام وغيره، أن أيضا مما يدل على أن أسماء الله عز وجل لها صفات، أيضا إجماع أهل اللغة والعرف، أنه لا يطلق عليم إلا لمن له علم. وكذلك أهل العرف، أن ما يطلق يقال عليم إلا لمن له علم، ولا يطلق قدير إلا لمن له قدرة، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر، وغيرها من هذه الأسماء التي تدل على الصفات. وهذا أيضا لعله من أوضح الأدلة كذلك. وأيضا يقال أن هذا الأمر واضح لا يحتاج إلى دليل. وأيضا ما ذكرناه أن أسماء المخلوقات أعلام مجردة، ليس فيها شيء من الصفات. وهذه الصفات التي تتضمنها هذه الأسماء هي أنواع. أن هذه الصفات التي تتضمنها هذه الأسماء هي أنواع صفات معنوية، وصفات أيضا ذاتية. صفات معنوية هي التي لها معاني، مثل مثلا العلم، أو العليم، القدير، السميع، يأخذ منها صفة القدرة، وصفة السمع، وصفة العلم، وهكذا. وأيضا من هذه الأنواع ما يرجع إلى أفعال الله سبحانه وتعالى، ما يرجع إلى أفعال الله سبحانه وتعالى، مثلا اسم الله عز وجل الخالق، يدل على صفة الخلق، الخالق يدل على صفة الخلق. وكذلك أيضا اسم الرازق، يدل على صفة الرزق. وهذه صفة الرزق يتضمن منها فعل، وهو فعل الرزق، وهو خالق يخلق، ورازق يرزق. فهذه تسمى أسماء صفات الأفعال، صفات الأفعال. ومن باب تقسيم الصفات، سيأتي إن شاء الله وتعالى الكلام عليه، أن الصفات إما أن تكون صفات ذاتية أو فعلية. وغالبا الصفات الفعلية لها معاني، وأما الصفات الذاتية منها ما لها معاني، ومنها ما ليس لها معاني. كذلك أيضا من الصفات التي تشتق من أسماء الله عز وجل، أيضا صفات ترجع إلى التنزيه والتقديس، التنزيه الله عز وجل، والتقديس الله عز وجل، أي التقديس المحض. وهناك من القواعد التي ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية، أن كل ما دل أو كل اسم دل على تنزيه في أسماء الله عز وجل أو في صفاته، كل ما دل على التنزيه في أسماء الله عز وجل أو صفاته، فهو يدل على كمال ضده. معنى بمعنى آخر، أن الصفات المنفية أو يسمونها السلبية، هذه الصفات، فالشرع لا ينفيها مجرد نفيها فقط، وإنما ينفيها لأجل أن يدلل على كمال الضد، كمال الضد. ومعنى ذلك مثلا صفة العجز، صفة العجز صفة منفية. وهذه الصفة ليست فقط أنها منفية، بل إنما تدل على كمال قدرة الله عز وجل، كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، أن قدرته لا يلحقها عجز، لا يلحقها عجز أبدا. فهي كمال، ولهذا تجد أن هناك فرق بين مذهب أهل السنة ومذهب أهل البدع في نفي الصفات. فنفي الصفات عند أهل البدع نفي محض، ولهذا يقولون الله ليس بخالق، أو يقولون الله عز وجل ليس بداخل العالم، ولا بخارجه، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بكذا. تجد يسلط صفحات في نفي الصفات، وهذا نفي محض، والنفي المحض ليس كمال، النفي المحض ليس فيه شيء من الكمال. أنا لو قيل لإنسان، أو لي كما جاء كما ذكر شخص الإسلام، لو قيل لي ملك، أو ملك، قيل له دخل عنده رجل، ويقول له: يا ملك، أو يا أمير، أو يا حاكم، أنت لست فعلا بفراش، ولست أنت بكناس، ولست بطباخ. معنا هل هذا مدح؟ هل هذا الثناء يثنى على أمير أو على ملك؟ لا شك أنه سيطرد هذا الرجل، فهذا يعتبر ذم وليس مدح. فلهذا فالنفي المحض يعتبر ذم أصلا وليس كمالا، إنما الكمال إذا نفى وأراد أن يثبت كمال الضد، إذا نفى أراد أن يثبت كمال الضد. ولهذا كما قلنا أن صفات الله عز وجل التنزيهية، والتي أو السلبية أو المنفية، إنما تدل على كمال الضد. فالعجز يدل على القدرة، كمال القدرة، والنوم وعدم النوم، وعدم السنة، يدل على أيضا كمال قيومته سبحانه وتعالى، وهكذا. وهناك أيضا نوع من أنواع الصفات، وهو نوع رابع، هو ما يدل على جملة أوصاف متعددة، يدل على جملة أوصاف متعددة، ليس له معنى واحد فقط. فمثلا اسم الله عز وجل العظيم، العظيم في كل شيء، والعظيم في خلقه، العظيم في أمره، أيضا المجيد والصمد، هذه أسماء تتولد منها صفات كثيرة. معنى الآن مثلا كما قلنا العظيم، العظيم في أمره، والعظيم في خلقه سبحانه وتعالى، والعظيم كذلك في كل شيء. فهذه معنى أنها أن بعض الأسماء يدل على صفات أكثر، تدل على الصفات أكثر. وسيأتي إن شاء الله أيضا كذلك، أن الأسماء تدل أيضا بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام، بالمطابقة وبالتضمن والالتزام. ثم قال المصنف رحمه الله: «وإنما قلنا بأنها أعلام أوصاف لدلالة القرآن عليه، كما في قول تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة». والإجماع أهل اللغة والعرف، أنه لا يقال عليم إلا لمن له علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر. وهذا أمر أبينا من أن يحتاج إلى دليل. وهذا قد ذكرناه قبل. وتجد أن المعتزلة الذين عطلوا أسماء الله عز وجل عن صفاته، فجعلوها أسماء مجرد أسماء أعلام دون أوصاف. فلهذا تجد يقولون سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وهكذا عليم بلا علم، فيجعلون أسماء لله عز وجل، ولكن لا يجعلون صفات، فيجردون هذه الأسماء عن معانيها. ولهذا يقولون أن أسماء الله عز وجل لا تشتق، أسماء الله عز وجل جامدة ليست لها معاني مشتقة منها. وهذا كلام باطل، ويرد عليه ما ذكرناه. وهذه شبهة التي ذكر الشيخ، قوله: «وعلل ذلك بأن ثبوت الصفات استلزم تعدد القدماء»، وهذه العلة علة عليلة، بل ميتة، بدلالة السمع والعقل على بطلانها. فنحتج قالوا أن إثبات الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهؤلاء الذين نفوا أسماء الصفات من المعتزلة والأشاعرة، احتجوا بأربع حجج. وهذه الحجج تجدها في كتبهم، وهذه الحجج كلها حجج واهية. وكما قال الخطاب، نقلا عن غيره: «حجج تهافت كالزجاج، وكل كاسر مقصور». هذا الحجج واهية تنكسر بسرعة. فقالوا أن إثبات الصفات استلزم التجسيم، إذا قلنا أن الله عز وجل له صفات، فمعنى ذلك أنه جسم، أنه له جسم. فقالوا: نحن ما نرى في المشاهد، في الذي نشاهده، ما من شيء له صفات إلا وهو جسم. وهذا كلام باطل، فهذا الشتاء شتاء بارد، صيف حار، صيف مثلا ليل طويل، ليل مضرم، هذه كلها أشياء ليست أجسام، هذه أشياء معنوية ولها صفات. فهل معنى أن إذا كان لها الصفات تكون أجسام؟ هذا كلام باطل يبطله الشرع واللغة. كذلك أيضا قالوا أن إثبات الصفات استلزم التشبيه، إذا أثبتنا الصفات لله عز وجل، فمعنى ذلك أننا شبهنا الله عز وجل بخلقه. وهذا كلام أيضا باطل. فليس ذكر الصفة أو اسم الصفة نفسها يكون تشبيه. ولهذا استدل بعض أهل السنة على المعتزلة وعلى الجهمية بصفة الوجود، قالوا: كيف أنتم تنفون الصفات؟ طيب صفة الوجود صفة لله عز وجل، فكيف تنفونها؟ قالوا: لا نحن ما ننفي صفة الوجود، هذه صفة لازمة، إذا كانت صفة لازمة، فهذه صفة أيضا موجودة في الخلق. فلماذا أنتم لم تثبتوا صفة الرحمة، صفة الخلق، صفة كذا، لماذا لم تثبتوها لله عز وجل؟ لأنها لابد أن تكون، فلماذا قلتم مثلا أن هذا موجود في الإنسان؟ طيب الوجود أيضا موجود في الإنسان. ولهذا بعض الفلاسفة لما جاءتهم هذه الشبهة أو هذه الحجة، قالوا: لا موجود ولا معدوم، أن الله عز وجل لا موجود ولا معدوم، جمعوا بين النقيضين. قالوا: هو مثل الجدار لا موجود ولا معدوم. وهذا كلام باطل، أنا مثل الجمادات. فأيضا من الشبه التي ذكروها أنهم قالوا أن إثبات الصفات استلزم تعدد القدماء. وهذا التي ذكرها المؤلف رحمه الله، إثبات الصفات استلزم تعدد القدماء، معنى تعدد القدماء، يتعدد العالية. أنا إذا قلنا أن الله عز وجل له الخلق، له الرزق، له العلم، له صفة العزة والقوة، هذه صفات كثيرة تدل على أن هناك آلهة أخرى. وهذا كلام مجانين، هذا كلام بعيد جدا من الشرع واللغة. الله عز وجل مثلا ذكر رجلا واحدا، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾. هذه كلها صفات في رجل واحد، وهو مخلوق. ذكر الله عز وجل الصفات هذه. وأيضا كذلك في اللغة يطلق على الرجل بالصفات كثيرة، أنه يصفه أنه كذا وكذا، يفعل كذا ويفعل كذا، ويفعل كذا، وهو في رجل واحد، هذا في المخلوق، فكيف بالخالق سبحانه وتعالى؟ فقولهم أن تعدد الصفات استلزم تعدد القدماء، قول باطل. وأيضا هناك حجة أو أقصد شبهة يقولون بها، وهي شبهة أيضا متهافتة، يقولون أن إثبات الصفات يخالف العقل.