الدرس في قصة إبراهيم عليه السلام 4، حوار إبراهيم - عليه السلام - لأبيه . الاختلاف في اسم والد نبي الله إبراهيم . هجرة إبراهيم لأبيه وقومه . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
دعا إبراهيم عليه السلام أباه باستخدام الترغيب والترهيب، لكن أباه لم يستجب وهدده بالقتل، فاعتزل إبراهيم أباه واستغفر له. اختلف العلماء في اسم والد إبراهيم.
اختلف العلماء في اسم والد إبراهيم بين تارح وآزر، واستدلوا بالقرآن والسنة، بينما ذهب بعضهم إلى احتمال وجود اسمان. أعلن إبراهيم هجرته الأولى بعد توفر أركانها.
هاجر إبراهيم من العراق إلى الشام واستقر في حران ومعه لوط عليه السلام، ونجاهما الله إلى الأرض المباركة. كانت هذه الهجرة نتيجة لعدم استجابة قومه لدعوته.
اختتم الشيخ الدرس مؤجلاً الحديث عن الشخصية الثانية إلى درس قادم، وختم بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ذكرنا إخواني في الله من الحوادث العظيمة، بل هي أولى الحوادث التي ذكرناها في حياة إبراهيم عليه السلام، ما يتعلق بقضية إحراقه بالنار. ذكرنا تداعيات، أو أولًا ما يتعلق بهذه النار وما يتعلق بصورها وأشكالها إلى آخر ما تناقله المفسرون. ثم كان من تداعيات هذه القصة أن ولدت لنا قصة أخرى، وهي قصة النمرود، على ما يذكره جماعة من العلماء أن قصة النمرود إنما جاءت على إثر واقعة إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار. ذكرنا في قصة أمس ما جرى من الحوار والمناظرة مع نمرود، مع ذكر بعض الفوائد من هذه التداعيات التي نذكرها. أن إبراهيم عليه السلام رجع إلى قومه وأخذ يشتغل بما كان عليه من الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، وكان قد كرس دعوته في دعوة أبيه، كان حريصًا جدًا لأنه من أقرب الناس إليه وحقه أعظم، فكانت الحاجة ماسة في أنه يعتني به. وقد ذكر لنا القرآن شيئًا من هذه الأساليب الدعوية التي اتخذها إبراهيم عليه السلام مع أبيه، ومن ذلك ما كان من نصحه أن قال له: ﴿يا أبتي لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا﴾، ﴿يا أبتي إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا﴾. تأمل إلى هذا الحوار الجميل، أتى من هذا النبي بعدة طرق بالترغيب والترهيب والتخويف والتشويق، عل وعسى أن أباه يلين، لكن كيف كانت الاستجابة؟ لا شيء، بل استمر أبوه على ما هو عليه، قال: ﴿أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك﴾. من باب الفائدة، يقول علماء اللغة أن كلمة الرجم إذا جاءت في القرآن تأتي بمعنى القتل، هذا هو الغالب. فقوله: ﴿لأرجمنك﴾ أي لأقتلنك، بمعنى أنه إذا كان الناس لم يستطيعوا على قتلك ولا على إحراقك، أنا سأقتلك بنفسي. تخيل إلى جرأة هذا الأب، كيف أنه أغلق أبواب الرحمة، ليس فقط يتبرأ، بل يتبنى مسألة القتل، قال: ﴿لأرجمنك﴾، ﴿وهجرني مليًا﴾، أي: لا تبقى عندي، لا تساكنني. طيب، أمام هذا، ما كان من إبراهيم إلا الاعتزال، قال: ﴿سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيًا وأعتزلכם﴾. هنا تأتي المسألة الثانية، وهي مسألة الهجرة. قبل الانتقال، إخواني في الله، إلى مسألة الهجرة، وهي الموضوع الثاني، نبقى قليلًا مع هذا الأب، مع والد إبراهيم عليه السلام، في مسألة أذكرها لأن العلماء تذاكروها، فمن باب الفائدة والإشارة، ما يتعلق باسم أبي إبراهيم. اسم والد إبراهيم، ما هو الذي عليه الكثير من العلماء؟ أن اسمه تارح بالحاء المهملة، أو تارخ بالخاء المعجمة، تارح أو تارخ. وقد يتفاجأ البعض من هذه التسمية، لكن سيزداد عجبك إذا علمت أن من أهل العلم من ادعى الإجماع من ذكر الإجماع على أن اسم أبيه هو هذا الاسم، تارح أو تارخ، كما نقل هذا الإجماع الإمام الزجاج رحمه الله تعالى. قال: ولا خلاف بين النسابين في اسم أبي إبراهيم تارح، لا خلاف، أي: هذا متفق عليه. الإمام القرطبي رحمه الله تعالى نازع في هذا الإجماع المدعى، وحق أن ينازع، لأن هذا إجماع فيه خلاف، وذكر أنها كخلاف حاصل في اسم أبي إبراهيم. ولهذا ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره ذكر أن هذه التسمية هو قول جمهور، نعم، قول كثير من أهل العلم على أن اسم والد إبراهيم تارح أو تارخ. طبعًا، تارخ هذا على اللغة الأعجمية، لأنه ما عندهم حاء، عندهم خاء، فهو تارح عند لغتنا العربية، وتارخ عند أهل الكتاب. وهذا القول تبناه كثير أيضًا من أئمتنا من سلفنا، صح هذا عن ابن عباس، وصح عن مجاهد، وصح عن كثير. والناظر إلى هذه التسمية ما يجد أن لها استدلالًا لا من القرآن ولا من السنة، وإنما جل من استدلال إليه من تبنى هذا القول، أن هذا عند أهل النسب والنسابين، وعند أهل الكتاب، هذا مؤرخ مصطر في كتبهم، في التوراة وفي الإنجيل، وما كان من هذه الكتب عند أيديهم. أشكل هذا عليهم مثلًا في قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لآزَر أبيه﴾، كيف تقولون تارح؟ قالوا: لا، آزر هذا له معنى آخر. ومن هنا ذهب جمهور العلماء إلى استخراج أن آزر جاء به لأمر آخر، ليس اسم والد إبراهيم. منهم من قال: أن آزر هو لقب، لقب اسمه تارح، لقبه آزر، هذا قالوا: هذا أشهر قول، وهذا أشهر مخرج. القول الثاني، قالوا: أن آزر هو اسم الصنم، ليس اسم أبيه، وإنما اسم الصنم الذي يعبده والده، وإنما كان من شدة تعلق والده بهذا الصنم آزر، سمي الوالد باسم الصنم، هذا المخرج الثاني. المخرج الثالث، منهم من قال: أن آزر في لغتهم السريانية بمعنى السب والعيب، بمعنى آزر: يا من عوج، يا من خرجت عن الجادة، يا من انحرفت عن الصراط المستقيم، إذن آزر وصف، ليس اسمًا. هذه المخرجات الثلاثة أكثر العلماء استدلوا بها على استبعاد كلمة آزر أنها ليست اسمًا لوالد إبراهيم، وإنما الاسم الحقيقي هو الذي تعارف عليه أهل النسابة وأهل الكتاب، تارح. وكما كان من اسم تارح هذا القول الأول، القول الثاني، قول جماعة من العلماء من المحققين، قالوا: لا تقول لنا تارح ولا تارخ، من أين جئتم بهذا؟ نبقى على القرآن، آزر، آزر، فإنه اسم أبي إبراهيم بظاهر القرآن. وأيضًا بصحيح السنة، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم التقى بأبيه آزر يوم القيامة، بأبيه آزر، هذا من فمه عليه الصلاة والسلام. فظاهر القرآن، وظاهر السنة، يدل على أن آزر هو اسم والد إبراهيم، ليس بتارح. وأما ما اشتهر عند النسابين واشتهر عند أهل الكتاب، فهذا ما يعول عليه، وخاصة إذا صادم مثل هذه النصوص الظاهرة، فهذا القول الوجيه، وهو الذي عليه جماعة من المحققين، أن آزر هو اسم والد إبراهيم. مع احتمالية لقول آخر، وهو مخرج للجميع، وهذا المخرج ذكره الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره، وهو أنه لا يستبعد أن يكون لوالده اسمان، اسمه تارح، واسمه آزر، مثل من؟ قالوا: مثل نبي الله يعقوب، اسمه يعقوب، واسمه إسرائيل، كما سيأتي معنا في سيرة إسرائيل عليه السلام، إسرائيل ويعقوب كلاهما لشخص واحد. الشاهد أن هذا الأب، وهو أبو إبراهيم، في الحقيقة أن اسمه آزر، ولا يستبعد أن يكون اسم آخر وهو تارح، حتى تتوافق الآراء التي جاءت عن أهل الكتاب ومع من نصرها من علمائنا ومن سلفنا الصالح. الشاهد أن هذا الأب قال: ﴿أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك وهجرني مليًا﴾، توعده بالقتل. حينها عند إبراهيم عليه السلام أركان الهجرة قد توفرت بالنسبة إليه، وصل مع قومه إلى باب مسدود، ها هم قومه أججوا النار، بل أحرقوه، وأرادوا التخلص منه، وهذا أبوه يطلب منه الخروج والانصياع، والذي سيقتله، فحينها أعلن إبراهيم عليه السلام الهجرة، وقال: ﴿إني مهاجر إلى ربي﴾. ذكرنا في دروس خلت إشارات، وسنشير لهذه الإشارات، أن إبراهيم عليه السلام كان يكثر من التنقلات، هنا نبدأ بالهجرة الأولى، أين هاجر إبراهيم؟ الهجرة الأولى هاجر من بلده، من أرض بابل، من أرض العراق، وتوجه شمالًا إلى جهة الشام، إلى جهة الشام، أعني بها فلسطين، أردن، سوريا، لبنان، هذه بلاد الشام. هنا كانت وجهة إبراهيم عليه السلام إلى هذه الجهة توجه إليها، طبعًا هذه الرقعة الجغرافية الواسعة، تحديدًا إذا أردنا أن نحدد أين بالضبط ذهب إبراهيم، قال العلماء: ذهب إلى بلاد في سوريا يقال لها حران، يقال لها حران، يعني قدرت كما في التقادير، من أرض العراق إلى هذه المنطقة ألف وثمانمائة كيلو مسافة، ألف وثمانمائة كيلو انتقل وهاجر إبراهيم من بلده. الله أعلم، كما سألنا أو سألنا على أن من عدن مثلًا إلى الغيظة ألف كيلو على ما أسمع، هذه أبعد، ألف وثمانمائة كيلو انتقل إليها إبراهيم عليه السلام مهاجرا حتى وصل إلى هذه البلاد، بلاد حران، واستقر فيها فترة هناك، أقام دعوة، وسأتي معنا، لا أدخل في هذا الموضوع، لكن أقف إلى مسألة أنت أختم بها المجلس، هاجر إبراهيم عليه السلام مع من؟ المقام يحتاج إلى أن نتكلم عن شخصيتين، لكن سأتكلم عن شخص واحد، هذا الذي يهمني في هذا المقام، وهو لوط عليه السلام. قد يقول القارئ: وما أتى بلوط ونحن نتكلم عن إبراهيم؟ لا، يا عبد الله، انتبه، انتبه، قصة لوط من خضم أحداث إبراهيم عليه السلام، لأنه قد عاصره، ليست معاصرة فقط، بل قال ربنا: ﴿فآمن له لوط﴾، لوط عليه السلام كان متواجدًا، لا أقول في عصر إبراهيم، بل في زمن إبراهيم، وفي بلد إبراهيم، في العراق. وأزيدك من الشعر بيت، كما يقال: أن لوط يعتبر كما عدّه العلماء أول من آمن بإبراهيم عليه السلام. ومن باب الفائدة أيضًا، على أن هناك وجه قرابة بين لوط وبين إبراهيم، ما وجه القرابة؟ لوط يعتبر ابن أخي إبراهيم، بمعنى أن لوط يقول لإبراهيم: عمي، هذا عمي إبراهيم. حاول أن تتصور هذا الموقف، من هو لوط عليه السلام؟ فأحداث لوط، أحداث لوط ستدخل معنا في قصة إبراهيم، لكن نحاول أن أهم الأحداث للوط نجعلها في قصة منفصلة عنها. لكن هنا الأحداث لا بد أن نجمعها، فإبراهيم عليه السلام عندما هاجر كان معه لوط عليه السلام، فلوط أولًا أول من آمن، لوط عليه السلام من قرابته، فهو ابن أخي إبراهيم، فإبراهيم يعد عمه، فآمن به، متى آمن به؟ على قول كثير من العلماء، بعد مسألة إلقاء إبراهيم في النار. كما قلنا: مسألة إلقاء إبراهيم في النار هي ولدت حوادث من بعدها، هي أول حادثة لإبراهيم، ثم تتابعت الأحداث. آمن كما قال جماعة من المفسرين، القرطبي، الشوكاني، أكثر من واحد، قالوا: أن إيمان لوط بإبراهيم بعد إلقاء إبراهيم في النار. هل معنى هذا أن لوط عليه السلام قبل مسألة إلقاء إبراهيم في النار كان على الشرك ثم آمن؟ هذه مسألة أشكلت، ولهذا يسمونها من المسائل المشكلة، والذي عليه جمهور أهل السنة على أن الأنبياء عصموا من الشرك، وعلى هذه القصة صرح الكثير منهم. صرح الكثير من المفسرين عند قول: ﴿فآمن له لوط﴾، على أن لوط كان قبل مسألة إلقاء إبراهيم في النار كان موحدًا، ما كان على الشرك، لأنه ينزهون الأنبياء، يقولون: عصموا من الشرك، ولو قبل البعثة عصموا، فكان لوط على التوحيد، لكن بعد مسألة إلقاء النار صدق بكل ما يأتي به إبراهيم، فآمن له لوط. حينها أخذ لوط بيد عمه، وانصرفا جميعًا إلى أرض الشام، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ونجيناه ولوطًا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين﴾، أين نجاهم الله؟ إلى أرض الشام، كما تحديدًا إلى منطقة حران. وهناك الشخصية الثانية أرجيء الكلام عنها بإذن الله في درس قادم، إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.