التعليق على نظم الورقات 31

الدرس في التعليق على نظم الورقات 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الاستثناء وأحكامه العامة

يتناول تعريف الاستثناء في اللغة والاصطلاح، ويشرح شروطه وأحكامه، ويبين أن الاستثناء يكون بإلا أو إحدى أخواتها. يجب أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.

شروط صحة الاستثناء عند الأصوليين

يشترط لصحة الاستثناء ألا يكون المستثنى منفصلًا عن المستثنى منه، وأن يكون من متكلم واحد، وألا يكون مستغرقًا لما قبله. يختلف العلماء في تحديد ضابط الانفصال الطويل.

تفاصيل شروط صحة الاستثناء والشهادة

يتناول شروط صحة الاستثناء في الكلام، مثل عدم استغراق المستثنى للمستثنى منه، والنطق بالاستثناء مع إسماع من بقربه. كما يتحدث عن شروط صحة الشهادة، مثل سماع الشاهد ما يشهد به ونطقه وإسماعه لغيره.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فأخذنا درسًا الذي مضى، أنواع الخاص، وأنه منفصل ومتصل. وذكرنا المنفصل، وأكثر الكلام كان على المتصل؛ لأنه أكثر تفرعًا. والمتصل قلنا: خمسة أشياء: إيش، وإش شرط، أدل بعض، والكل، والاستثناء، والوصف التقييدي -لا الوصف- هذا شرط. شرط الغاية، الغاية، وهي أيضًا داخلة في الوصف، معنى بعضهم يدخلها، وبعضهم يجعلها الآن سيذكر الاستثناء. فقال الناظم رحمه الله: «وحد الاستثناء ما به خرج من الكلام بعض ما فيه اندرج، وشرطه أن لا يرى منفصلًا، ولم يكن مستغرقًا لما خلا، ونطق مع إسماع من بقربه، وقصده من قبل نطقه به. والعقل فيه أن مستثناه من جنسه، وجاز من سواه». طيب، هذا الاستثناء من المخصص المتصل. وهنا المؤلف لم يذكر القسمة كلها، وإنما ذكر ثلاثة تبعًا للأصل، ذكر الشرط والصفة، ثم شرع في بيان ما يتعلق بالثالث، وهو الاستثناء، وفصل في الاستثناء كثيرًا؛ لأن فيه شروطًا ليست في غيره. أن الاستثناء له شروط، ليس كل استثناء يعتبر من التخصيص. وأيضًا ينبغي أن نعرف ما مثل ما تقدم، أن الشرط ليس المراد به الشرط الشرعي، وإنما المراد به الشرط اللغوي. وكذلك الصفة، ليس المراد بها الصفة التي في النحو، معنى المراد بها النعت فقط، وإنما كل ما كان مثله معنى، الذي يدخل فيه الحال، وكذلك البدل وغيره، وعطف النسق وغيره، فهو عمّ من أن يكون صفة، أي على سبيل النحو. ومن ذلك أيضًا يدخل فيه بدل الكل، أو بدل بعض من الكل، بدل بعض من الكل يدخل في الصفة كذلك. فالبدل يعتبر صفة، فلهذا فنعت كل ما دل على وصف، فهو داخل فيه. ثم ذكر الاستثناء، فقال: «وحد الاستثناء ما به خرج من الكلام بعضًا ما فيه اندرج». وهذا تعريف للاستثناء، تعريف للاستثناء. وهذا يعتبر مبحثًا لغويًا معروفًا، أن باب الاستثناء يعتبر من المنصوبات في النحو، ويبحث في المنصوبات. وتعريف الاستثناء ما أُخذ من الثني، وهو العطف. الاستثناء العطف، والسين والتاء تبين استقبال الفعل. وأما العطف، فهو ثناء من الثني، وهو العطف. أنا ثنيت الحبل إذا عطفته، فيقال مثلًا: عطف، ثنى الحبل إذا عطف بعضه على بعض. وأما في اصطلاح النحاة، فيعرفون الاستثناء بأنه إخراج ما لولاه لدخل في الكلام، يعرفون، وإخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها. بإلا أو إحدى أخواتها، إخراج، معنى إخراج ما لولاه، أن لولا ذلك الإخراج لدخل في الكلام، أي الكلام السابق. وهذا الإخراج خاص بإلا وأخواتها. وهذا كثير، «قام القوم إلا عمرًا»، فهنا استثناء، استثناء عمر من القوم، والقوم هنا مستثنى منهم، مستثنى منهم، استثناء عمر الذي لم يقم، فهذا إخراج ما لولاه، لأنه قلنا: «قام القوم»، لدخل معه عمر، لكن لما قلنا: «إلا عمر»، فإنه خرج من هذا الكلام السابق، إخراج ما لولاه لدخل فيه. طيب، وقال: «بإلا»، معنى يقولون: «بإلا أو أحد أخواتها»، معنى لابد أن يكون الاستثناء بهذا، إما بإلا أو أحد أخواتها. معنى لو قال مثلًا: «قام القوم دون زيد»، أو «قام القوم دون زيد»، أن «قام القوم دون زيد»، أو زيد، فهذا ما يسمى استثناء، هذا ما يسمى استثناء عند النحاة. ومعلوم أن صيغ الاستثناء أن قرابة 11 صيغة، فإلا هي أم الباب، فيقولون: «بإلا وأحد أخواتها». أنا غير، وسوى، وما عدا، وغير، أو ما خلت، وعدا، وما عليها، هذا معنى 11، عشرة أخواتها مع إلا. والظاهر أنها 11 صيغة، هذا المشهور عند النحاة. فقال: «إخراج ما لولاه»، أو لولا ذلك الإخراج لدخل في الكلام السابق، وهو على المثال ثبوت القيام. وقول المؤلف هنا، أو الناظم، هو حد الاستثناء، أي المراد به الاصطلاحي، هذا المستثنى، أو الاستثناء المتصل. وأيضًا يكون المستثنى منه من جنسه، أقصد أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، كما ذكرنا في المثال، فإن عمرًا من القوم، من الناس، فهو مستثنى منه من جنس مستثنى من جنس ما استثني منه. فلو قال مثلًا: «إنسان، قام القوم إلا الهرة»، إلا هرة مثلًا، فهذا الاستثناء هنا ليس من جنسه، ولهذا عند أكثر الأصوليين ما يعتبرون هذا الاستثناء، وإنما لابد أن يكون الاستثناء من جنسه، يعتبرون الاستثناء الحقيقي الذي يكون المستثنى من جنس المستثنى منه. وبعض الأصوليين يقولون: هو استثناء، لكنه استثناء مجازًا، استثناء مجازًا. وهذا أنكره بعض العلماء، جاء عن إمام أحمد رحمه الله رواية أنه أنكر هذا التوسع في الاستثناء، عن هل يدخل في الاستثناء هذا الاستثناء الذي يسمونه استثناء مجازي، فجاء عن أحمد رحمه الله أنه منع ذلك. لكن في اللغة يثبتون هذا أكثرها، اللغة على أن هذا ثابت، ويعتبر من الاستثناء عنده. وبعضهم يسميه الاستثناء المنقطع، لكن المشهور عند الأصوليين أنه لا يعتبرونه استثناء، فعندهم الاستثناء غالبًا ما كان من جنسه. وذهب بعضهم إلى أنه استثناء، مثل ما قال النحاة. وتجد أن هذا الإخراج ليس فقط في الاستثناء، حتى في الشرط، حتى في الشرط اعتبروا إخراجًا، مثلًا تقول: «أكرم الطلاب إن جاءوك»، هنا أكرم الطلاب، إن جاءوك، هنا فأكرم الطلاب عام، عندنا إن جاءوك أو لم يأتوك، لكن قيدها بقوله: «جاءوك»، فأخرج ما لولاه لدخل في الكلام. وهذا يدل على أنه لا فرق بين الاستثناء والشرط كذلك؛ لأنه يخرج ما لولاه لدخل في الكلام، لكن الشيء الذي يميزه، يعني لو قلنا الآن أن الشرط أيضًا يخرج ما لولاه لدخل في الكلام، لكن الشيء يميز الشرط من الاستثناء، كما قال: «بإلا أو إحدى أخواته»، معنى إذا كان استثناء بإلا، فهذا يعتبر استثناء، وإن كان بأدوات الشرط أيضًا يعتبر شرطًا، فهذا هو الفرق. فلهذا قيدها الناظم هنا بإلا أو إحدى أخواتها. فقوله: «حد الاستثناء ما خرج به»، يعني بإلا أو إحدى أخواتها، يعني يخرج بعض من درج فيه من الكلام. فما هنا اسم موصول بمعنى الذي، فما به خرج من الكلام بعض الذي درج فيه. وهذا الاستثناء عند الأصوليين له شروط، له شروط عند الأصوليين من حيث كونه استثناء لغة، ومن حيث ما يترتب عليه للأحكام. أنا من حيث أنه استثناء لغة، ومن حيث أيضًا ما يترتب عليه لأحكام، هل هو استثناء في لغة العرب أو ليس باستثناء؟ وأيضًا يؤخذ ذلك من الكتاب والسنة، يؤخذ ذلك من الكتاب والسنة. فقال الناظم رحمه الله: «وشرطه»، أي شرط صحة الاستثناء، من أجل أن يرتب عليه الحكم والأحكام والأحكام الشرعية. فشرطه معناه أي شرط صحة الاستثناء أن لا يرى منفصلًا. وشرطه أن لا يرى منفصلًا، وهذا الشرط الأول، شرط الأول أن لا يرى منفصلًا. وبعضهم أيضًا يزيد في هذا الشرط أن يكون من متكلم واحد، أن يكون من متكلم واحد، أن لا يرى منفصلًا، وهذا يكون من متكلم واحد، لا يكون من شخصين. فلو قال مثلًا أحد الأشخاص: «زوجتي»، قال الثاني: «طالق»، فهل هذا يعتبر طلاق؟ لا، ما يعتبر طلاق، لا في الشرع ولا في اللغة؛ لأن الذي طلق ليس هو الذي قال: «زوجتي»، فلهذا اشترطوا أن يكون المتكلم واحدًا. فلو قال مثلًا: «سافر القوم»، أو «سافر القوم إلا عمرًا»، أو «إلا زيدًا»، أو قال: «سافر القوم»، فقال الآخر: «إلا زيدًا»، سافر القوم، إلا قال الآخر: «إلا زيدًا»، فهل هذا يعتبر استثناء؟ لم يعتبر استثناء، لماذا؟ لأن صاحب الكلام لم يستثنِ، صاحب الكلام لم يستثنِ. لكن لو قال: «إلا زيدًا» فكانه يكون مستثنى على الصحة، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر ما يحرم في الحرب: «لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تحل صيدها، إلا لمنشد»، ولا يقطع شجرها، فقال العباس: «إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لبيوتهم وقينهم»، فقال عليه الصلاة والسلام: «إلا الإذخر»، فاعتبره العلماء أنه استثناء؛ لأنه أيده. أما لو لم يؤيده لما دخل في كلامه. أنا لو قال مثلًا كما لو قال كما قلنا، «سافر القوم»، إلا لم يقل: «إلا»، قال الآخر: «إلا زيد»، إلا عمرًا، أو «إلا زيدًا»، فهنا لا يقال: «إنه فلان استثناء»، لأنه فلان لم يستثنِ، وإنما الذي استثنى هو الآخر. فلهذا قوله: «وشرطه أن لا يرى»، أي هذا الاستثناء منفصلًا، يعني عن الكلام المستثنى منه، لا يكون منفصلًا عن الكلام المستثنى منه، معنى يكون متحدًا معه في وقت واحد. وأن لا يفصل بينهما بفاصل طويل، معنى بعضهم يقول: إنه إذا فصل، خلاص يكون الاستثناء غير صحيح. لكن دلت السنة على أنه يكون استثناء صحيحًا، ولو فصل، إذا كان هذا الفصل فصلًا يسيرًا. مثلًا قال: «زوجاتي طوالق»، ثم عطس، ثم قال: «إلا فلانًا»، فهذا الاستثناء صحيح، أو مثلًا عارضه عارض، أو حصل له شيء فالتفت مثلًا، ثم قال: «إلا فلانًا»، فهذا يعتبر استثناء صحيح. لكن لو طال الفصل، لو قال: «زوجاتي طالق»، ثم خرج من ذلك المكان، ثم قال: «إلا فلانًا»، لا، ما يفيده هذا، ما يفيده هذا الاستثناء، لابد للإستثناء أن يكون متصلًا، وإن انقطع أو انفصل، لابد أن يكون للمنفصل هذا شيء يسير. فلهذا: «ألا يرى منفصلًا». وهذا الانفصال كما قلنا يحدد بالانفصال الطويل، أو الانقطاع الطويل، معناه أن يكون المستثنى منه متصلًا بالمستثنى، فخلاصة المسألة أنه يقال: إذا كان هذا الانفصال قصيرًا فإنه يدخل، فالاستثناء صحيح، وإن كان طويلًا فالاستثناء غير صحيح. لكن اجل ضابط الذي يضبط هذا الأمر متى يكون قصيرًا ومتى يكون طويلًا؟ فقال العلماء: بعضهم يقول: إنه إذا كان لعارض، فهذا يعتبر قصيرًا، أو إدخال كلام في كلام، أيضًا يكون قصيرًا. أما مثلًا يسكت وينتهي من الكلام، ثم يقول: «إلا كذا»، فهذا الاستثناء ما يعتبر. فأيضًا الشرط الثاني، قال: «ولم يكن مستغرقًا لما خلا». أن هذا الشرط أيضًا في الاستثناء، معنى يكون مستثنى، لا يكون مستغرقًا كل الاستثناء، معنى هذا ما يصلح، مثلًا يقول مثلًا: «اقتلوا المشركين إلا المشركين»، مثلًا، أو يقول: «اقتلوا آل فلان إلا آل فلان نفسهم»، هذا لاستثناء؛ لأنه لم يستثنِ شيئًا، لم يستثنِ شيئًا. فلهذا هذا ما يعتبرونه استثناء، لو قال مثلًا إنسان: «فلان له علي مئة إلا مئة»، هذا كلام فارغ، ما يستفاد منه شيء، فلهذا فالاستثناء إذا كان مستغرق الكلام كله، فليس استثناء. طيب، إذا كان استثناء الكل، فهذا محل اتفاق بين العلماء وبين الأصوليين أنه لا يسمى استثناء، أنا ليس هذا مقصود استثناء. طيب، إذا استثنى النصف، إذا استثنى النصف، فكثير من الأصوليين لا يعتبرونه استثناء صحيحًا، لو قال مثلًا: «جاء عشرون رجلا إلا عشرة»، أو «جاء العشرون كلهم إلا عشرة»، هذا استثناء النصف، فهذا اعتبره بعض العلماء أنه استثناء، وبعضهم لم يعتبره. وما كان دون النصف اعتبره العلماء استثناء، أنا لو قال: «جاء القوم إلا ثلثهما»، أنا يعتبرونه استثناء. وعما أكثر من النصف فلا يعتبرونه، فالآن عندنا إذا كان الاستثناء من الكل، هذا لا يعتبر، هذا باتفاق. وإذا كان الاستثناء دون النصف، فهذا أيضًا اتفاق على أنه معتبر، فإذا كان دون النصف يعتبر، هذا باتفاق. لكن اختلفوا إذا كان أكثر من النصف أو نصفًا، إذا كان أكثر من نصف أو نصفًا، هل يعتبر؟ فهذا هذا الخلاف في معنى اتفاق في مسألتين، وخلاف في مسألتين. فإذا كان الاستثناء للكل، هذا ليس الاستثناء صحيح، وإذا الاستثناء دون النصف، فهو الاستثناء صحيح، وإذا كان الاستثناء أكثر من النصف، فهو الاستثناء مختلف فيه، وإذا كان النصف أيضًا مختلف فيه. يعني لو قال مثلًا في النصف: «له مئة إلا خمسين»، مئة إلا خمسين، هذا استثناء نصف. وأيضًا إذا قال مثلًا: «عندي مئة إلا ستون»، أنا بعض العلماء قال: هذا الكلام ما يحصل أصلا عند العرب، أنا ما في أحد يستثني الأكثر من الأقل، أنا أقضي الاستثناء بالأقل. أنا ما يقول مثلًا كما قلنا: «عندي مئة إلا ستين»، هذا ما يعتبر عند كثير من أهل العلم، والنزاع موجود بين أهل العلم، بين الأصوليين في المسألتين. وكذلك بين النحاة، حتى بين النحاة، منهم من عده استثناء صحيحًا، ومنهم من لم يعده استثناء صحيحًا، وخاصة إذا كان أكثر من نصف، فأكثر أهل العلم على أنه ليس استثناء صحيحًا. ومذهب أهل البصرة أنه لا يجوز، أي النحاة، استثناء الأكثر. وأهل الكوفة عندهم يجوز استثناء الأكثر، وهو مذهب أكثر النحاة. وأما البصريون، فعندهم أنه لا يستثنى إلا ما كان دون النصف، أما النصف أو أكثر من النصف، عندهم لا يستثنى. والذي رجحه كثير من العلماء المعاصرين، أو كالشيخ المعاصرين وغيره، أنه يجوز استثناء الأكثر، وهو أيضًا قول كثير من الفقهاء. ومثل له بقول الله عز وجل: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين»، «إلا عبادك منهم المخلصين». وقال أيضًا في الآية الأخرى: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين»، هذا العكس. أنا في الآية الأولى قال: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين»، الإغواء على الجميع، ثم استثناء «إلا عبادك منهم المخلصين». والله عز وجل قال: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين»، فالغاوون كثر، الغاوون كثر. فهنا في الآية استثناء الأكثر، لا شك أن غواية الشيطان للناس أكثر ممن يهتدي، ولهذا أهل الجنة في أهل النار شيء يسير، مثل معنى ما أنتم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنتم في الأمم إلا كمثل الشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض»، شعرة سوداء في ثور أبيض. وهذه الأمة مع أنها أكثر الأمة من دخولها للجنة، أنا أكثر من ثلثي أهل الجنة من هذه الأمة، وهم لا شيء في الأمم، فدل على أن أهل النار كثير جدًا، ولهذا لما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عز وجل: يا آدم، يا آدم، ابعث بعث النار»، قال: «يا رب، وما بعث النار؟»، قال: «من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون»، هؤلاء كلهم في النار، واحد في الجنة. فلهذا تجد أن أهل النار كثير، وهذا الاستثناء في الآية الثانية خاصة: «إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين»، فهذا استثناء الأكثر من الكل، الأكثر من الكل؛ لأن هناك: «فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين»، هذا ممكن يقال: أن عباد الله المخلصين أقل ممن غواهم الشيطان. لكن هنا في الآية الأخرى ذكر استثناء الغاوين من عباد الله الصالحين، فهذا يدل على جواز استثناء الأكثر من الكل. ولهذا كما قلنا صححه كثير من العلماء هذا القول على أنه يجوز أن يستثنى أكثر من النصف، ويجوز أن يستثنى النصف، ويجوز أن يستثنى ما دون النصف. فقول أكثر النحاة والفقهاء هو الصحيح، وأما قول البصريين فليس بصحيح. فالآن فالشرط الثاني أن لا يستغرق المستثنى منه جميع المستثنى، أن لا يكون المستثنى منه الكل، بل يكون أكثر من النصف، أو النصف، أو دون. وأيضًا كذلك المسألة، وهو النصف أيضًا داخل في هذا. ثم ذكر الشرط الثالث، قال: «والنطق مع إسماع من بقربه». والنطق مع إسماع من بقربه، والنطق يعني التلفظ به، أن يتلفظ بالمستثنى مع إسماع من بقربه، يتلفظ بالمستثنى مع إسماع من بقربه. فلو نواه دون النطق، لو نواه دون النطق ما حصل، ولم يصح، مثلًا لو قال مثلًا: «طلقت»، أو «زوجاتي طالق»، ثم قال في نيته: «إلا فلانًا» مثلًا، في نيته، هذا لا يصلح. مثلًا لو قال له القاضي: «فلان يدعي عليك مائة ألف»، فيقول: «مائة ألف»، وهو يريد أنها «إلا عشرون»، أن هذا ما يصلح، لو مثلًا قال له: «كم تدعي على فلان؟»، قال: «والله أدعي عليه مائة ألف»، ثم في نيته أنه أراد خمسين، هذا ما يصلح أيضًا. فهذا الأشياء القلبية لا تعتبر هنا، لابد أن يعتبر النطق؛ لأن الاستثناء نوع من أنواع الكلام، وشرط صحة الكلام أن ينطق به، أن يكون ملفوظًا، أن لا يكون لفظًا إلا إذا كان ملفوظًا. وأما قوله: «إسماع من بقربه»، فهذا لأجل إثبات الحقوق، إثبات الحقوق. وهذا يقوله الأصوليون لأجل إثبات الحقوق. والظاهر أنه مأخوذ من القواعد العامة؛ لأن الحقوق إنما تقضى وتترتب على كلام، على اعترافات المتكلم نفسه. فإذا لم يسمعه أحد، فإنه ما سيكون اعترافًا، فلهذا لابد أن يسمعه غيره، لو قال مثلًا: «له علي ألف»، ثم قال في نفسه: «إلا عشرة»، فهذا أيضًا غير معتبر، كأنه لم يتلفظ به؛ لأنه لم يسمع من بقربه، ما سمعه أحد. فهذا الذي مثلًا سيشهد على إقراره، مثلًا سيشهد على ماذا؟ على المئة، أما الاستثناء ما سمعه، فلو جاء شاهد مثلًا يقول: «ادعى علي كذا»، سيشهد بما تكلم به، فلهذا قال الأبد: «أنه يكون يسمع»، أو يكون نطق يسمع من بقربه. فلهذا فقوله: «مع إسماع من بقربه»، فلو نواه دون نطق لم يصح، أو نطق دون إسماع أيضًا لم يصح، فلهذا لابد أن يسمع غيره، هذا الشرط الثالث. ثم ذكر الشرط الرابع، إن شاء الله تعالى نتركه في درس لاحق.