الدرس في التعليق على نظم الورقات 34، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش هذا الفصل تخصيص المطلق بالمقيد وتوضيح الخلاف بين أهل العلم حول حمل المطلق على المقيد عند اختلاف الحكم والسبب، كما يتناول تخصيص القرآن بالقرآن. يشرح أربعة أنواع للمطلق المقيد ويعطي أمثلة من الآيات القرآنية.
يتناول هذا الفصل كيفية تخصيص العموم في النصوص الشرعية، حيث يبين أن الكتاب يمكن تخصيصه بالكتاب، والسنة بالسنة، والسنة للكتاب، مستشهدا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يناقش هذا الفصل دور الإجماع والقياس في تخصيص النصوص الشرعية، ويبين الخلاف بين الأصوليين حول صحة تخصيص القرآن بالإجماع والقياس، ويشير إلى رأي الحنفية في هذا الشأن.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآل وصحبه. فذكرنا أن أنواع المطلق المقيد أربعة أنواع: إما أن يجتمع الحكم والسبب، وإما أن يجتمع الحكم ويتخلف السبب، وإما أن يجتمع السبب ويتخلف الحكم، وإما لا يكون هذا ولا ذاك. فالأول لا شك فيه أن المطلق يحمل على المقيد، والثاني فيه خلاف بين أهل العلم. ذكر المؤلف دليله على أن أهل الكتاب مؤمنة لأن الحكم مختلف والسبب واحد، أقصد الحكم واحد والسبب مختلف. هذا كفارة يمين، وهذا في كفارة قتل، يعني ذكر الإيمان في كفارة القتل ولم يذكر في كفارة اليمين الرقبة المؤمنة، فلهذا حصل هذا الخلاف بين أهل العلم. والصحيح كما قلنا أنه لا يحكم بذلك إلا إذا اتفق الحكم والسبب، أما إذا اختلف فلا يحكم به. ثم قال المؤلف: «ثم الكتاب بالكتاب يخصص». يعني الفقهاء أو الأصوليون خصصوا الكتاب بالكتاب، فالكتاب المراد به القرآن. القرآن يخصص الآية بالآية، تأتي آية عامة تخصصها آية أخرى. مثلا قول الله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ هذا في غير الحمل، وفي غير ذوات الحيض، فتخصصها آية أخرى، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، هذه خصصت على أن الحامل عدتها بوضع الحمل. أيضا قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾، عن ذوات التي لا يحضن، إما اليائسة أو التي لم تحض بعد صغيرة، فهذه عدتها ثلاثة أشهر، وهذا تخصيص أيضا. الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾، هذا فيه عموم أنه لا ينكح المشركات، وأجاز الله عز وجل نكاح أهل الكتاب، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فهذا تخصيص. فلهذا قال المؤلف: «ثم الكتاب بالكتاب يخصص»، وهذا خلافا للظاهرية. «وسنة بسنة تخصص» يعني السنة بالسنة أيضا، السنة تخصص السنة مطلقا لا تفصيل بين متواتر وآحاد، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، بخلاف بعض المعتزلة وبعض الأصوليين ادعى أن المتواتر لا يخصص بالآحاد، وهذا كلام غير صحيح. تخصيص السنة بالسنة، مثلا قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن عمر: «فيما سقت السماء العشر»، هذا عام في كل ما سقته السماء الأمطار، فيه يخرج العشر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، تبين أن هذا العشر الذي يسقى بالمطر ليس كل زرع، وليس كل ثمر، وإنما ما كان خمسة أوسق وما فوق. قال المؤلف: «وخصصوا بالسنة الكتاب»، يعني خصصوا الكتاب بالسنة. قول الله عز وجل: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، هنا صيغة عموم، جاءت السنة في الصحيحين: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها»، القرآن ذكر الجمع بين الأختين، فنهى عن الجمع بين الأختين، هذا في القرآن، جاءت السنة أيضا زيادة أيضا أن يجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، فهذا تخصيص. فلا يقال: لا ما يخصص، إذا قلنا ما يخصص معناه أن رددنا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلهذا السنة تخصص أيضا الكتاب، فلا يجوز لرجل أن يتزوج عمة المرأة التي معه، يجمع بينها وبينها، وكذلك خالتها، ولا يجوز أن يجمع بينهما. فخصص السنة بالكتاب وعكسه، خصص السنة فالسنة هي المخصص والكتاب هو المخصص، وإن كان هذا قليل في الأمثلة، لكنه موجود في الأمثلة. معناه أن الكتاب يخصص السنة، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، هذا حديث عام، خصصه القرآن بماذا؟ خصص أهل الكتاب أنهم يخرجون بالجزية. قال المؤلف: «والذكر بالإجماع مخصوص»، والذكر أي القرآن، من أسمائه الذكر، فقال: بالإجماع مخصوص، يعني يخص بالإجماع أنه يخص الكتاب بالإجماع، ولكن هذا الإجماع الذي يخصص لابد أن يكون له مستند شرعي. وقال بعض الأصوليين: أنه ليس هناك مثال يدل عليه في هذه المسألة، وهو تخصيص القرآن بالإجماع، ليس هناك مثال صريح يدل عليه. بعضهم يستدل بقول الله عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، فقالوا: هذا الطهور أي هذا الماء طهور، لكن يخصص بالإجماع على أنه إذا وقعت فيه النجاسة وتغير فإنه يتنجس. قال المؤلف: «كما قد خص بالقياس كل منهما»، يعني يرى المؤلف أن القياس أيضا يكون مخصصا للقرآن ويكون مخصصا للسنة، وهذا لا شك أن فيه نظر. القياس لا يكون مخصصا أبدا للكتاب والسنة، لأن القياس ليس بدليل شرعي مطلقا. فخلاصة هذا الدرس وهو المخصص المنفصل، أن المخصصات المنفصلة تخصيص الكتاب بالكتاب، تخصيص الكتاب بالسنة، تخصيص السنة بالكتاب، تخصيص السنة بالسنة، هذا الذي يعتبر دليل شرعي. وأما تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع هذا فيه كلام ونظر، وأما أيضا القياس فهو باطل أن التخصيص بالقياس باطل. كيف يخصص كلام الله وكلام النبي عليه الصلاة والسلام بآراء الناس؟ وهذا الذي يفعله الحنفية وهو غير صحيح.