التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 20

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت"

المقطع الأول يشرح حديث نبوي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث يقول "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت". الشارح يبين أن الحديث له معنيان: أمر على ظاهره أو تهديد لمن لا يستحي.

تعريف الحياء وبيان حكمه وأنواعه

الحياء خلق محمود يبعث على فعل الحسن، وهو نوعان: وهبي وكسبي. يكون ممدوحا إذا لم يمنع من فعل الواجب.

اكتساب الأخلاق الفاضلة وعلاقتها بالحياء

الأخلاق يمكن اكتسابها بجهاد النفس وزيادة معرفة الله في القلب. هذا يؤدي إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه «الأربعين النووية». قال الحديث العشرون: عن أبي مسعود عقبة بن عمر الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». رواه البخاري. قال الشارح -وفقه الله-: هذا الحديث رواه البخاري وحده دون مسلم، فهو من أفراده عنه، أي مما تفرد البخاري بإخراجه دون الإمام مسلم في صحيحه. قال: وقوله فيه «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى» أي مما أثر عن الأنبياء السابقين، وصار محفوظا عنهم، يتناقله الناس جيلا بعد جيل. قال: وقوله «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» له معنيان: أحدهما أنه أمر على ظاهره، فإذا كان ما تريد فعله مما لا يستحي منه، لا من الله ولا من الناس، فاصنع ما شئت، فلا تثريب عليك. هذا المعنى الأول: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، إذا لم يكن عندك حياء لا من الله ولا من الناس، سواء كان ذلك الشيء أو الفعل يتعلق بالقول أو يتعلق بالجوارح، فاصنع -افعل- ما شئت. ما الذي يمنعك إذا لم يكن عندك حياء يمنعك من فعل القبائح، وفعل الشرور، وفعل الآثام والسيئات؟ إذا لم يكن عندك حياء فإنك تصنع ما تريد وما تشاء، فاصنع ما شئت. وما اسم موصول بمعنى الذي، أي فاصنع الذي شئته. فاصنع الذي شئته لا يمنعك شيء من ذلك. قال: والثاني: أنه ليس من باب الأمر الذي تقصد حقيقته. والقائلون بهذا القول يحملونه على أحد معنيين: أحدهما أنه أمر بمعنى التهديد والوعيد، أي إذا لم يكن لك حياء يمنعك، فاصنع ما شئت، فستجد ما تكره. والأمر يأتي ويراد به التهديد، ليس المراد به الأمر الوجوب. ومنه قول الله عز وجل: ﴿اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير﴾، فقوله: ﴿إنه بما تعملون بصير﴾ دل على أن المراد بهذا الأمر التهديد، وليس الوجوب أو الإباحة. أنك تعمل ما تشاء، تعمل ما تشاء من خير وشر، ومن طاعة ومعصية، لا، لكن المراد التهديد. اعمل ما شئت، ستجد العقاب وتجد المؤاخذة وتجد كذلك اللوم على هذا الفعل. اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير، أي مطلع ويعلم ويرى أعمالكم، فسيجازيكم عليها. مثله قول الأب لابنه: افعل ما شئت فجزاؤك في البيت، معنى تهديد، يهددك أنك إذا رأيت أن تفعل ما تريد وتخالف ما يأمرك به أبوك، فإنك تستعاقب وستجازى على فعلك. فيكون المراد في هذا الحديث «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» يكون هذا الأمر للتهديد، يعني إذا ما عندك حياء يمنعك من فعل هذه القبائح، فاعمل -اصنع- ما شئت، فإنك ستجازى عليها وستؤخذ عليها. قال: والآخر: أنه أمر بمعنى الخبر، أي إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، فإن من كان له حياء منعه من القبائح، ومن لم يكن له حياء لم يمنعه منها، فهو خبر عن الناس وما يصنعونه بحسب الحياء إذا. هو أمر بمعنى الخبر: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، يعني من قل حياؤه فإنه تصدر منه الأفعال القبيحة والأفعال كذلك المذمومة. ومن كان عنده حياء فإنه يقل منه فعل هذه القبائح. فيكون المراد بهذا الأمر هو الإخبار أن من لم يكن عنده حياء فإنه يصنع ما يشاء، ليس المراد الأمر أنك افعل ما شئت، لكن المراد الإخبار أن من لم يكن عنده حياء فإنه يصنع ويفعل ما شاء؛ لأنه لا شيء يمنعه من ذلك، لا خوف ولا حياء من الله، ولا أيضا خجل وحياء من الناس. قال: قال: والحياء هو تغير وانكسار يعتري العبد من خوف ما يعاب به. قال: ذكره أبو الفضل ابن حجر في «فتح الباري»، وهو من أحسن ما قيل في بيان حقيقة الحياء: تغير وانكسار يعتري العبد من خوف ما يعاب به، يعني الشيء الذي يخاف أن يعاب به وأن يذنب سببه، ويعير بفعله، فيبتعد عنه، ويكون عنده حياء من فعله. هذا هو الحياء: تغير وانكسار يعتري العبد من خوف ما يعاب به، من خوف ما يعاب به، أي ما يكون عيبا في حقه وتنقصا، فيحمله ذلك على هذا الخلق -على خلق الحياء- أن يجتنبه وأن يبتعد منه. والإمام النووي رحمه الله فسره كما في كتاب «رياض الصالحين» وغيره، قال: «خلق يبعث على فعل كل حسن، وترك كل قبيح». خلق يبعث على فعل كل حسن، وترك كل قبيح، فالحيي يكون عنده يعني محبة لفعل الأعمال الحسنة والأعمال الصالحة، والابتعاد عن الأعمال القبيحة التي يعاب عليها الإنسان ويذنب. فبسبب الحياء فإنه يمتنع من فعلها. ولهذا كان الحياء من الإيمان، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحياء من الإيمان». وفي الصحيحين، وقال: «الحياء كله خير». وقال: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، هكذا مدح النبي عليه الصلاة والسلام الحياء وأنه من الإيمان. قال: والحياء خلق محمود، كما سمعنا، بل هو من الإيمان، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: إلا في حالين: أولاهما أن يمنع من المأمور، والأخرى أن يوقع في المحظور. في هاتين الحالتين لا يكون الحياء خيرا. الذي يستحي أن يفعل الواجب بسبب الحياء، هذا ليس بحياء محمود، بل هذا حياء مذموم. هذا حياء مذموم. لو أنه مثلا ما يصلي جماعة مع الناس، قال: والله إنه أستحي، أنا أستحي. إيش نقول؟ ما شاء الله، أزاك الله خير. «الحياء من الإيمان»، لا، هنا هذا حياء مذموم، هذا حياء مذموم، ليس بمحمود في هذه الحالة. كذلك إذا استحى من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والله إنه أستحي أن أنكر المنكر، هذا من الحياء المذموم. نعم، الذي يمنعك من فعل المأمور هذا حياء مذموم. أو كذلك الحياء الذي يوقعك في المحظور، يوقعك في المحظور. مثلا: جلست في مجلس، وفي هذا المجلس فتح صوت الغناء والمزامير، ثم جلست جالسا لم تنكر، ولم تقم تخرج. ما لك؟ فلان والله أنا أستحي، أستحي أن أقوم وأخرج. أقول: هذا حياء مذموم، ليس هذا محله. أنت الآن في محل منكر، وتسمع وتشاهد المنكر، ثم لا تغير، ولا تخرج وتغادر هذا المحل وهذا المكان، فحينئذ أوقعك هذا الحياء في هذا المحظور، فلا يكون ماذا؟ هذا الحياء ممدوحا، بل يكون مذموما. إذا الحياء كله خير إلا في هاتين الخصلتين: إن منعك من فعل الواجب، أو المأمور، أو أوقعك في فعل المحظور، فلا يكون ممدوحا. قال: ولتحصيله طريقان: أحدهما وهبي، وهو ما يجبل الله عليه العبد، ويغرسه في نفسه، يعني يكون الحياء حياء جبليا، جبل الله عز وجل عليه العبد، وطبع عليه هذا الخلق أن يكون حييا. أن يكون حييا، فقد يكون الحياء كما قال: وهبيا من الله، هبة من الله عز وجل للعبد أن يكون حييا. عند خلق الحياء تجده يعني يستحي من فعل الأشياء المنكرة، وأشياء المستقبحة. وكذلك أيضا بعيد من الوقوع في المنكرات والقبائح، شيء طبع عليه، حيي في كلامه، حيي في أفعاله. فقد يكون هذا هبة، يعني طبع هذا الإنسان على هذا الخلق، وجبل عليه. والآخر كسبي، قال: بما يدركه العبد من معرفة الله وعظمته، واطلاعه عليه، وشهود نعمائه الواصلة إليه. معنى كسبي: أن يكسبه الإنسان هو، ما عنده في طبيعته خلق الحياء، قد يكون عنده شيء من الجرأة وكذا، لكن يعود نفسه ويجاهد نفسه أن يتخلق بخلق الحياء، أن يتخلق بخلق الحياء، بما يرى من معرفة الله، يتعلم ويتفقه في دين الله، ويعلم عظمة الله جل وعلا، وأن من تعظيم الله البعد عن فعل ما يغضبه ويسخطه من الذنوب والخطايا والسيئات والفواحش والمنكرات، وأن تحافظ على الواجبات والفرائض، فيحمله ذلك على التخلق بخلق الحياء. إذن قد يكون الحياء يعني جبلة وطبيعة، وقد يكون الحياء مكتسبا، يكتسبه الإنسان ويعود نفسه على هذا الخلق -خلق الحياء. قال: يعني الحياء إما يكون هبة من الله، يجبل الله عز وجل عليها من يشاء من عباده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد القيس لما قال: لم يوفد عليه وفد عبد القيس، فقال: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحياء». ومن خصلة الثانية: الأناه. نعم، الأناة، الحلم والأناه، صح في الحديث: الحلم والأناه، ليس الحياء. ثم قال: يا رسول الله، أهما خلقان اكتسبتهما أو جبلت عليهما؟ قال: «بل جبلت عليهما». فقال: الحمد لله الذي يجبلني على خلقين يحبهما الله. الشاهد: أن من الأخلاق ما يجبل عليها الإنسان ويطبع عليها، تكون هبة من الله، كالحياء، والحلم، والأناه، والكرم، والشجاعة، هذه الأخلاق الحسنة والكريمة الفاضلة، قد تكون هبة من الله، تكون طبيعة في الإنسان: أنه كريم، أو أنه عنده الأناه والتؤدة وعدم الاستعجال، أو كذلك يكون عنده الحلم والعفو والصفح إلى آخر ذلك، الشجاعة والإقدام. وقد تكون الأخلاق مكتسبة، ما عنده هذا الخلق في طبيعته، لكن يكتسبها، يجاهد نفسه على أن يتخلق بهذه الأخلاق الفاضلة حتى يكون من أهلها. قال: وأما أن يكتسبه العبد، وذلك بزيادة معرفة الله في قلبه، واستحضار اطلاع الله سبحانه وتعالى عليه، وشهود النعمة الواصلة إليه من الله سبحانه وتعالى، وأن الله جعل له منها ما لم يجعله لغيره. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.