أسباب انشراح الصدر

الخطبة بعنوان أسباب انشراح الصدر، التي كانت بدار الحديث بطيبة 24 صفر 1443هـ الموافق 1 أكتوبر 2021م ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الدنيا دار ابتلاء ومنحة انشراح الصدر

الدنيا مليئة بالكدر والابتلاء بأنواع المصائب والهموم كما دل عليه القرآن والسنة. ومن أعظم النعم التي يمن الله بها على العبد في مواجهة هذه الابتلاءات نعمة انشراح الصدر وطمأنينة القلب.

شرح الصدر نعمة إلهية وثمرته في تلقي الحق والصبر على الابتلاء

شرح الله صدر العبد للإسلام نعمة عظيمة تجعله قابلاً للعلم والنصيحة والهداية، بينما ضيق الصدر يحول دون قبول الحق. ويستشهد الخطيب بآيات وحديث يبين أن أمر المؤمن كله خير؛ سراء يشكر وضراء يصبر.

أسباب انشراح الصدر وطمأنينة القلب عند المسلمين

يقارن الخطيب بين شقاء الكفار وما يعانونه من هموم وانتحارات، وبين سكينة المؤمنين رغم الابتلاءات، عازياً ذلك إلى التوحيد والإيمان، ذكر الله، العلم النافع، وترك الفضول. ويحث المسلمين على شكر الله على هذه النعمة مذكراً بأن عظيم الجزاء مع عظيم البلاء.

الخاتمة والدعاء

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة على النبي محمد وآله والحمد لله رب العالمين كخاتمة مباركة للجلسة. ويدعو الله بتحسين الحال وغفران الذنوب.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، كما لا يخفى على الجميع أن حياة هذا الإنسان في هذه الدنيا لا تخلو من الهموم، ولا تسلم من الغموم، وإنما هي معرضة للابتلاء بأنواع الابتلاء، كما قال ربنا عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، وكما قال ربنا عز وجل: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، ويقول ربنا عز وجل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين، وجاء نحوه عن أبي سعيد، قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍ ولا غمٍ ولا حزن ولا أذى، قال: حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه». هكذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما يصيب المسلم من نصبٍ» أي من تعبٍ، «ولا وصبٍ» أي ولا مرض، «ولا همٍ ولا حزن ولا غمٍ ولا أذى، قال: حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها من خطاياه». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». إذن هذا هو حال الدنيا، أنها دار ابتلاء، وأنها دار امتحان، ففيها من المصائب، وفيها من الفتن، وفيها من الهموم والغموم والأحزان، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ فَكَيْفَ تَنَالُهَا صَفْوًا، أَ هَذَا قَطُّ بِالْإِمْكَانِ؟». أيها المسلمون، عباد الله، ومن أعظم ما ينعم الله به على خلقه وعبيده أمام هذه الابتلاءات وهذه الهموم وهذه الغموم التي تكدر عليهم صفوهم وتنغص عليهم لذتهم، أن يرزقه الله عز وجل انشراحاً في صدره، فيجعل صدره منشرحاً أمام هذه الابتلاءات ومع هذه المصائب. فانشراح الصدر يعتبر من النعم العظيمة التي يمن بها ربنا عز وجل على من شاء من خلقه وعبيده. قال ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾، فلا إله إلا الله، ما أعظم هذه النعمة التي يخص الله بها من شاء من خلقه وعبيده. قال سبحانه في كتابه العزيز: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. وربنا عز وجل امتن على نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. ألم نشرح لك صدرك، أين وسعه ويجعله الله عز وجل مهيئاً لاستقبال الرسالة وهكذا تبليغها. ولهذا أيها الأحبة في الله، إذا شرح الله الصدور كانت متقبلة للعلم، وكانت متقبلة للنصيحة، وكانت متقبلة للحق والهداية، وإذا ضاقت الصدور لربما كان ذلك سبباً في عدم قبولها للنصيحة، وعدم استجابتها للحق، وعدم انتفاعها بالعلم النافع الذي يحيي الله عز وجل به القلوب بعد موتها. فأسأل المولى عز وجل أن يشرح صدورنا، وأن يفرج همومنا، وأن ينفس كروبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن شرح الصدور يعتبر من الأمور العظيمة التي ينتفع بها المسلم أمام هذه الابتلاءات ومع هذه المصائب والمحن التي نعيشها، فكم تهون المصيبة، وكم ترق الفتنة إذا وجدت صدرًا منشرحًا بالإيمان ومطمئنًا بالإسلام، فيعلم المؤمن علم اليقين أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، يعلم المؤمن علم اليقين أن هذه الابتلاءات وهذه المصائب إنما هي بأمر الله عز وجل وقدره، فلا يسعه إلا أن يصبر عليها وأن يحتسب الأجر عند الله عز وجل فيها. ولهذه هذه من الأمور التي خص الله عز وجل بها أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث أبي يحيى صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال عليه الصلاة والسلام: «عجباً لأمر المؤمن، عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء فشكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء - يعني مصيبة، يعني فتنة - قال: فصبر فكان خيراً له». هذا لأهل الإسلام ولأمة التوحيد والإيمان، أما من عداهم من الملل الكافرة والنحل غير المؤمنة، فكم يفتقدون مثل هذه المعاني، لربما يقتل أحدهم نفسه بسبب مكالمة لم ترد عليها عشيقته، ولربما يقتل نفسه إذا فقد بعض الدنانير أو الدراهم. انظروا إلى حال الكفار في بلدانهم، ما أكثر الانتحارات، وما أكثر ما يعرض الإنسان نفسه للقتل بسبب دنيا، وبسبب بعض المصائب التي لا تساوي شيئاً أمام ما يبتلى به أهل الإسلام اليوم وما نعيشه نحن اليوم. انظروا إلى حالهم ثم انظروا إلى أحوالنا، لربما يرى الأسعار ترتفع فيقول الحمد لله بصدر منشرح وقلب مطمئن، يرى الحر ويرى الكهرباء التي لا تعمل، ومع هذا صدره منشرح وقلبه مطمئن، يرى الأمراض ويرى الفتن والحروب، يرى غيرها كثير، ومع هذا أيها الأحبة في الله، الله تبارك وتعالى يمن علينا بشرح الصدور الذي تخف معه المصائب وتهون عنده الفتن والنكبات. كيف سيكون حال أهل الكفر لو كانوا يعيشون هذه الظروف ويعانون هذه الأحوال؟ فاحمدوا الله عز وجل يا أيها المسلمون، فإن الله تبارك وتعالى إن كان قد ابتلى، ألا فلنعلم أنه قد عافى، إن كان قد أصابنا بمصائب فقد أعطانا نعم كثيرة وآلاء عظيمة لا نستطيع أن نحصيها، لا نستطيع أن نحصيها. أيها المسلمون، عباد الله، ومن أسباب شرح الصدر، بل يعتبر من أعظم أسبابها، هو توحيد الله عز وجل والإيمان به، والإيمان به فإنه يعتبر من أعظم هذه الأسباب. ولهذا قال ربنا عز وجل عن مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي بشرك، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. وعلى حسب كمال الإيمان وتمام التوحيد وزيادته يكون شرح صدر صاحبه. وأكد ذكر الله عز وجل سبب لطمأنينة القلوب وانشراح الصدور، كما قال ربنا عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. وهكذا العلم النافع، كم يجعل الله بسببه انشراحاً لصدور أصحابه وطمأنينة قلوبهم وراحة جوارحهم. كذلك أيضاً من أسباب انشراح الصدور: ترك فضول النظر، وترك فضول الطعام، وترك فضول المخالطة، فكم يشعر الإنسان بالراحة ويشعر بالسعادة إذا ابتعد عن تلكم الأمور التي لربما ولدت ضيقاً في الصدر. أيها المسلمون، عباد الله، وهكذا أسباب انشراح الصدور كثيرة جداً، يوفق الله لها من شاء من خلقه وعبيده. ألا فلنحمد الله عز وجل على ما من به علينا من انشراح الصدر وطمأنينة القلب وراحة الجوارح مع ما نعانيه من أحوال وما نعيشه من هم أو غم أو غيرها من صور الابتلاء، فإن عظم الجزاء مع عظم البلاء كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكما قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيراً يصب منه - أن يبتليه بمصائب ويبتليه بأنواع من الابتلاءات». فأسأل المولى عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، نسأله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى، نسأله تبارك وتعالى أن يغير حالنا هذا إلى حال أحسن، نسأله تبارك وتعالى أن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يعافي مبتلانا وأن يشفي مريضنا وأن يرحم ميتنا، نسأله تبارك وتعالى أن يغزر أمطارنا ويبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا وأموالنا وأولادنا وأزواجنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.