مسائل وآداب العيدين 3

مسائل وآداب العيدين 3

الدرس في مسائل وآداب العيدين 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

السن المعتبر للأضاحي وشرطه

يتناول هذا الفصل السن المعتبر للأضاحي من مختلف الأجناس، حيث يجزئ في الضأن الجذع وهو نصف سنة، وفي المعز والبقر والإبل الثني وهو سنة وسنتان وخمس سنوات على التوالي. يُشدد على أهمية معرفة هذه الأعمار لصحة الأضحية.

شروط صحة الأضاحي والعيوب التي تمنع جوازها

يتناول هذا الفصل شروط صحة الأضاحي والعيوب التي تمنع جوازها، حيث يذكر أن الأضاحي يجب أن تكون خالية من العيوب، ويعدد أربعة عيوب تمنع جواز الأضحية وهي العوراء والمريضة والعرجاء والعجفاء. كما يوضح الحكم في حالة طرأ العيب على الأضحية بعد شرائها.

ختام وتوضيح المنهج العلمي المتبع في أحكام الأضحية

هذا الفصل يشير إلى أن معظم العلماء يتفقون على تفصيل معين في مسائل الأضحية، ويختتم بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم ويضيف صلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، لازلنا في مثل هذه المقامات، إخواني في الله، نتدارس وإياكم ما يتعلق بهم الأحكام المتعلقة بالأضاحي. وإن من المباحث المهمة في هذا الصدد أن نتعرف على السن المعتبر الذي ينبغي لكل مضحي أن يتقيد به، إذ أن الشرع جعل للسن التي تجزئ به الأضحية حدًا معينًا. وهذه الأسنان التي جعلها الشرع إنما تختلف باختلاف الأضاحي. مر معنا أن الأضاحي من أجناس ثلاث: من الإبل، ومن البقر، ومن الغنم. فعلى ظل هذه الأجناس تختلف الأسنان، تختلف الأعمار. فالسن المحدد، إخواني في الله، في حق الضأن، فإن أقل ما يجزئ في الضأن أن يكون جذعًا. وذاك لما ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله، أصابني جذع، فقال: «ضحي به». وعند النسائي قال: «ضحينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن». فالضأن، وهو من جنس الأغنام، يجزئ فيه أن يكون في سن الجذعة. واختلف العلماء ما هو هذا السن؟ فذهب جهابذة من العلماء إلى أن سنه هو نصف سنة، أي ستة أشهر. هذا أقل ما يكون في جنس الأضاحي إن كانت من الأغنام، من جنس الضأن. والضأن هو الغنم الذي ينمو عليه الصوف. فمن أراد أن يشتري غنمًا أو ما يسمى بالخروف من جنس الضأن، فليعلم أن أقل ما يجزئ في هذا الباب أن يكون عمره نصف سنة، ستة أشهر. دون ذلك فلا يجوز. أحيانًا يكون في الأسواق ما يباع في السن الرابعة، أربعة أشهر أو خمسة أشهر أو دون ستة أشهر، هذا لا يجوز، فلا تضحي به، فإنه ليس بأضحية. وأما ما يتعلق ببقية الأجناس، فلا يجزئ فيها إلا أن تكون من الثني. فالإبل يكون من الثني، والبقر يكون من الثني، والمعز يكون من الثني. من أراد أن يشتري هذه الأجناس فعليه أن يعرف هذه الأسنان. فإن كان ماعزًا، والفرق بين المعز وبين الضأن من حيث الذي ينمو عليه، فالضأن ينمو عليه الصوف، وأما المعز فينمو عليه الشعر، هذا الشعر المسترسل. فالمعز ينبغي أن يكون في سن الثني. وكم الثني من المعز؟ قال العلماء: سنة. وفي البقر لا بد أن يكون من سن الثني، وكم الثني من البقر؟ سنتان. وفي الإبل ينبغي أن يكون الإبل من الثني، وكم عمر الثني في الإبل؟ قال علماء: خمسة سنوات. فبهذا يا عبد الله، تتلخص لدينا الآن الأسنان المعتبرة، وهي أقل ما يمكن أن تضحي به. فما زاد فهناك مجال مفتوح. فإن جئت إلى الضأن فأقل ما يقال: ستة أشهر. وإن جئت إلى المعز أقل ما يقال: سنة. إن جئت إلى الأبقار أقل ما يقال فيه: السنتان. وإن جئت إلى الإبل: خمس سنوات. فما دون هذه الأعمار إن أردت أن تذبح على أنه أضحية لا يجزئ. هذا هو الشرط المعتمد عند أهل العلم، على خلاف بينهم في مسألة تحديد عمري هذا من هذا، لكن هذا هو الراجح. فتأتي مسألة، أخواني في الله، وهي قد يتساءل عنها كثير من الناس، ألا وهي: قد يقول قائل: وما أدراني صحيح؟ هذه مسألة مشكلة، أكثر الخلق ما يعرف. تذهب إلى السوق فتجد هذه الأجناس، وخاصة من المعز ومن الغنم ومن الضأن في الأسواق معروضة، وأنت في ذهنك هذه الأسنان المعتبرة، لكن كيف تميز أن هذا خمسة أشهر، هذا دون ذلك، هذا أكثر من ذلك؟ فإن استطعت يا عبد الله أن تميز هذا بنفسك، وتوجد طرق، توجد طرق، عند بعض أهل الخبرة، منهم من يحكم على الصوف بنفسه، صوف الضأن يعرف أنه قد بلغ أو لم يبلغ. ومنهم من حيث الأسنان يكشف عن أسنان الأغنام فيميز بين أعمارها. فإذا عندك خبرة بهذا المجال فذاك. أما إن لم تكن عندك خبرة، فحينها البائع مؤتمن، تسأل هذا البائع: عمره كم؟ فإذا أخبرك بالعمر فالقول قوله. فالبائع مؤتمن على بيعته، إلا إذا عرف عنه لؤم وعرف عنه كذب وغش وخديعة، فلا يؤتمن حينها. أما المشتري فهو ينظر، إذا وثق من هذا البائع ويقول: أخي أقول لك صدق، هذا ستة أشهر، والله لو كان دون هذا ما سأكذب عليه. فإذا اطمأننت إلى حكمه فالقول قوله. هذا إذا ما عرف عنه كذب. أما إذا عهد عنه الكذب مرارًا وتكرارًا، فلا تشتري منه. ثم تأتي مسألة مهمة جدًا، كذلك متعلقة بصحة الأضاحي، وهو الذي يعود إلى صفته. فإن الأضاحي، إخواني في الله، هو قربان، هي ليست أي ذبيحة، بل هو قربان تقربه في اليوم العاشر من ذي الحجة قربانًا لله باسم الأضحية، فهي نسك. ولهذا ينبغي للمسلم أنه إذا أراد أن يضحي يضحي بالأفضل والأكمل والأحسن. وسيأتي معنا في نهاية بحثنا ما يتعلق بأضحية رسول الله عليه الصلاة والسلام كيف كانت، حتى نتعلم ونتأسى بهديه. لكن إجمالًا، أنت في باب الأضحية اختر يا عبد الله الأكمل والأفضل والأحسن. فإن عثر على أن الأضحية فيها عيب في صفاتها، فأحيانًا يكون هذا العيب مضرًا جدًا على هذه الأضحية بحيث أنها لا تنفع أبدًا في باب الأضاحي. وأحيانًا يكون هذا العيب في صفته لا بأس به، يمكن أن تمررها. فهنا لا بد من التفصيل في موضوع العيوب. نبدأ أولًا بالعيب الأشد، وهي العيوب التي تؤثر على الأضاحي، فلا يجوز أن تذبحها. وما جاء من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أربع لا تجوز في الأضاحي»، وفي لفظه: «أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء التي لا تنقي». وفي رواية: «الكسيرة التي لا تنقي». هذه أربعة عيوب إن وجدت في شيء من الحيوانات من بهيمة الأنعام، فلا يجوز أن تضحي بها لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يجوز»، وفي لفظه: «لا يجزئ». فمن ذبحها مردود على وجهه. العيب الأول أن تكون عوراء، عوراء لكن بهذا القيد: بين عورها، البيّن بمعنى العور فيها واضح، العور فيها جلي. قال علماء: مثل أن تجد هذه الشاة مثلًا أنها مخصوفة العين، عينها غائرة في الداخل، أو أن هذه العين مدلدلة عيب، عوراء لكن الكتلة العين للخارج عيب فيها. أو تجد أن العين هذه مقلوعة قلعًا، فالعور واضح في هذه الأشياء، فلا تأتي إليها وتجعلها أضحية، هذا لا يجوز. وأشد من هذا العيب أن تكون عمياء، أن تكون عمياء، فالعمياء لا يجوز أن تضحي بها. وهكذا العوراء بشرط أن يكون العور جلي، أما إن كان فيها عور لكن العور ما يعرف إلا بالفحص والتدقيق، هذا لا عبرة به، عادي ضحي بها. الأمر الثاني أن تكون مريضة، كما قال نبينا: «المريضة البين مرضها»، أن يكون المرض فيها مستفحلًا، كما مثل العلماء: كأن يكون فيها جرب مجروبة، أو يكون فيها هذه الأمراض مما الذي تقرح في جلدها. وقال العلماء: وهذا ضابطه أن تعلم أن هذا المرض يؤثر في اللحم. الثالثة أن تكون عرجاء، والعرج أن يكون كذلك بينًا واضحًا جليًا. فإذا وجدت شاة يعني عندها عرج تعرج، فهذه العرجاء قال علماء: لا تنفع. لكن هناك من أهل العلم أن أتى بضابط، أحيانًا هذا العرج غير مؤثر، قالوا: كيف ذلك؟ قالوا: إذا وجدنا النشطة هذه عندها عرج خفيف مثلًا بحيث أنها تمشي مع الصحيحات ما أحد يسبقها. بل تسير معهم حتى إذا قال: يا أخي وين العرجاء؟ العرجاء مع الناس تسير مع الخلق مع الكوكبة. فقال علماء: إذا كان هذا العرج في هذه البهيمة لا يؤثر عليها في سيرها بحيث لا تتأخر عن أخواتها، بل تدخل حق بهم وتأكل معهم في المرعى وفي المشرب، قال: هذا العرج ليس ببين. الرابعة وهي العجفاء التي لا تنقي، العجفاء هي الهزيلة، هزلا شديدة لدرجة أنها لا تنقي. والنقاه مع أن نقي هنا بمعنى مخ العظام، مخ العظام من خلقة الله سبحانه وتعالى في الحيوان. فإذا كانت البهيمة بهذه الصورة عجفاء لا تنقي، أي لا يكون لها نقي في عظامها، هذه لا تستخدم أضحية. فأنت يا عبد الله، هذه العيوب الأربع: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين عرجها، والعجفاء بمعنى الهزيلة، هذه لا يجوز أن تقدم عليها كأضحية. أما سائر العيوب كما يسأل كثير من الناس عن الذي عنده عيب في قرنه كالمكسور، أو عيب في الأذن كأن يكون مقطوع، أو عيب في الإلية تكون مقطوعة إلى غير ذلك. فهذا إن شاء الله إن كانت عيوبة لكن لا بأس أن تضحي بها من حيث الجواز، لا بأس أن تضحي بها، لكن الأفضل والأكمل والأحسن أن تختار الأفضل في الخلقة والشكل، هذا لا شك. ولهذا يقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أستشرف الأذن والعين»، أي في باب الأضاحي، من الحرص على أن تختار الأحسن في الصفة. أختم هذا المقام إخواني في الله بمسألة يسأل عنها بعض الناس يقول: أنا اشتريت أضحية أو أنا ربيت أضحية أو أهديت إلي أضحية عندي في البيت وهي سليمة من الله ولله الحمد، لكن طرأ عليها العيب، طرأ عليها العيب، أصبحت تعرج وهي تعرج، إذن العرج طرأ عليها. أنت اشتريت بها بأحسن صفاتها لا عرج ولا شيء، أو كذلك أو أنها أدخلت رأسها في مكان ففقت عينها، فما هو الحكم؟ العلماء في هذه القضية على التفصيل قالوا: إن كان هذا العيب الذي طرأ على الشاة وعلى الأضحية بسببك أنت، بسببك أنت، أنت الذي كنت السبب في وجود هذا العيب فيها، فحينها تستبدل وتأتي بأخرى. تستبدل هذه الأضحية وتأتي بأخرى لأنك فرطت في هذه الأمانة، أنت مفرط، وقع منك إفراط، وقع منك تفريط، جعلتها في العراء أو جعلتها تبيت على سطح فوق الريح وليس هناك حاجز وهي بهيمة ما تعي ولا شيء، فسقطت، فهذا السبب من أسبابك أنت. أما إن كان العيب إنما طرأ على الشاة وعلى الأضحية من غير إهمال منك، لا والله ما فعلت شيء، جعلت في الحضيرة مثل باقي أخواتها، ما فعلت وأقفلت الباب في الحفظ والصون، لكن أصبحت الصباح فعلمت أن هناك مشاجرة وقع بين الكباش، فإذا بدقة جاءت في رجلها فانكسرت رجلها فأصبحت كسيحة، هل لي ضلع بهذا؟ لا، أنت لست لك بضلع، إذن ما حكمي؟ ضحي بها، ضحي بها ولا يضرك شيء. فصل على عبد الله هذا التفصيل دائمًا الناس يسألون عن هذه الأضاحي الذي تطرأ عليها العيوب، الجواب يرجع هذا إلى السبب، من كان السبب في وجود هذا العيب؟ إن كان السبب يرجع إلى إهمالك أنت فوقعت بين إفراط وتفريط، فهذه أمانة أنت أخللت بها، اضمنها. أما إن كان العيب طرأ من غير سبب منك وإن بتقدير الله وإما لشيء من الأسباب، فهذا لا تتحمل أنت شيء من ذلك، احفظها ولو كانت عوراء ولو كانت عرجاء لأنك ما كنت سبب، بل أنت اشتريتها على أحسن حال، فهذه خذها وضحي بها. هذا هو التفصيل الذي يسير عليه جل من العلماء في هذا الشيء. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.