الدرس في التعليق على نظم الورقات 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تعريف المرسل والمسند في علم الحديث، ويشرح آراء العلماء في قبول المرسل خاصة مراسيل الصحابة. يبين أن مراسيل الصحابة مقبولة عند أهل الحديث.
يناقش حكم مراسيل الصحابة والتابعين، ويبين أن مراسيل الصحابة تقبل إذا كانت منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابة آخرين. يوضح أن مراسيل سعيد بن المسيب تعتبر قوية بسبب تحريه في الرواية.
يناقش مسألة صيغ أداء الحديث ودلالتها على طريقة السماع، مثل 'حدثني' و'أخبرني'. يبين الشروط التي يجب توافرها لاعتبار الحديث متصلا، مثل عدم التدليس ولقاء الشيخ.
المؤلف يعلق على بعض النقاط في باب الأخبار، ويشير إلى أن هذا الباب يعتبر من أبواب المصطلح وليس من أبواب الأصول.
بسم الله الرحمن الرحيم محمد الله صلى الله عليه وسلم وبعد. قال الناظم رحمه الله تعالى: فحيثما بعض الرواة يفقدوا، فمرسل وما عداه مسندوا. وهذا كما قلنا عند أهل الوصول أن كل انقطاع في الإسناد يسمى مرسل، سواء كان الانقطاع في أثناء السند أو في آخره، فيسمونه مسند أو يسمونه مرسل، وما اتصل سنده يسمونه مسند. وقلنا أن هذا موجود في كلام أهل الحديث، لكنه ليس على أنه قسم، وإنما من باب الاشتقاق أو الفعل يسمونه إرسال، مثلا كما قلنا: قلوا فلان لم يسمع من فلان، أو فلان عن فلان مرسل. مثلا كما قلنا: عبد الله بن بريدة عن عائشة مرسل، أنا مرسل، أي لم يسمع فلان، بلال أو شبيب بن ميمون عن حذيفة مرسل، وعن معاذ مرسل، وهكذا، فيسمون الانقطاع إرسالا، لكن بالاشتقاق، لكن كاسم يسمونه منقطع. نصطلح على أهل المصطلح وأهل الحديث أنه منقطع، وما كان متصل الإسناد سموه مسند. وقلنا أن المسند عرفه الحافظ لأنه مرفوع صحابي ظاهره الاتصال، مرفوع صحابي ظاهره الاتصال، وقال ظاهر الاتصال ليدخل الإرسال الخفي والتدليس. قال رحمه الله: لاحتجاج صالح للمرسل، لكن مراسل الصحابي تقبل. وهنا كأنه يقول أن المرسل لا يقبل، ومذهب أكثر الأصوليين أنه مقبول ويحتج به، ونسب ذلك إلى مالك، ورواية عن أحمد. وأما الشافعي رحمه الله فقد بيّن في الرسالة أن المرسل لا يحتج به إلا إذا جاء ما يشهد له، فلهذا قال: فمرسلا وما عداه مسند للاحتجاج، أي المسند احتج به للاحتجاج صالح للمرسل، لكن مراسل الصحابي تقبل. فتبين من هذا أن المراسل لا تقبل، وهذا هو قول أهل الحديث، ولهذا قال الإمام مسلم رحمه الله: والمرسل في قولنا وقول أهل الحديث أنه لا يحتج به. وهذا المشهور عن أحمد كذلك، لكن قد ذكرت رواية في مذهبه أن المرسل يقبل. ثم قال: أن المراسل الصحابي تقبل، لكن مراسل الصحابي تقبل، معنى إذا كان المرسل مرسل صحابي فهو مقبول. ومراسل الصحابة الظاهر لا كما قال الشيخ من عثمين، هنا الشيخ مثل بمحمد بن أبي بكر، وهذا ليس مقصود العلماء من المرسل أو مرسل الصحابي. مرسل الصحابي مثل مراسيل ابن عباس، ابن عباس يقال أنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلا خمسة عشر حديثا، وبقية الأحاديث يرسلها أن يسمعها من الصحابة. وهكذا أبو هريرة، أبو هريرة لم يسمع كل هذا الأحاديث من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، لأنه يذكر أشياء لم يحضرها أصلا، وإنما أبو هريرة رضي الله عنه حضر بعد خيبر، وتجد أنه يروي أشياء حصلت في مكة، أشياء حصلت قبل خيبر، وهذا لا شك أنه سمعها من صحاب آخر. مثلا حديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، أبو هريرة ما كان هذا عنده الحديث، ولهذا لما ذهب إلى الطور لقيه أبو بصرة الغفاري، فقال له: من أين جئت يا أبا هريرة؟ قال: جئت من الطور. فقال: والله لو عرفت أنك تذهب ما تركتك تذهب، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. وهذا حجة على معنى الذين يقولون بجواز شد الرحال إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام أو غيره. فأبو بصرة رضي الله عنه نهى معنى يقول أبي هريرة: لو كنت أعرف أنك ستذهب ما تركتك تذهب، لماذا؟ لأنه عنده حديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. وهذا الطور هو المكان الذي كلم الله فيه موسى، فلعل أبا هريرة زاره لعله هناك مسجد أو غيره. ثم أن أبا هريرة كان يحدث بهذا الحديث، لكن على لفظ أبي سعيد، لعله سمعه من أبي سعيد. كذلك أنا: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، والمهم أن أبا هريرة معنى مراسيل هؤلاء الصحابة، جابر بن عبدالله يذكر أشياء حصلت للنبي صلى الله في مكة، وجابر لم يحضر مكة، وإنما جابر من أهل المدينة من الأنصار. أنس يذكر أشياء حصلت في مكة، حادثة معنى الإزار لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ إزارا، لكن هذا حدث به النبي صلى الله عليه وسلم. المهم أنه الصحابة رضي الله عنهم يحدثون عن أشياء لم يحضروها، إما أنهم كما قلنا أخذوها من صحابة آخرين أو أخذوها من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا المرسل للصحابة الذي يحتج به. وأما ما جاء عن بعض الصحابة الذين ضموا إلى الصحابة وهم لم يسمعوا من النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا بعضها العلم يقول أنه يعتبر مرسل صحابي، مثل روايتهم كرواية كبار التابعين، روايتهم كرواية كبار التابعين، وهذا قاله أبو حاتم رحمه الله. فهذا مرسل الصحابة الذي يقبل. قال رحمه الله: كذا سعيد بن المسيب أقبل في الاحتجاج ما رواه مرسل. وهذه المسألة حصل خلاف فيها بين الشافعية أنفسهم، وهل أن الشافعي رحمه الله قبل حديث سعيد المسيب؟ لأنه مثلا كان يتحرى، لا وإنما الذي عول عليه أكثر أهل العلم أن الشافعي تتبع تتبع آثار سعيد فوجدها موصولة، وجدها موصولة، لكن كثير من هذه الآثار غير موصول، غير موصول. فقولهم أنه تتبعها فوجد موصولة، هذا قد يكون ظن، لكن ممكن يكون الذي قاله الأولون أن الشافعي رحمه الله وجد أن سعيدا لم يكن يروي عن أحد إلا من كان ثبتا، لكن هذا ليس على إطلاقه، معنى ممكن أن سعيدا يأخذه من غيره ويرويه. والمهم أنه لا مزية لسعيد على غيره، لكن قد يقال أن مراسيل سعيد بن مسيب وجد منها ما هو موصول وصحيح. أما الإطلاق على أنها كلها صحيحة فهذا ليس بصحيح، الإطلاق على أنها كلها صحيحة هذا ليس بصحيح، ولا هو واقع على أنها كلها موصول، أقصد ليس بصحيح ولا هو واقع، بل وجد من مراسيل سعيد أنها لم توصل. والصحيح أن مراسيل سعيد تعامل كمراسيل غيره، مراسيل سعيد تعامل كمراسيل غيره، إلا أنه كما قال بعض العلم أن سعيد كان متحريا في الرواية، فالتحري هذا يجعل مراسيله أقوى، يجعل مراسيله أقوى من مراسيل غيره. مثلا مراسيل الحسن، مراسيل الحسن ضعيفة، حتى قال بعضهم كالحسن شبه الريح، مراسيل أيضا صغار التابعين كقتادة والزهري وعطاء وغيرهم من هؤلاء، غالبا مراسيلهم ضعيفة شديدة الضعف، لكن مراسيل سعيد تعتبر قوية. ومما يدل على أن الشافعي رحمه الله لم يقبل مراسيل سعيد كلها، أنه بعض المراسيل لم يقبلها، مثل مثلا النهي عن شراء هذا لم يقبله الشافعي رحمه الله، أو لم يقل به. قال رحمه الله: وَأَلْحَقُوا بِالْمُسْنَدِ الْمُعَنْعَنَ، المُعَنْعَن في حكمه الذي له تبين أن المُعَنْعَن السند المُعَنْعَن ألحقوه بالمتصل، لكن بشرطين: أنه أن يكون هذا الراوي غير معروف بالتدليس الذي يضر، وكذلك أن يكون قد لقيه على مذهب البخاري وابن المدينة. ولهذا ذكره هنا قال: في حكمه الذي له تبين. وقال: من عليه شيخه قرأ حدثني، كما يقول أخبر أنا إذا قرأ الشيخ للتلميذ أنا أنه سمع منه إذا عنعن وليس بالمدلس فإنه يحمل على اتصال، وهذا قول جماهير العلم خلافا لأبي سحاق السفرائيني، فعده من التدليس وعده من المنقطع، وهذا ليس صحيحا. قال رحمه الله: ولم يقل في عكسه حدثني، لكن يقول راويا أخبرني. معنى المراد أنه إن لم يسمع الحديث من شيخه فلا يجوز له أن يقول حدثني. وهنا الظاهر أراد الفرق بين التحديث والقراءة، معنى ما أخذه إملاءا واجتماع وما أخذه قراءة. وصحيح عدم التفريق، لكن الأفضل التبيين، الأفضل أن يقول إذا كان إملاءا حدثني وسمعت، إذا كان قراءة يقول حدثني قراءة وأخبرني قراءة، ما في شيء. فهذا قال: ولم يقل في عكسه حدثني، لكن يقول راويا أخبرني. وحيث لم يقرأ وقد أجازه يقول قد أخبرني إجازة. هنا ذكر بعض الأشياء المتعلقة بالحديث، وهي مسألة الصيغ، معلوم أن الحديث له صيغ أداء، صيغ تحمل، صيغ أداء هي التي تحمل بها الحديث، كيف تحمل؟ هل تحمل سماعا؟ هل تحمل قراءة؟ هل تحمل مناولة؟ هل تحمل إجازة؟ كيف تحمل هذا الحديث؟ كيف جاء هذا الحديث إليه؟ وهناك صيغ أداه على كيف يؤدي هذا الحديث إذا سمعه. قال حدثني وأخبرني وسمعت، هذه كلها صحيحة على المذهب الصحيح. وإذا قرأ قال أخبرني أو حدثني، ما في شيء، لكن الأفضل أن يقول أخبرني قراءة أو قرأت على فلان أو قرأ عليه وأنا أسمع. هذا كما قال الإمام أحمد، هذا حب إلي لأنه يبين كيف أخذ هذا الحديث، إما يقال قراءة على الشيخ أو يقال قرأ عليه وأنا أسمع أو يقول قراءة عليه، فهذا كلها الأفضل أن يقول. وإذا كان إجازة أجازه الشيخ إجازة صحيحة من معين لمعين لمعين، فهذا من الإجازات الصحيحة التي ممكن أن يقول أخبرني، عند المتأخرين تجاوزوا فيها. وأما أهل معنى القدماء من أهل الرواية ما كانوا يقولون أخبرنا في الإجازة، ما كانوا يقول أخبرنا في الإجازة إلا ما جاء عن أبي نعيم الفضل بن الدكين عن أبي اليمان، أقصد عن أبي اليمان الحكم بن نافع عندما أخذ من شعيب ابن أبي حمزة، وكان قد ترخص فكان يقول فأخذ هذه الأحاديث عن شعيب، منها ما هو سماع ومنها ما هو إجازة، فكان يقول في الكل أخبرني. والإمام أحمد في رواية قال: هذا لا يعجبني. وفي رواية أن أبا اليمان قال: عرضت ذلك على أحمد فقال أحسنت. لكن الإمام أحمد مذهبه أن الأفضل التبين، الأفضل أن يبين. قال: وحيث لم يقرأ وقد أجازه يقول قد أخبرني إجازة، أنه هذا أفضل إذا كان يريد أن يعبر بأخبرني، يقول أخبرني إجازة، لأنه لو قال أخبرني دون أن يقول إجازة يوهم أنه أخذه سماعا أو أخذه عرضا، عرضا معنى قراءة. طيب هذه بعض الأشياء التي ذكرها المؤلف هنا في باب الأخبار، وإن قلنا هذا الباب هو أصلا من أبواب المصطلح وليس من أبواب الأصول. والله تعالى أعلم.