الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 23، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الطهارة نصف الإيمان وهي شرط أساسي للصلاة، ولها منزلة عظيمة في الدين. الطهارة المقصودة هنا هي الطهارة الحسية.
الصلاة نور مطلق للإنسان، والصدقة برهان على صدق إيمان صاحبها، والصبر ضياء وهو نور مع إشراق. هذه الأعمال تنفع الأرواح وتجلب الأجر عند الله.
الصبر يحتاج إلى تحمل ويكون على أنواع مختلفة، مثل الصبر على الطاعة والصبر على المعصية والصبر على أقدار الله المؤلمة. الصبر من الأعمال التي تجلب النور والإشراق.
النهار هو الوقت الذي ينشط فيه الناس للبحث عن مصالحهم، وقد جعله الله تعالى معاشًا للناس ليبتغوا رزقهم. القرآن الكريم يشير إلى أهمية النهار في الحياة اليومية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى شرف النووي رحمه الله في كتاب الأربعين النووية: الحديث الثالث والعشرون. عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». قال رواه مسلم. قال الشارح -فقه الله-: هذا الحديث رواه مسلم وحده دون البخاري، فهو من أفراده عنه. والحديث أخرجه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن سلام، عن أبي مالك. وأخرجه النسائي وابن ماجة من رواية معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك. فزاد عبد الرحمن بن غنم. ورجح بعض الحفاظ هذه الرواية: رواية معاوية بن سلام، وقالوا: إن معاوية أعلم بأحاديث أخيه زيد من يحيى بن أبي كثير. ولذلك أعلى بعض الحفاظ رواية مسلم بالانقطاع. والحديث صحيح، وهو في خارج الصحيح عند الترمذي وابن ماجة والنسائي بسند صحيح. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان»، هو بضم الطاء، والمراد به فعل التطهر، يعني فعل الوضوء. والشطر هو النصف، أي: نصف الإيمان. والطهارة المقصودة في الحديث هي الطهارة الحسية المعروفة عند الفقهاء؛ لأنها هي المعهودة في الخطاب الشرعي عند الإطلاق. يعني: إذا أطلق الشرع لفظ الطهور أو الطهارة، فالمراد بها الطهارة الحسية: طهارة البدن من الأحداث والأنجاس. لأن بعض أهل العلم قال: المراد بقوله: «الطهور شطر الإيمان»، أي: الطهارة من الذنوب والمعاصي. واستدل بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ نَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ يعني: من الذنوب. وإن كان التطهر يطلق على هذا المعنى: المعنوي الذي هو الطهارة من الذنوب والخطايا، لكن المراد في هذا الحديث الطهور هنا بالمعنى المعهود المعروف في الشرع، وهو الطهارة من الحدث والنجس. قال: ووقوع الطهور من الإيمان بمنزلة الشطر، بالنظر إلى مقابلة شرائع الدين. وتقدير الحديث: فعل الطهارة نصف شرائع الدين. وذلك لما في الطهارة من أجور عظيمة، وهي أيضا أعظم شروط الصلاة، فلا تصح الصلاة إلا بالطهارة. والصلاة من الإيمان، بل سماها الله عز وجل إيمانا في قوله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. ومعلومة للصلاة منزلة عظيمة في الدين، والطهور من أعظم شروطها، فكان الطهور بالنسبة إلى بقية شرائع الدين بمنزلة النصف. قال: واتفق وقوعه شطرا لها؛ لأن طهارة العبد لها موردان: أحدهما طهارة ظاهرة من بدنه، وتكون بالطهارة الحسية المعروفة عند الفقهاء، يعني: بالطهارة الشرعية التي أمر الله جل وعلا بها للصلاة، من رفع الحدث وإزالة النجس. والآخر طهارة باطنة، وتكون بامتثال بقية شرائع الدين، بالقيام بالصلاة والصيام والحج والزكاة وغير ذلك من الشرائع. قال: ففعل الطهارة يطهر الظاهر، يعني: من الأنجاس والأحداث، وبقية شرائع الدين تطهر الباطن من النفاق والكفر. قال: وقوله: «وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض»، هكذا وقع الحديث على الشك عند مسلم، فله تركيبان. أحدهما: أن يكون المراد أن الكلمتين مقرونتان تملآن ما بين السماء والأرض، يعني: أن تقول كلا الكلمتين والجملتين: سبحان الله والحمد لله. والآخر: أن تكون كل واحدة منهما تملأ ما بين السماء والأرض، يعني: قولك: سبحان الله وحدها تملأ ما بين السماء والأرض، وقولك: الحمد لله وحدها تملأ ما بين السماء والأرض. قال: فعلى الأول: سبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض. وعلى الثاني: سبحان الله تملأ ما بين السماء والأرض. وكذلك ورد في رواية النسائي وابن ماجة في هذا الحديث: «والتسبيح والتكبير يملآن ما بين السماء والأرض». وهذا اللفظ عندهما أصح من جهتين. إحداهما: من جهة الرواية؛ فإنه أصح، فهو أوثق رجالا وأثبت اتصالا من رواية مسلم، كما ذكرنا أن رواية مسلم أعلت بالانقطاع، ورواية النسائي وابن ماجة متصلة، فهي أصح. قال: وتقديم مسلم على السنن هو في الجملة، يعني: من حيث الجملة أن صحيح مسلم أصح، يعني: ما في مسلم أصح مما في السنن. قال: ولا يقتضي أن يكون كل حديث فيه أصح من نظيره عندهم، فالتقديم كلي لا تفصيلي، يعني: قد يوجد في بعض الأحاديث تكون خارج الصحيح وهي أصح مما في الصحيح، وهذا قليل، لكن يوجد. لكن من حيث الجملة فصحيح مسلم أصح مما في السنن. ويريد بهذا أن هذه الرواية وإن كانت في السنن فهي أصح مما في صحيح مسلم، فيكون هذا من هذا النوع الذي ورد في خارج الصحيح وهو أصح مما في الصحيح. قال: والأخرى من جهة الدراية، يعني: من جهة المعنى. قال: فإنه يبعد أن تكون الحمد لله وحدها تملأ الميزان كما في لفظ الحديث، فإذا ضمت إلى التسبيح نقص قدرها، فصارت تملأ ما بين السماء والأرض؛ لأن ملء الميزان أعظم مما بين السماء والأرض. فرواية النسائي هي الأصح. قال: فالمقدم هو اللفظ الواقع عند النسائي وابن ماجة: «أن التسبيح والتكبير يملآن ما بين السماء والأرض». فتكون الرواية الصحيحة: «والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والتسبيح والتكبير يملآن ما بين السماء والأرض». بهذا اللفظ: «التسبيح والتكبير يملآن ما بين السماء والأرض». قال: وقوله: «الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء»، تمثيل لهذه الأعمال بمقادير ما لها من الإنارة. فهي في ثلاث مراتب. أولاها: النور المطلق، وهو وصف الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة نور». وثانيها: البرهان، وهو وصف الصدقة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان». وفي بعض الروايات: «والزكاة برهان». والبرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس محيطا بقرصها، أي: الهالة التي تحف بالشمس من الشعاع. وأصل الهالة هو دائرة تكون حول القمر. فالبرهان: الشعاع الذي يلي وجه الشمس محيطا بقرصها. قال: وثالثها: الضياء، وهي في قوله صلى الله عليه وسلم: «والصبر ضياء». وهو النور الذي يكون معه إشراق دون إحراق. قال: ووقع في بعض نسخ صحيح مسلم: «والصيام ضياء»، يعني: بدل «والصبر ضياء». قال: «والصيام ضياء». قال: وهو مفسر للصبر؛ لأنه فرد من أفراده، يعني: من أفراد الصبر الصيام، بل هو أعظم أفراد الصبر. قال: واشتهرت نسبة الصيام إلى الصبر؛ لما فيه من الإمساك والمشقة، بفط النفس عن مألوفاتها. فالنفس تحب أن تأتي إلى شهواتها وملذاتها من مأكل ومشرب ومنكح. فإذا صام، صبر نفسه على ترك هذه المألوفات وترك هذه المباحات. فلذلك سمي الصيام بالصبر، ويسمى شهر رمضان بشهر الصبر؛ أن الإنسان يصبر فيه شهرا كاملا على هذه العبادة العظيمة، بحبس النفس عن مألوفاتها ومحبوباتها تقربا إلى الله جل وعلا. فهنا الآن وصف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة بأنها نور؛ لأنها نور للإنسان في قلبه، ونور في جوارحه، ونور في حياته، ونور في قبره، ونور يوم أن يبعث، فهي له نور إلى أن يدخل الجنة. فلذلك وصفت الصلاة بالنور المطلق، فهي له نور في سائر أحواله. وصدق برهان، أي: على إيمان صاحبها. وذلك أن المال محبوب للإنسان، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ أي: المال. فالإنسان يحب المال، فإذا أخرج هذا المال وتصدق به وأنفقه، دل هذا على صدق إيمانه؛ أنه أخرجه تقربا إلى الله وطلبا للأجر والثواب من الله. فما أخرج هذا المال المحبوب لنفسه إلا لما هو أحب له، وهو نيل رضا الله جل وعلا. فدل هذا على برهان إيمانه وصدقه. فلذلك سميت الصدقة برهانا، أي: على إيمان صاحبها. والصبر ضياء، أي: أنه نور لصاحبه مع شيء من الحرارة؛ لأن الصبر يحتاج إلى تحمل. ولهذا قيل: «والصبر كاسمه مر مذاقته، لكن عقباه أحلى من العسل». فالصبر يحتاج إلى تحمل، والصبر على الطاعة يحتاج إلى صبر في فعلها والمحافظة عليها ولزومها. كذلك المعصية تحتاج إلى صبر في تركها. ربما إنسان تدعوه نفسه إلى فعل المعصية، لكن يصبر ويأخذ بزمام نفسه إلى ما فيه رضا الله جل وعلا، ويحبسها عن معصية الله. فترك المعاصي يحتاج إلى صبر. كذلك الصبر على أقدار الله المؤلمة يحتاج إلى صبر وحبس للنفس. لأجل ذلك هذه الأنواع الثلاثة التي يصبر عليها المسلم فيها شيء من المرارة والشدة، لكن العاقبة عظيمة ما يناله من الأجر والثواب عند الله جل وعلا، يجعله يهون عليه ما يناله من ألم الصبر وشدته. قال: فهذه الأعمال الثلاثة مشبهة بمقاديرها من الأنوار. وهذا التشبيه له متعلقان: أحدهما منفعتها للأرواح في الحال، والآخر أجورها عند الله في المآل، يعني: في المستقبل. قال: فمنفعتها للروح في الحال بمنزلة انتفاع الخلق بالنور والبرهان والضياء. فانتفاعهم بالنور أكبر من انتفاعهم بالبرهان؛ لأن النور أشد وأكثر وأعظم. بخلاف البرهان فهو أقل. وانتفاعهم بالبرهان أكبر من انتفاعهم بالضياء. فتكون الصلاة أنفع للروح من الصدقة، وتكون الصدقة أنفع للروح من الصبر. قال: وأما منفعتها في الأجر عند المآل، فيكون باعتبار ما يحوزه العبد منها من الأجر على هذه الأعمال، يعني: ما يتحصل عليه من الأجر والثواب عند الله جل وعلا. قال: فهي مرتبة في أجورها في المآل على الوجه المذكور في الحديث. فتكون أجر الصلاة أعظم، ثم أجر الصدقة، ثم أجر الصيام. قال: وملاحظة هذا المعنى في الأمرين المذكورين يقوي أن قوله صلى الله عليه وسلم: «والصبر ضياء» يراد به الصيام. كما وقع في بعض نسخ صحيح مسلم؛ لأنه نزل تلك المنزلة بمنفعته للروح وترتيبه في الأجر، يعني: المراد بالصبر الصيام. ولو جعل على عمومه، أي: مطلق الصبر، ومنه الصيام. لكن قد يقال: إن المناسبة ما قرن بذكر الصبر مع ذكر الصلاة، وقبله الصدقة. وفي بعض رواية: الزكاة. يكون المناسب هنا المراد بالصبر هنا الصيام؛ التي هي ركن من أركان الإسلام كالزكاة والصلاة. قال: وقوله: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها». وقبل ذلك: «والقرآن حجة لك أو عليك»، يعني: حجة لك إن عملت بما فيه، وحجة عليك إن خالفت ما فيه. قال: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها»، معناه: أن كل أحد من الناس يسعى في أول النهار. فالغدو اسم للسير أول النهار. فمنهم ساع في فكاك نفسه وعتقها، يعني: من النار، بفعل الطاعات ولزوم الواجبات وترك المحرمات. ومنهم ساع في إباقها، أي: إهلاكها. فمعتق نفسه، فبائع نفسه، يعني: لله. بائع نفسه لله بلزوم الطاعات وترك المحرمات، فهو يعتق نفسه من النار. أو موبقها، يعني: مهلكها، موقعها في الهلاك ومعرض للعقوبة، بترك الواجبات أو فعل المحرمات. قال: فمن سعى في طاعة الله أعتق نفسه من العذاب. ومن سعى في معصية الله أوبقها بما يستحق من العقاب. قال: وذكر الغدو فيه إشارة إلى المبادرة بالأعمال في أول النهار. كل الناس يغدو، يعني: في أول النهار، فيه إشارة إلى أن ينبغي المبادرة والتبكير في الأعمال في أول النهار. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». فالتبكير فيه بركة، سواء كان في أعمال الدين كحفظ القرآن أو مراجعته، أو كان في أعمال الدنيا للعمل والتكسب. ففي أول النهار بركة. قال: لأنه محل الانتشار في ابتغاء مصالح العبد. والله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلَ النَّهَارَ مَعَاشًا﴾.