شرح عقيدة الإمام الشافعي 8

الدرس في شرح عقيدة الإمام الشافعي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

عقيدة الإمام الشافعي في الصحابة وتوقيرهم

يتناول هذا الفصل عقيدة الإمام الشافعي في الصحابة وفضلهم ومنزلتهم العالية عند الله، ويبرز توقيره لهم واعتباره إياهم أعلم الناس بدين الله. كما يرد على الفرق الضالة التي تسبهم أو تفضل عليا عليهم.

أهمية فهم الصحابة للنصوص الشرعية وتقديم أقوالهم

يؤكد هذا الفصل على أهمية فهم الصحابة للنصوص الشرعية وتقديم أقوالهم على اجتهادات الأئمة، مشيرا إلى أن الأئمة كانوا يأخذون بأقوال الصحابة إذا لم يكن هناك حديث صريح عن النبي. كما يبين ضرورة فهم السنة بفهم السلف.

موقف الإمام الشافعي من الصحابة وترتيبهم ووجوب توقيرهم

يتناول هذا الفصل موقف الإمام الشافعي من الصحابة وترتيبهم، حيث يروي تفضيله للخلفاء الراشدين على حسب ترتيبهم في الخلافة، ويحذر من الصلاة خلف من ينتقصونهم. كما يبين أن انتقاص الصحابة نقص في الدين.

خاتمة وتأكيد على أهمية اتباع فهم السلف

يتمنى الكاتب أن يكون قد وفق في الكتابة بإذن الله، ويقر بأن العلم الكامل لله تعالى، مؤكدا على أهمية ما سبق من اتباع فهم السلف وتوقير الصحابة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال المؤلف: المبحث الرابع: عقيدته في الصحابة، أي عقيدة الإمام الشافعي في الصحابة. قال: إن حرص أهل العلم على إدراج مسألة الصحابة في أصولهم إنما ظهرت بعد أن أظهر أهل البدع الباطلة القول بعدم إمامة أبي بكر وعمر، والطعن في الصحابة وانتقاصهم والقدح فيهم. فمن هنا حرص الأئمة على بيان عقيدتهم في شأن الصحابة، ومن هؤلاء الشافعي رحمه الله. لما ظهرت الرافضة وقدموا عليا على أبي بكر وعمر، ومنهم من كان يسب أبا بكر وعمر، بل ومنهم من ذهب إلى ما هو أعظم بتأليه علي رضي الله عنه. فكان الشيعة على ثلاثة أقساب: الشيعة كانوا على ثلاثة أقساب: المؤلهة الذين يؤلهون علي، قوم عبد الله بن سبأ اليهودي لعنه الله، وكذلك السابة المؤلهة، والسابة الذين يسبون الصحابة رضي الله عنهم، وخاصة أبا بكر وعمر، والمفضلة الفرقة الثالية المفضلة الذين يفضلون عليا على أبي بكر وعمر. وهذه أهوى طوائف الشيعة المفضلة هي أهوى طوائف الشيعة. وهذه الثلاثة الأقسام من الشيعة وجدوا كلهم في الكوفة، كذلك وجدوا في بعض المناطق، لكن أكثرهم تجمعوا في الكوفة. وكان عبد الله بن سبأ في المدينة وهو من المؤلهة، وكان يحرص على الفتنة بين الناس. فأما لما أله علي رضي الله عنه جمعهم وحفر لهم خندقا، وأما عبد الله بن سبأ فقد فر أخزاه الله ولم يعثر عليه علي رضي الله عنه. ويقال إنه مات في الصحراء مات بعيدا مات جوعا وضمعا، ويقال إنه قتل، الغالب أنه لم يعلم مصيره بعد أن هرب لم يعلم مصيره بعد أن هرب. لكن بعضهم يذكر روايات لكنها ليست بذلك الصحة. فالمهم أن هذا الرجل جعل له أناسا أن له علي رضي الله عنه. فلما سمع علي أن هؤلاء يؤلهونه جاء وحفر لهم خندقا وأمرهم بالرجوع فلم يرجعوا فألقاهم في تلك النار. قال علي رضي الله عنه: فلما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرة، قنبرة هذا مولى لعلي دعاه لأجل أن يأتي معنا من لم يرجع فإنه يلقيه في النار. لكن يقول ابن عباس: لو كنت مكانه لما فعلت ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا يعذب بالنار إلا رب النار. لكن علي تعجب من هذه الجرأة التي جاءته أن كيف يجعلون رجلا بشر مثلهم يجعلونه إله. أن هؤلاء طارت عقولهم وذهبت. وظن رضي الله عنه أنهم سيرجعون بهذا. قال: قال الصحابة: لهم من الفضل ما ليس لأحد من بعدهم. قال: أورد البيهقي عن الشافعي أنه قال: أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل. ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة وذلك مثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما﴾. فربنا جل وعلا أثنى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر من آية. ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾. وقال أيضا سبحانه وتعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾، أي الصحابة: إن آمنوا بمثل إيمان الصحابة فقد اهتدوا. فلهذا أثنى الله عز وجل على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل. قال: وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعده. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أو نصيفه». لفضلهم عند الله عز وجل. قالوا: هنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين. فهم أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه والوحي ينزل عليه، أي شاهدوا النبي عليه الصلاة والسلام فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما وإرشادا. وهذا كلام الإمام الشافعي يدل أن الصحابة هم أعلم الناس بدين الله، هم أعلم الناس بدين الله عز وجل. ومن سلك طريقهم سلك الطريق الصحيحة. قال: وعرفوا سنته ما عرفنا، وجهلنا ما نعرفهم. عرفوا السنة أما نحن فقد عرفنا وجهلنا. وهذا قمة تواضع الإمام الشافعي رحمه الله. لا كما كان بعض الحنفية يقولون: هم رجال ونحن رجال. وقال بعضهم: إذا جاءنا القول من الصحابة فإنا نقول به، وإذا جاءنا القول من التابعين فإنهم رجال ونحن رجال. فهذا كلام غير صحيح. فمن عرف علمه لا كمن لم يعرف علمه، ومن عرف اتباعه لا كمن لم يعرف اتباعه. فالتابعون هم أتباع الصحابة رضي الله عنهم، أتباع الصحابة رضي الله عنهم، فهم على طريقة مستقيمة. وأما أنتم فلا ندري هل أنتم على طريقة صحيحة أو لا. بل غالب هؤلاء كانوا يخالفون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، أي من علم الكتاب والسنة. أما العلوم المتجددة أو العلوم التي لا دخل للإسلام فيها فهذا شيء آخر قد لا يعلمها الصحابة، مثل علم الفلسفة، فهذا من العلوم التي لا يعلمها الصحابة. وأيضا علم الكيمياء، معنى الكيمياء ليس هذا الكيمياء الآن، وهو مثله، لكن كان يستخدمونه في السحر، كانوا يستخدمون علم الكيمياء في السحر، فيصنعون عقاقير لأجل السحر. قال: وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآرائهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا. والله أعلم. الشافعي رحمه الله كان رجلا فصيحا، معنى من بلغاء العرب، ولم يشكك أحد في عربيته إلا بعض المبتدعة. وقد رد عليهم بعض الأئمة كالبيهقي وغيرهم، رد على من شكك في عربية الإمام الشافعي رحمه الله. والشافعي رحمه الله تعلم عند العرب اللغة، كان يذهب إلى العرب ويأخذ منهم كلمات التي يستخدمونها. فلهذا كان عربيا قحا، معنى كان يتكلم بالعربية الفصحى. ولهذا تجد أن كتابه «الرسالة» كان كتابا عظيما، شرحه أكثر من عالم، لكن عباراته كانت قوية جدا. فلهذا تجد أحيانا يختلفون في توجيه كلامه. قال: التعليق على هذا النص: لقد بين لنا الإمام الشافعي رفيع منزلة أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، دينا وعلما وعملا واجتهادا وفهما للنصوص. وأنهم يقدمون ويفضلون على جميع الأمة، وأنهم يقدمون ويفضلون على جميع الأمة على الإطلاق. ومن أهم ما يتضمنه هذا النص هو أن فهم الصحابة للنصوص واجتهادهم أولى من فهمنا واجتهادنا. وهذا أيضا مسألة عظيمة، وهو تقديم فهم الصحابة على أفهامنا وعلى أفهام غيرهم. ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله إذا جاء القول عن الصحابة ولم يخالف أحد من الصحابة فإنه يأخذه، يأخذ قولهم إذا كان الحديث مشكوكا فيه الذي جاء في المسألة، إن كان لم يأت فيه حديث فيأخذ بقول الصحابة، إلا إن كان هناك حديثا صريحا عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يأخذ بالحديث. وهكذا كان الإمام الشافعي رحمه الله يأخذ بأقوال الصحابة، إلا أنه أحيانا يجتهد في بعض المسائل. وأيضا الإمام أحمد أطالع لأقوال الصحابة أكثر من اطلاع الشافعي. له أن الإمام أحمد مطلع أكثر في هذا الباب ومتتبع لحديث وآثار الصحابة، بخلاف الإمام الشافعي رحمه الله، فإنه إن كان من أهل الحديث لكنه لم يكن متتبعا لآثار الصحابة كأحمد. ولهذا الشافعي يقول لأحمد: يا أحمد، أنتم أعلم بالحديث منا. فإذا صح الحديث فقولوا لنا حتى نتبعه، أنه إذا صح الحديث نأخذ به وندع آراءنا وما نقوله. لهذا غضب الإمام الشافعي لما قال له ذات الرجل لما خرج من المسجد: يا أبا عبد الله، حديث كذا وكذا أتقول به؟ وغضب وقال: تراني خرجت من كنيسة؟ أتراني علي زنارين معنا مثل يهود معنا؟ هل تراني نصرانيا أو يهوديا حتى لا آخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فلهذا فكان هؤلاء الأئمة من أكثر الناس اتباعا للنبي عليه الصلاة والسلام. لكن أحيانا لا يصلهم الدليل، وأحيانا أيضا لا يكون هناك دليل في المسألة واضح فيجتهدون رحمة الله عليهم. فكانت أفهامهم عظيمة. الآن الناس يأخذون بأفهام هؤلاء الأئمة، لا يقول مثلا القائل كما يقول هؤلاء المتعصبة: كيف لا تأخذون بكلام الشافعي أو لا تأخذون بكلام أحمد أو لا تأخذون بكلام مالك أو كذا لا؟ نحن نأخذ بكلامهم جميعا. أنتم الذين لا تأخذون بكلام أحمد وتأخذون بكلام الشافعي فقط، أو تردون كلام مالك وكلام أبي حنيفة وتردون أيضا كلام الثوري وابن المبارك. أنتم تردون كلام الأئمة كلهم وتقبلون واحدا. أما نحن فنأخذ كلامهم جميعا. لكن إذا اختلفوا فإننا نرجح من كان أصوب إلى الدليل، من كان كلامه أقرب إلى الدليل فهو الذي نأخذ بكلامه. فلهذا فتعظيمنا لهؤلاء الأئمة أعظم من تعظيم المتعصبة، يعني الذي يأخذ العلم من هؤلاء الأئمة والفهم منهم، لكن كل من كان فهمه أقرب إلى الدليل فهو الذي أخذ كلامه. والذي أخذ كلامه فنحن لم نخرج عن كلام الأئمة. فالشاذ هو الذي يخرج عن كلام هؤلاء الأئمة، وليس معنى الأئمة الأربعة فقط، بل هناك أئمة كثيرون هم أيضا مجتهدون في العلم وفي الفقه، كالأوزاعي، كالليث، كعبد الله المبارك، كسفيان الثوري، وغيرهم من أئمة الإسلام. فالمهم أن هؤلاء لا يترك أفهامهم، بل هذه أفهامهم هي التي قربت هذا العلم. فأفهامهم فهم كما يقول بعضهم: العلم هم مصابيح الدجى، وهم حلقة الوصل بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بيننا وبين كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فنفهم العلم ونفهم الأحاديث والآيات بكلام هؤلاء. وأولى الناس هم الصحابة والتابعون. لكن إذا لم نجد من كلام أولئك فإننا نستعين بكلام هؤلاء الفقهاء رضي الله عنهم. قال: قال: هو أن فهم الصحابة للمصوف واجتهادهم أولى من فهمنا واجتهادنا. ويستنبط من هذه القاعدة أنه لا بد لأهل السنة أن يعملوا بالسنة، ولكن يفهمونها بفهم سلف أهل السنة، وهم الصحابة. وهذه قاعدة عظيمة النفع في باب الاعتقاد وباب الفقه وأصوله. فإن كثيرا من أهل البدع انحرفوا عن السنة لأنهم فهموا السنة بفهمهم هم، لا بفهم الصحابة والسلف الأمة رضي الله عنهم. وبسبب الفهم الخاطئ للنصوص وعدم الأخذ بفهم السلف وقع الجهمية والمعتزلة والماتريدية والأشعرية والخوارج والمرجئة والصوفية والقبورية وغيرهم في الفرق المبتدعة في أنواع من العقائد الفاسدة التي تناقض التوحيد. لأنهم لم يأخذوا بفهم الصحابة رضي الله عنهم، وإنما أخذوا بأفهامهم. ولو أخذوا بفهم الصحابة ووقفوا حيث وقف الصحابة لكانوا على دين عظيم. تجد مثلا الآن هذه الاستغاثات التي يستغيثون بها أهل القبور، هل هي عند الصحابة؟ لم يفعلها الصحابة، ولم يأتوا عند القبر أيضا، حتى الزيارة ما كان أحد من الصحابة يأتي ويزور القبر إلا ما كان من عبد الله بن عمر، لكن إذا جاء من السفر. قال: التفاضل: وأيضا من الأمور المهمة أن الصحابة رضي الله عنهم محبتهم دين، كما قال الإمام الطحاوي: محبتهم إيمان ودين، وبغضهم كفر ونفاق. وأيضا فسوق، فبغض الصحابة إما أنه كفر بالله عز وجل إذا كان يبغض الصحابة كله، وإذا كان يبغض بعضهم أيضا قد يكون نفاقا، وإذا كان يبغض وحدهم لأجل مسألة معينة فقد يكون أيضا من الفجور أو الفسق. فلهذا فإيمان الصحابة وبحبتهم إيمان. قال النبي عليه الصلاة والسلام للأوس: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». وقال في علي رضي الله عنه كما جاء في الحديث: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه العهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق». قال: التفاضل بين الصحابة: قال: وخرج البيهقي عن الربيع بن سليمان المرادي قال: سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وهذا قول أكثر أهل السنة أنهم يفضلون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. أما تفضيل أبي بكر وعمر لم يختلف فيه المسلمون، لم يختلف أهل السنة فيه منذ زمن الصحابة إلى اليوم. وأما تفضيل علي على عثمان أو تفضيل عثمان على علي فقد حصل الخلاف قديما عند بعض أهل الكوفة، حتى إن بعضهم كان من أهل السنة كسفيان الثوري، ثم تراجعوا عن هذا. وبين سفيان أن من فضل عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، لماذا؟ لأنهم هم الذين اختاروا عثمان على علي وفضلوا عثمان على علي. وكما جاء في حديث عبد الله بن عمر: كنا نفضل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. وجاء في رواية غير البخاري: ثم علي. والرسول صلى الله عليه وسلم كان حيا. فمشى على هذا السلف رحمهم الله، وأهل السنة جميعا. حصل كما قلنا خلاف في تفضيل علي على عثمان، لكن قال العلماء: أن هذا الخلاف لا يؤدي إلى التبديع، كما ذكر شيخ الإسلام ابن عثمان رحمه الله، لأنه حصل من أهل السنة. والمهم أن استقر بعد ذلك قول أهل السنة في تفضيل عثمان على علي. وأما الخلافة فهي على ما جاءت به: الخلافة أولا خلافة أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن عثمان رحمه الله: من قال أن عليا أفضل من عثمان فهذا لا يبدأ، لكن من قال أن عليا نحق بالخلافة من عثمان، قال: فهو أضل من حمار أهله. قال: فهو أضل من حمار أهله، فعن أضلاله بين، لماذا؟ لأن عثمان اختير بإجماع من كان في ذلك المجتمع الصالح، أن اختاره أكثر السلف وأكثر الصحابة. فلهذا فصار كالإجماع، وصار خليفة معتبر. أما يأتي معناه واحد متأخر ويقول: لا، كان علي أولى بالإمامة من عثمان. أو يأتي أمثال هؤلاء الشيعة، ومن اتبعهم كسيد قطب وغيره، فيقولون: أن خلافة عثمان فجوة ليست خلافة راشدة. انظر إلى هذا الجهل: يقولون أن عثمان خلافته ليست خلافة راشدة، وإنما هي فجوة بين الخلافة الراشدة بين أبي بكر وعمر وعلي. هكذا يقول سيد قطب وغيره: أن خلافة عثمان فجوة بين الخلفاء، مع أنه أكثر خلافة كانت لعثمان. أبوبكر صار خليفة سنتين، وعمر عشر سنوات، وعثمان اثنى عشر سنة، وعلي خمس سنوات، معنى أكثرهم خلافة هو عثمان رضي الله عنه. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عثمان، إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصا قمصك الله إياه فلا تخلعه». سماهم النبي صلى الله عليه وسلم منافقين: «إن أرادك المنافقون أن تخلع قميصا، أي هو قميص الخلافة، أن تخلع قميصا قمصك الله إياه فلا تخلعه». قال: «لا تطيعهم وتخلع هذا القميص»، وهو الخلافة. قال: وأخرج البيهقي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو صاحب الشافعي، هو مصري، أبو عبد الله المصري، وتفقه على الشافعي رحمه الله. لكن بعد موت الشافعي رجع إلى مذهب مالك، إلى مذهب أبيه. وعبد الله بن الحكم كان مالكيا، وكان صاحب الشافعي. وأما محمد بن عبد الله فدرس عند الشافعي وأخذ مذهب الشافعي، لكن لما مات الشافعي تحول إلى مذهب مالك، تحول إلى مذهب أبيه. ويقول الشافعية: أن ابن عبد الحكم تحول إلى مذهب الشافعي، لأن الشافعي لم يختاره بعده. لكن هذا الكلام قد يكون غير صحيح، قد يكون أن الرجل رأى أن مذهب مالك هو أولى فذهب إلى مذهب مالك. والله أعلم. صحيح أن ابن عبد الحكم كان يظن أن مالكا أو أن الشافعي سيجعله معنى سيخلفه بعده لذكائه ولحفظه. لكن الشافعي رحمه الله لم يرتض أن يقدم على البويطي أحدا. فأعظم أصحاب الشافعي هو البويطي، لأنه كان فقيها. فلهذا الشافعي رحمه الله قبل أن يموت أوصى بأن يجلس البويطي في مجلسه. وأيضا ذكروا رواية ما علم الآن صحتها: أن الشافعي رحمه الله قال: أما البويطي فيبتليه الله عز وجل ويموت في الفتنة. وأما ابن عبد الحكم فيرجع إلى مذهب أبيه. وأما فلان فكان يتفرس فيهم رحمه الله، وكان عنده فراسة عظيمة، معنى عنده فراسة عظيمة التفرس هذا نوع من أنواع الذكاء، معنى يتصور الإنسان. كان الشافعي رحمه الله يعرف الإنسان بمجرد النظر إليه، ليس أنه من باب السحر، لا، هذا من باب الفراسة. وغالبا فراسة مثل هؤلاء الأذكياء لا تخطئ، معنى يعرف سير الرجل بمجالسته، معنى أين سيذهب وأين سيفعل وكيف سيفعل وهكذا فيتفرس فيه. قال: وأخرج البيهقي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمى الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم. قال: هذا قد أخذنا حكم الصلاة خلف الرافضي والقدري والمرجئ. وقد تقدم معنى خلف القدري، لكن قال هنا لعله هذا أشمل. قال: وأخرج الهروي عن يوسف، يعني يوسف بن يحيى البويطي، قال: سألت الشافعي: أصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصلي خلف الرافضي ولا القدري ولا المرجئ. قلت: صفهم لنا. قال: من قال: الإيمان قول فهو مرجئ. ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليس بإمامين فهو رافضي. ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري. وهذا نص سبحان الله أقوى من النصوص التي تقدمت. وهذا النص ذكره شيخ الإسلام الهروي في كتابه «ذم الكلام». شيخ الإسلام إسماعيل الهروي له كتاب سماه «ذم الكلام»، وكان صوفيا بمعنى صوفية الزهد، لكنه كان إماما من أئمة أهل السنة، بل كان من متشددي أهل السنة، معنى كان يتكلم على شعرائه كثيرا. ولما دخل سنجستان لما دخل سنجستان رأوا تكلم في المسجد فما تركوه يتكلم. فقالوا: من أين أنت؟ قال: أنا هروي من هراة. قالوا: وأي مذهب تنتسب؟ قال: أنا حنبلي. قال: أنا حنبلي. فلما جاء أبو حاتم من سنجستان فقالوا: جاءنا رجل وقال إنه حنبلي. فقال أبو حاتم من سنجستان: حنبلي معنا مسلم، ومن لم يكن حنبليا فليس بمسلم. المهم أن الإمام الهروي ذكر هذا عن يوسف بن يحيى البويطي، وهو صاحب الشافعي. قال: سألت الشافعي: أصلي خلف الرافضي؟ قال: لا تصلي خلف الرافضي ولا القدر ولا المرجئ. قلت: صفهم لنا. قال: من قال: الإيمان قول فهو مرجئ. ومن قال: إن أبا بكر وعمر ليس بإمامين فهو رافضي. ومن جعل المشيئة إلى نفسه فهو قدري. قال: يرحم الله الشافعي على هذه النصوص القيمة والتي يظهر فيها فضل الصحابة رضي الله عنهم وسابقتهم في الإسلام ومبلغ ورعهم وعمق علمهم. وكذلك إثباته لإمامة الشيخين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وكذلك تفضيله لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم جميعا على ما هو مذهب أهل السنة رحمهم الله في هذا الباب. وكذلك يبدو من النص الأخير نهيه رحمه الله عن الصلاة خلف الرافضة الذين ينتقصون الشيخين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. فرضي الله عنهم وأرضاهم. قال: الفلاصة: يعتقد الشافعي أن الصحابة هم أفضل الأمة، وأن انتقاصهم قعد في الدين. يفضل الشافعي بين الصحابة، فيفضل الأربعة الخلفاء على حسب ترتيبهم في الخلافة. نهى رحمه الله عن الصلاة خلف من ينتقص الصحابة وغيرهم من البدع. هذا خلاصة ما يذكر من الكلام على هذا المبحث، المبحث الرابع في كلام الشافعي على مذهبه أو مذهبي في الصحابة. إن شاء الله تعالى نكتب بهذا والله تعالى أعلم.