التعليق على كتاب القواعد المثلى 16

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

توحيد الصفات وإثباتها بالدليل الشرعي

يناقش هذا الفصل توحيد الصفات ويؤكد على أن إثبات الصفات لله تعالى يكون بالدليل من الكتاب والسنة، ويشرح ثلاثة أوجه لدلالة ذلك. يشدد على أن الصفات توقيفية ولا مجال للعقل فيها.

الاستدلال على صفات الله تعالى والرد على التأويلات

يستعرض هذا الفصل معاني صفات الله تعالى مثل الاستواء والنزول، ويستدل على ذلك بالأدلة الشرعية، ويرد على تأويلات أهل البدع والجهمية الذين يحرفون هذه الصفات.

موقف السلف من تأويل صفات الله تعالى

يتناول هذا الفصل موقف السلف الصالح من تأويل صفات الله تعالى، ويشير إلى عدم وجود تأويل للصفات عندهم، ويستدل على ذلك بغياب الروايات المؤكدة عنهم بتأويل الصفات.

ختام قواعد الصفات والانتقال إلى موضوع جديد

يعلن هذا الفصل عن انتهاء المؤلف من شرح قواعد الصفات والانتقال إلى موضوع جديد وهو قواعد أدلة الأسماء والصفات، مشيرًا إلى أن القاعدة المذكورة هي آخر قاعدة في قواعد الصفات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: القاعدة السابعة: الصفات الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته. قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يوصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يتجاوز القرآن والحديث. انظر إلى القاعدة الخامسة في الأسماء، هذه القاعدة مثل القاعدة الخامسة في الأسماء، وهي أن أسماء الله عز وجل توقيفية، لا مجال للعقل فيها. وهذه القاعدة تماما كتلك القاعدة، وهي أن الصفات الله عز وجل توقيفية، لا مجال للعقل فيها؛ وذلك لأن الله عز وجل معناه هو يعتبر من علم الغيب، ونحن لا نحيط بالله عز وجل علما، فلهذا فلا يجوز أن نعمل عقولنا ونقول: الله بالوصف الفلاني، أو نصف الله عز وجل بما لم يصف به نفسه؛ فهذا من التقول على الله عز وجل بلا علم. فمن وصف الله عز وجل بما لم يصف به نفسه فقد قفى ما ليس له به علم، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فهذا قول على الله بغير علم، وهذا القول على الله بلا علم من أمر الشيطان، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فهو من أمر الشيطان، هو الذي يجعل الإنسان يقول على الله عز وجل ما لا علم له به. فلهذا من أعظم الإلحاد، أو من الإلحاد في الأسماء والصفات، أن يصف الله عز وجل بما لم يصف به نفسه جل وعلا. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ فهؤلاء الذين يطعنون في الآيات، ويلحدون في الآيات، أي يخرجونها عن مسارها، ومن ذلك وهو أعظم الإلحاد أن يلحد في أسماء الله وصفاته. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ يصفون. هذا قد ذكرناه قبل في مسألة الأسماء والإلحاد فيها. قالوا: لدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه: الأول: التصريح بالصفة، يعني هذه معنى. كيف نثبت الصفة لله عز وجل؟ وكيف جاءت دلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة؟ جاءت على ثلاثة أوجه: الأول: التصريح بالصفة، كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين ونحوها. هذا أول وجه ثبوت الصفات لله عز وجل. والتصريح بالصفة، هذه الصفات التي ذكرها قد جاءت في الآيات، كالعزة والقوة والرحمة والبطش وغيرها: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾؛ فهذه الصفات دلت عليها الأدلة، فنثبتها؛ لأنها دلت عليها الأدلة. فأول معنى، طريقة يثبت بها، أو دلالة الكتاب والسنة عليها، هي التصريح بالصفة. الثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. وهذا قد تقدم الكلام عليه في القاعدة الثالثة في الأسماء، في طوله. المؤلف أن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف. وقد ذكرنا أن الاسم إذا كان متعديا فإنه يتضمن ثلاثة أمور: إثبات الصفة أولا، إثبات الاسم، وإثبات الفعل؛ إثبات الفعل. فهذه ثلاثة الأمور التي تضمنها إثبات الاسم. ووجه الشاهد عندنا في هذه المسألة: أنه تضمن الاسم الصفة، وليس العكس، الصفة لا تتضمن الاسم، وإنما الاسم يتضمن الصفة. الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، دال على الصفة، كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيد، الفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها على الترتيب. قوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؛ معناه يريد أن يذكر هذه الأمثلة، هذه الصفات، الأفعال. إما أن يصرح بفعل، يصرح بالصفة، أو الاسم يتضمن الصفة، والثالث: أنه يصرح بفعل أو وصف دال عليها. كمثلا صفة الاستواء، ودليلها: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ودليل النزول: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا». وهذا الحديث في الصحيحين، خرجه البخاري ومسلم، حديث أبي هريرة. وأهل البدع والجهمية المعطلة يحرفون النزول، ويحرفون الاستواء، يحرفون هذه الصفات؛ فالنزول يقولون: إنه ينزل رحمة الله. وهذا كلام باطل؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ فالعن الرحمة هذه التي تنزل هي بعض آيات الله، لكن الله عز وجل قد ذكر أنه ينزل هو. هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك؟ فقولهم: إنه ينزل أو يأتي بعض الآيات، وهي الرحمة مثلا، فسيكون الكلام ركيكا. كيف يقول الله عز وجل: يأتي ربك ويأتي بعض آيات ربك؟ فالرحمة من بعض آياتك، وعيضا كذلك النزول. الله عز وجل، أو النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل ربنا»، لم يقل: تنزل رحمته؛ لأنه قد إذا كان تنزل رحمة الله عز وجل، فهذا قد صرح بها في الأحاديث: «إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة». لكن هنا النزول لله عز وجل. لو أراد أن النزول الرحمة، لقال: تنزل رحمة الله. وأيضا كذلك الرحمة لا يختص نزولها بثلث الليل الأخير، بل الرحمة تكون في كل وقت، في كل وقت. ولو انقطعت رحمة الله عز وجل عن المخلوقين طرفة عين لهلكوا، فلهذا فهي ليست لها وقت محدد. وبعضهم يقول: إنه ينزل ملك من الملائكة، وهذا أيضا باطل؛ لأن الله عز وجل لو كان يريد الملائكة لقال: للملائكة، لكن قال نبي صلى الله عليه وسلم: «ينزل ربنا». طال. وقول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾؛ الذي جاء قال: وجاء ربك. وكما ذكر العم رحمه الله: أن الصفة لا تثبت إلا إذا أضيفت إلى الله، إلا إذا أضيفت إلى الله جل وعلا. إضافة صفة ليست إضافة تشريف، أن إذا كان إضافة تشريف وخلق، فهذا شيء آخر. ناقة الله، ناقة الله، وسقيا رسول الله، هذا إضافة تشريف وخلق. سماء الله، أرض الله، فأرض الله واسعة، وهنا إضافة خلق. لكن إضافة الصفة، قال: إذا أضيفت إضافة الصفة فلابد أن تكون هذه صفة لله عز وجل. ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، و«ينزل ربنا»، هذا التصريح بالصفة وإضافتها إلى الله عز وجل. ولهذا لما قال الله عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾؛ هنا قال: يوم يكشف عن ساق، لم يضفها إلى الله عز وجل، لم يضف هذه الساق إلى الله. ولهذا جاء عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: يوم يكشف عن كرب وشدة. فقال بعض البدع: ها أنتم تقولون أن السلف لا يؤولون، وهذا ابن عباس قد أول. لكن نحن نقول: أن هذه الآية أصلا لم تسق سياق الصفة؛ لأن الله عز وجل لم يضف الساق إلى نفسه، فكيف نضيف؟ قال: إنما يوم يكشف عن ساق، أنا جاء بها نكرة، فلهذا في الآية لا تدل على الصفة. لكن الذي يدل على صفة الساق هو الحديث الذي جاء في الصحيحين، حديث أبي سعيد وأبي هريرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فيكشف ربنا عن ساقه». هنا صرح بأن هذا الساق معنى ساق الله عز وجل. قال: «فيكشف الله عز وجل أو قال: فيكشف ربنا جل وعلا عن ساقه، فيسجد كل من كان يعبد، وكل من كان يسجد ريان يريد أن يسجد، فيرجع ظهره طبقا واحدا». فدل على أن هذا السجود، أو أن هذا الساق هنا في الحديث صفة، لكن في الآية لم يسق على أنه صفة. ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما حصلت مناظرة مع بعض الأشاعرة، فقال لهم: أتحداكم وأعطيكم ثلاثة أيام ابحثوا وسألوا عن السلف: هل أولوا آية واحدة فيها صفات الله عز وجل، صفة لله سبحانه وتعالى أولوها؟ فأنا أرجع. سنتحداهم بهذا، ولا شك أنهم ما سيجدون. ذهبوا يأتون عن الإمام أحمد أنه أول صفة المجيد، وهذا من المحال. الإمام أحمد مذهبه معروف، ولهذا تجد هؤلاء البدع لم يركنوا إلى هذه الرواية؛ لأنه لو ركنوا لناقضوا أنفسهم. الإمام أحمد كتبه كلها فيها إثبات الصفات، كيف سينسبون إليه التحريف؟ هذا وإنما غلط حنبل ابن عمه، حنبل ابن سحاق الشيباني، ابن عمه أحمد ابن حنبل غلط في هذه الرواية، فذكر تحريف عن الإمام أحمد، وغلطه أكثر الحنابلة في هذه الآية. لكن استغلها بعضهم، بعض الحنابلة الذين في قلوبهم زيغ، وأيضا يميلون إلى الأشعرية، أخذوا هذه الرواية وطبلوا بها. لكن لا شك أن مذهب أحمد رحمه الله يثبت الصفات، ولا شك في ذلك. فما النقولات التي جاءت عنه كثيرة جدا، وهذا الذي ذكره أيضا المؤلف رحمه الله في بداية الكلام على هذه الصفة، قال: الإمام أحمد: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث. فكيف بعد ذلك يثبت أن الإمام أحمد يؤول؟ وقام بعض المتأخرين قالوا: هناك من السلف من أول، وذكروا مسألة الساق، هذا بعيد جدا؛ لأنها كما قلنا لم تسق على أنها آية صفة. بعضهم أيضا ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾؛ قال بعضهم: أي بقوة. قالوا: هذا تأويل، وهذا كلام باطل. هذا بأيد ليس جمع يد، وإنما هو جمع أيد، والأيد -بتشديد الياء- هو القوة. فقول الله عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾؛ أي جمع أيد، وليس جمع يد، فلهذا أيضا لم يتحصلوا على شيء. في هذا أيضا استدلوا بقول الله عز وجل -بعضهم عن بعض المحاصرين يشغل بهذا- قول الله عز وجل: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ قالوا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية تأول هذه الصفة، فهو قال: جهة الله. وهذا والإمام ابن القيم يثبت هذه على أنها صفة. لكن هذا ليس معنا. شيخ الإسلام كيف يستدل بكلام شيخ الإسلام، وهو قد ملأ كتبه بإثبات الصفات؟ لكن في هذه الآية يرى شيخ الإسلام أنها لم تسق على سياق الصفة. ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ وجه الله قال: جهته. وقد جاءت عن السلف أيضا تفسير هذه الآية بجهة، بالجهة. ولأن سياق الآية معنا يدل على هذا، سياق الآية يدل على هذا؛ فهو لم يأت بصفة الوجه، وإنما أراد الجهة. ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي جهة الله؛ لأنه في اللغة يقال: أين وجهتك؟ أين وجهتك؟ أي أين طريقك التي ستتوجه إليها؟ فهذا ليس أيضا تأويل في المسألة. فلهذا دلت الآيات والأحاديث على إثبات الصفات، وأنه ليس هناك من أحد من السلف تأول آية. وهذه القاعدة أيضا فيها: أنه لا ينبغي ولا يجوز لشخص أن يأتي بصفة لله عز وجل لم ترد في الكتاب والسنة، إلا إذا كانت على سبيل الكمالية. عن القاعدة الكمالية التي ذكر الشيخ. لكن لو نظرت إلى هذه القاعدة، لا تجد صفة من الصفات التي هي صفات كمال إلا أثبت الله عز وجل لنفسه. قالوا: قوله: ﴿إِنَّ مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾؛ هذه الآية فيها صفة الانتقام. وقال الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾؛ والله عز وجل ينتقم من من يستحق أن ينتقم منه. وهنا صفة الانتقام معلوم أنها صفة الانتقام ما تكون كمالا إلا إذا كانت على سبيل المقابلة، على أن انتقام لمن يستحق الانتقام، وإلا فقد تكون هذه الصفة صفة نقص. لهذا الله عز وجل يقول هنا: ﴿إِنَّ مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾؛ الانتقام هنا لمن الله عز وجل ينتقم من المجرمين، فينتقم لمن يستحق أن ينتقم منه. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، وبهذه القاعدة، هي آخر قاعدة في قواعد الصفات. سيدخل بعد ذلك في قواعد أدلة الأسماء والصفات.