الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
التكيف في صفات الله تعالى يعني اعتقاد كيفية معينة لها، وهذا اعتقاد باطل لعدم وجود دليل عليه. يجب الإيمان بالصفات دون الخوض في كيفيتها.
قياس صفات الله تعالى على صفات المخلوقين خطأ، والآيات القرآنية تنفي إدراك الأبصار لله تعالى وتؤكد عدم وجود مثيل له. الأشاعرة والمعتزلة والجهمية يخطئون في تأويل صفات الله.
يجب التحذير من التفكير في كيفية صفات الله عز وجل، والإيمان بها دون تكييف أو تشبيه. العلماء مثل ابن تيمية والطحاوي ومالك بن أنس يؤكدون على ذلك.
النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى رد الوساوس بقول "آمنت بالله" والاستعاذة بالله. هذا يحصن المسلم من الوساوس التي قد تصل إلى حد التساؤل عن خلق الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأما التكيف، فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تعالى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل، بدليل السمع والعقل. أما السمع، فمنه قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به علما﴾، وقوله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾. قال ابن المعلوم: إنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكيفنا وقوفا لما ليس لنا به علم، وقولا بما لا يمكننا الإحاطة به. فتكيف صفات الله عز وجل من المحذورات التي ينبغي ألا تتخذ مع الصفات، ليس أن الصفات ليست لها كيفية، لكننا لا نعلم هذه الكيفية ولا ندرك ولا نحيط بالله عز وجل، فلهذا فكيفيات الصفات هي من الأشياء المجهولة التي لا نعلمها ونكل علمها إلى الله. وكما قال بعض السلف: صف لنا ذاته حتى نصف لك صفاته. لما قال الرجل عند عبد الله بن طاهر - وكان إسحاق بن إبراهيم موجودا - قال: هذا الرجل من أهل البدع. قال لعبد الله بن طاهر: هؤلاء يريد إسحاق بن إبراهيم وأهل السنة، هؤلاء يقولون إن الله ينزل، فكيف ينزل؟ فقال له إسحاق بن إبراهيم رحمه الله: صف لي ذاته، وأصف لك نزوله. أنا كيف هذا شيء غريب؟ كيف نحن لا نعرف ذاته حتى نصف صفاته؟ وكما قال العلماء: إن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحدو حذو ما قرر ذلك أو هذه القاعدة الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في «التدمرية» وفي غيرها. فلهذا فقال له: صف لنا ذاته حتى نصف لك صفاته. وهذه حجة قوية جدا على هؤلاء، معنى هم يقولون: كيف أنتم تقولون صفات، إيش من صفات هذه؟ كيف أصفوا لنا هذه الصفات حتى تقولون إننا نثبتها؟ نعم، نثبت هذه الصفات، لكن الكيفية لا نثبتها، لا نعلم هذه الكيفية، نفوضها إلى الله. لكن المعنى معنى الصفة معروف. وكما أنه أيضا هذه الصفة قد تختلف بين المخلوقات أنفسهم، أنا مثلا هذا كريم، وهذا كريم، أنا عنده صفة الكرم، وهذا عنده صفة الكرم، لكن لو جئت تقارن كرم هذا بكرم هذا قد تجده بعيدا، معنى الرجل هذا عنده سخاء جدا، وجود، فيفوق الكرم كرم هذا بأضعاف. معنى هذا مخلوق، وهذا مخلوق، وهذا متصف بهذه الصفة، وهذا متصف بهذه الصفة، فكيف بصفة الله عز وجل؟ ولله عز وجل المثل الأعلى سبحانه وتعالى، فالصفات لا تشبه صفات المخلوقين، لأنه «ليس كمثله شيء» جل وعلا. فهذه الكيفية نفوضها إلى الله عز وجل، لأننا لا نعرف حقيقة هذه الصفة. فلهذا عمدة هذا الباب «ليس كمثله شيء»، وكذلك «ولا يحيطون به علما». وهنا «علما» جاءت نكرة في سياق النفي، والنكرة إذا جاءت في سياق النفي أو النهي أو الشرط تفيد العموم، فهم لا يحيطون به علما أبدا، أي علم لا يحيطون به بالله عز وجل، لأنهم لا يعرفون كنهه سبحانه وتعالى وذاته. وأيضا الآية التي ذكرها المؤلف رحمه الله: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾، أي لا تتبع ما ليس لك به علم، ولا تتكلم فيما ليس لك به علم. فقد أخبرنا الله عز وجل بصفاته، أخبرنا أنه يغضب وأنه يصخ، وأنه يضحك وأنه يتعجب، لكن لم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات. وأما ما يفعله الأشاعرة وقبلهم المعتزلة والجهمية، فيأتون بصفات المخلوقين ويجعلونها لله عز وجل، فينفون الصفات، مثلا في الصفات الفعلية، الغضب من صفات الله عز وجل، الغضب، قالوا هؤلاء الجهمية والأشاعرة: الغضب هو ثوران النفس وحمرار الوجه وانتفاخ الأوداج، وهذا يستحيل على الله. إيش هذا الكلام؟ معنى هل هذا الغضب هذا غضب المخلوقين؟ هذا غضب المخلوقين، والثمار التي تكون فيه بعض الناس مثلا يغضب وتثور نفسه، لكن لا يجعل هذا يظهر على يغضب من كلام المتكلم، كلامه يغضبه لكنه ما يظهر غضبه، معنى لا يحمر وجهه، ولا أيضا تمت في خوداجه، ولا شيء من هذا. فلهذا فهذه إنما ثمار الغضب، ولكنها في الإنسان، فكيف نقيس الخالق بالمخلوق؟ فلهذا هم ينفون الصفة، يقولون: الغضب كذا وكذا. وكذا أيضا قالوا: الكلام يحتاج إلى لسان، يحتاج إلى كذا، هذا في المخلوقين، كيف تقيسون الله عز وجل؟ يجعل الشيء الجماد يجعله يتكلم، الجماد يجعله يتكلم، أين اللسان الذي تكلم بها؟ ليس له لسان، فلماذا تقولون لابد من لسان؟ وهذا يدل على ضعفهم في الاستدلال، أن يقولوا: يحتاج إلى المتكلم يحتاج إلى لسان، يحتاج إلى أدراس، يحتاج إلى كذا، فهذا كله باطل، وفيه أيضا مشابهة الخالق بالمخلوق، يشبهون الخالق أو يمثلون الخالق بالمخلوق، وهذا هو عين الباطل. وكما ذكرنا قبل: إن الإنسان إذا أراد أن يصف شيئا، إما أن يأتيه بثلاث طرق: إما بخبر صادق، وإما برؤية، وإما برؤية مثله ونظيره. أن هذه الثلاث الأشياء التي يعرف الإنسان صفة ما يوصف له، إما برؤية، بخبر ثقة يخبره أن هذا الشيء الذي يذكرونه مثلا جوال كذا، هذا صفاته كذا وكذا، هذا معنى ذكر لك الصفات، عرفت الصفات من أين؟ وكيفية هذه الصفات عرفتها من هذا الثقة. والأمر الثاني: الرؤية، أنك تراه، رأيته هذا الجهاز الذي يذكرونه رأيته، فهنا الآن عندك هذه الرؤية عرفت الكيفية الآن. الأمر الثالث: أنك تقيس بنظيره، يقال لك: تعرف ذاك الشيء؟ فتقول: نعم، فيقول: مثله. فهذا الثلاثة الأشياء التي يعرف بها الإنسان صفة ما أخبره معناه صفة غيره. وهذه الأشياء كلها معدومة كلها معدومة عند الله عز وجل، أي لم يرى الله عز وجل أحد حتى يصف لنا ذات الله سبحانه وتعالى، ربنا جل وعلا وصف لنا صفاته، نذكر أنه له الصفات، لكن كيفية هذه الصفات لا ندري، لأنه لم يذكر لنا هذا الشيء، أيضا لم يخبرنا ثقة، ولم نراه. لأن الله عز وجل يقول: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾، وقال: ﴿ولا يحيطون به علما﴾. وأيضا الأمر الثالث وهو أنه ليس له مثيل سبحانه وتعالى حتى نقيس عليه، لأنه «ليس كمثله شيء» جل وعلا، فقياس المخلوق بالخالق هذه جريمة عظيمة ارتكبها الممثلة، وكذلك المعطلة، أنه جريمة عظيمة. لهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الممثلة يعبدون صنما، والمعطلة يعبدون عدما، يعبدون العدم، والممثلة يعبدون الصنم. فلهذا ينتبه معناه مثل هذا الكلام الذي قالوا كلام باطل، كلام باطل في مسألة التعريف في الصفات والكيفية في الصفات. فأهل السنة بحمد الله يعلمون كيفية أو يثبتون هذه الصفات، لكن لا يعلمون كيفيتها ويكلون أمرها إلى الله. قال: وأما العقل، فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عز وجل، فوجب بطلان تكييفها. وهذا واضح. وأيضا فإننا نقول: أي كيفية تقدرها لصفات الله؟ إن أي كيفية معناه: أش من كيفية التي تقدرها لصفات الله؟ فقال: إن أي كيفية تقدرها في ذهنك، فالله أعظم وأجل من ذلك، مثل ما قال إمام الطحاوي: فأي صورة تتصورها لله عز وجل، فالله عز وجل أعظم من ذلك الذي تتصوره. قال: وأي كيفية تقدرها لصفات الله، فإنك ستكون كاذبا فيها، لأنه لا علم لك بذلك. وحين إذن يجب الكف عن التكيف، وتقديرا بالجنان، أو تقريرا باللسان، أو تحريرا بالبنان. ولهذا جاء عن ابن عباس أنه قال: تفكروا في مخلوقات الله، ولا تتفكروا في ذات الله، لأنكم مهما تصورتم من صورة، فالله عز وجل أجل وأعظم من تلك الصورة. فلهذا لا داعي أن الإنسان يتفكر في ذات الله جل وعلا. قالوا: لهذا لما سئل مالك رحمه الله عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، قال: كيف استوى؟ أطرق رحمه الله برأسه حتى علاه الرحضاء - رحضاء معنى العرق - ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. فهنا وجه الشاهد: والكيف غير معقول، أنا لا يعقل الكيف، كيف نعقل الكيف ونحن لا ندري عن ذات الله جل وعلا؟ قال: وروي عن شيخ ربيعة أيضا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. فالكيف غير معقول، لا تدركه العقول. لكن قال: الإيمان به واجب، يجب أن نؤمن بأن الله عز وجل استواء على العرش، استواء بمعنى على، ارتفع، مثل ما جاء في اللغة، الله عز وجل يخاطبونا بلغتنا، بلغة العرب، ما يخاطبونا بلغة أخرى. فخلاصة الأمر أن الكيفية غير معقولة، وأنها نفوض أمرها إلى الله عز وجل، ليس لنا علم بكيفية صفات الله جل وعلا. قال: وإذا كان الكيف غير معقول، ولم يرد به الشرع، فقد انتفع عنه الدليلان العقلي والشرعي، فوجب الكف عنه. قال: فالحذر الحذر من التكيف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها. وإن ألقى الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك، فإنه معاذك، وفعل ما أمرك به، فإنه طبيبك. قال الله عز وجل: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم﴾. ولهذا إذا حصل للإنسان مثل هذه الأوهام أو مثل هذه الأفكار، فليستعذ بالله، وإن أخرجه إلى ما هو أعظم من ذلك، فليقل: آمنت بالله. وما قال أبو هريرة: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا زال الناس يسألونك: ممن خلقت؟ فتقول: الله، فيقولون: من خلق الله؟ فهذا من أعظم الوساوس». ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فقل: آمنت بالله، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم».