الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الطهارة تعني النظافة في اللغة، وارتفاع الحدث وزوال الخبث في الاصطلاح. العلماء يختلفون في تعبيرهم عنها.
الطهارة تنقسم إلى حسية ومعنوية، والمياه تصنف إلى طهور وطاهر ونجس. آراء الفقهاء مختلفة حول تقسيم المياه.
الماء المتغير باختلاط الطاهرات يحتفظ بطهوريته إذا لم يسلب اسم الماء، ويمكن استخدامه في الطهارة الواجبة والمستحبة.
تم الانتهاء من شرح موضوع الطهارة، وسيتم تناول موضوع الماء النجس في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله. الطهارة بمعنى النظافة بمعناها المعروف، هذا في اللغة. أما في الاصطلاح، فعرفها المؤلف بأنها «ارتفاع الحدث وما في معنى وزوال الخبث». قال: «هي ارتفاع الحدث وما في معنى وزوال الخبث». وهذا التعريف هو تعريف أكثر أهل العلم وأكثر الفقهاء، لكن يختلفون فقط في سياق العبارات. فالأولى أن يقال كما عرفه الإمام النووي رحمه الله في «النهج»: هو «رفع الحدث وزوال الخبث». وما في معنى «وزوال الخبث»، «رفع الحدث» وما في معنى «وزوال الخبث». معنى رفع أفضل من ارتفاع؛ ليش؟ لأن الرفع معنى فيه قصد، فيه قصد. والعلماء، خاصة الشافعية والحنابلة والمالكية، يشترطون النية في رفع الحدث. يشترطون النية في رفع الحدث؛ فلهذا يقال «رفع الحدث». لكن «ارتفاع الحدث» معنى ممكن أن يرتفع لنفسه، وهذا ليس صحيحا. الحدث لا يرتفع لنفسه، لابد من قصد؛ فلهذا الأولى أن يعبر بـ«رفع الحدث». وإن كان «ارتفاع الحدث» يحصل بكل ما يرفع به، لكن الأصل أن عند العلماء أنه لابد أن يرفع بنية، لابد أن يرفع بقصد. وإذا رفع بغير قصد ما يرتفع. وكذلك هنا قال: «وزوال الخبث»، هذا صحيح. «وزوال» لأن بعضهم يقول: «وإزالة الخبث». لأن «إزالة الخبث» تحتاج لقصد، «وزوال الخبث» لا يحتاج لنية، لا يحتاج لنية؛ لأن زوال الخبث مثل ما زالت النجاسة زالت، سواء كان بفعل الإنسان أو بغير فعله. مثل الإنسان علق ثوب فيه نجاسة، جاءت المطر ومطرت عليه، هذا يعتبر قد طهر. بل عند الحنفية، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن النجاسة متى ما زالت، زال حكمها. لو مثلا زالت بشمس، زالت بشيء، مثلا بطول المدة. مثلا نحن ثوب فيه نجاسة، وضعناه في الشمس فذهب رائحة النجاسة ولونها، فهذا يعتبر طاهر عند شيخ الإسلام، وكذلك هو قول الحنفية، وهو القول الصحيح؛ لأن الأصل هو إزالة النجاسة أو زوال النجاسة، سواء كان بقصد أو بغير قصد. فلو أن إنسانا مثلا غسل ثوبا وهو لا يدري أن فيه نجاسة، وغسله ثم ذكر أن فيه نجاسة، هل هذا يجزئه الغسل؟ نعم؛ لأنه لا يشترط فيه القصد والنية لإزالة النجاسة؛ لأنها من المنهيات، والمنهي ليس فيه نية، بخلاف فعل المأمور. فقال هنا: «ارتفاع الحدث وما في معنى ارتفاع الحدث». معنى المراد به أيش؟ الوضوء، الطهارة بالوضوء أو بالغسل، يرتفع الحدث. وهذا الارتفاع ارتفاع معنوي؛ لأن الحدث لا يقوم بالأعضاء. الحدث لا يقوم بالأعضاء؛ ولهذا يسميه بعض العلماء أنه طهارة تعبدية. لماذا؟ لأنه لا دخل مثلا للإنسان مثلا يبول، لا دخل له في الوجه واليدين، لكن تعبدنا الله عز وجل بذلك؛ فلهذا فهي طهارة معنوية، أقصد طهارة للأعضاء التي ليس فيها حدث أصلا، وليس هي متعلقة بالحدث؛ فيعتبر طهارة. طهارة الحدث ارتفاعه، يرتفع بالوضوء أو بالغسل. إن كان حدثا أصغر فهو بالوضوء، وإن كان حدثا أكبر فهو بالغسل. الحدث معنى ينقسم إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر. الحدث الأصغر هو ما يوجب الوضوء، والحدث الأكبر ما يوجب الغسل؛ فلهذا فيرتفع الحدث بالطهارة الصغرى أو الطهارة الكبرى. فإن كان حدث أصغر يرتفع به الوضوء، وإن كان حدث أكبر يرتفع بالغسل. قالوا: «ما في معنى» هنا، «ما في معنى» أي كل ما سمي طهارة. وهذا له صورتان: إما يكون طهارة ببقاء الحدث، يكون طهارة ببقاء الحدث. على سبيل المثال، مثلا من كان عنده سلس بول أو انفلات ريح أو المستحاضة، فهذه الأمور عندما يتوضأ الشخص للصلاة، عند جميع العلماء أنه إذا كان في الوقت، على قول الجمهور، إذا توضأ في الوقت وقت الصلاة، خلاص ينتهي حدثه، يرتفع حدثه، لكن الحدث لا زال موجودا. الحدث لا زال موجودا، لكن الطهارة صحيحة؛ فيعتبر ما في معناه. لهذا قالوا: «ما في معناه»؛ لأنه لو قالوا: هو «ارتفاع الحدث»، الصحيح أن الحدث ما يرتفع، الحدث موجود لا زال، لكن الطهارة صحيحة. معناه يكون الطهارة صحيحة بهذا الوضوء؛ فهذا المراد «ما في معناه» في الصورة الأولى. الصورة الثانية: أن يكون أن الحدث يرتفع، أو الحدث أيضا أصله غير موجود، الحدث أصله غير موجود، لكن يتطهر من باب الزيادة. مثلا مثل الغسل مع الوضوء، فالرجل عليه وضوء يتوضأ ويغتسل، هذا طهارة زائدة. سمى طهارة أيضا تجديد الوضوء، تجديد الوضوء. وأيضا يدخل في ذلك غسل الجمعة والعيدين؛ لأنهما ليس هناك حدث، لكنها طهارة تعتبر. مثلا إذا اغتسل للجمعة، تعتبر طهارة، لكنها ليس عن حدث، وإنما بسبب الجمعة يغتسل بسبب الجمعة، سواء كان قلنا واجب أو مستحب. كذلك غسل العيدين يعتبر طهارة، لكنه طهارة بدون حدث. وهذا المقصود الآن بـ«وما في معناه»، يعني هاتين الصورتين. قال: «وزوال الخبث». «زوال الخبث» معنى زوال النجاسة؛ فالطهارة وهذه الطهارة هي الطهارة الحسية؛ لأن الطهارة طهارتان: طهارة حسية، وطهارة معنوية. الطهارة الحسية هي المقصودة بأمور الفقه، معنى من رفع الحدث وإزالة النجاسة. وهناك طهارة معنوية، وهي التي يتكلم فيها السلوك والعقائد، وهي طهارة القلب. طهارة القلب من الشرك والنفاق وأمراض القلوب، هذا يسمى طهارة، طهارة معنوية. فالطهارة طهارتان: طهارة حسية، وطهارة معنوية. فهنا قال: «وزوال الخبث»، المراد زوال الخبث هي زوال النجاسة، زوال النجاسة. قال: «والمياه ثلاثة». المياه ثلاثة. المياه معنى جمع ماء، وهو جمع كثرة؛ جمع كثرة؛ لأن جمع القلة يقال: «مواه». لأن الماء أصله «موه»، العرب هنا انقلبت عن الواو؛ ولهذا فجمع القلة «مواه»، وجمع الكثرة هو «مياه». يعني «مياه» جمع «مواه». قال: «المياه ثلاثة: طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره، وهو الباقي على خلقته». فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور ودهن، أو بملح ماء، أو سخن بنجس، كره. طيب. أو تغير بمكثه، أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه أو ورق شجر، أو بمجاورة ميتة، أو سخن بالشمس أو بطاهر، لم يكره. يقول: إن الماء ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. طهور، وطاهر، ونجس. وسيتكلم عن كل هذه الثلاثة معنى، كل واحد بتفريعاته. وهنا أولا قال: «طهور». قال: «لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره، وهو الباقي على خلقته». ويسمونه - يسميه بعضهم - «الماء المطلق»، الماء المطلق الذي هو على خلقته، وعلى خلقته يعني مثل مياه الأمطار، مثل مياه العيون، مياه البحار، هذه التي خلقها الله عز وجل على خلقتها، لم تختلف بشيء، تسمى «الماء المطلق». وهذه على أن الطهور باتفاق العلماء، إلا حصل شيء يسير من الخلاف في ماء البحر. حصل خلاف يسير في ماء البحر: هل هو طهور؟ أو ليس بطهور؟ أو أنه بعضهم يقول: إنما هو مكروه فقط؟ جاء ذلك عن عبد الله بن عمر، ولم يأت شيء عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا. بل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فحديث أبي هريرة الذي في السنن قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته». فلهذا فهو حديث، فهو الطهور. فالماء الأول هو الطهور. قال: «لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره، وهو الباقي على خلقته». وهنا ذكر كما قلنا ثلاثة مذاهب. وذهب المالكية إلى أن الماء يقسم إلى قسمين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره: أن مذهب المالكية في المياه من أفضل المذاهب. مذهب المالكية في مسألة المياه من أفضل المذاهب؛ فقالوا: إن الماء عندهم قسمين فقط: ماء طهور، وماء نجس. إما أن يكون الماء طهورا، وإما أن يكون نجسا. ما دام أنه يسمى ماء، وهو إما أن يكون طهورا يتطهر به ويرفع به الخبث ويزال به النجس، وإما أنه نجس لا يجوز أن يتطهر به ولا يزال به النجس. إما أن يكون هناك قسم ثالث وهو الطاهر غير المطهر، يعني طاهر في نفسه غير مطهر في غيره، فهذا كما قال شيخ الإسلام: لم تدل عليه الأدلة، وليس فيه دليل أبدا يدل على ذلك. لا عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن الصحابة، يدل على أن هناك شيء سمى طاهر في نفسه ولا يطهر غيره، معنى ما إلا إذا كان خرج عن كونه ماء. إلا إذا خرج عن كونه ماء؛ إذا خرج عن كونه ماء هنا يقال: إنه طاهر ممكن. أما يقال: إنه ماء ويقال: إنه لا يطهر غيره ولا يتوضأ به، فهذا غير صحيح، هذا غير صحيح. فلهذا فالمذهب الصحيح في هذه المسألة: أن الماء إما أن يكون مطهرا، وإما أن يكون غير مطهر. قال: «فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور ودهن، أو بملح ماء، أو سخن بنجس، كره». يعني الأول هو الماء المطلق. نحن سيذكر الماء الثاني، وهو الماء الطاهر غير المطهر الآن. الماء الماء يخالطه غيره، يخالطه غيره. فهنا قال: «إن تغير بغير ممازج كقطع كافور ودهن، أو بملح ماء، أو سخن بنجس، كره». يعني هذا الشيء إذا كان لا يمازجه، معنى لا يختلط معه، يظل معنا فيه، وهو يعمل مثل الطبقة. مثل الزيت مثلا، الزيت يعمل طبقة في الماء، ما يمازج الماء، ما يختلط. معنى الجزئيات، جزئيات الماء وجزئيات الدهن ما تختلط. كذلك الكافور، معنى الكافور لا يختلط مع الماء. وكذلك هنا يقال: «أو بملح مائي». إيش الملح المائي هذا؟ ملح، ملح البحر ممكن. لكن الملح يدوم في الماء، يمازج الماء. لكن هنا أراد بملح المائي نفس الماء، الله أعلم. أو سخن بنجس، كره. يعني سخنه بماء نجس، أو بشيء من النجاسات. قال: «وإن تغير بمكثه، أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه أو ورق شجر، أو بمجاورة ميتة، أو سخن بالشمس أو بطاهر، لم يكره». سخن بالشمس، معنى شمس ضربته. هذا المتغير بطول المكث، أو بما يشق صون الماء عنه، مثل الطحلب هذا الذي يكون في الماء، أو التراب الذي تأتي به الريح، هذا معنى «يشق صيانة الماء عنه». فهذا يعتبر جائز. أو بمجاورة ميتة، مجاورة ميتة، ليس معنى الميتة داخل، وإنما بمجاورتها. معنى الرائحة أحيانا قد تؤثر في الماء. يعني تطعم رائحة الماء. مثل مثلا أن تكون بئر مجاري، يعني أحيانا يكون بئر ماء وبئر مجاري بجانبها، فأحيانا ترى رائحة المجاري في الماء، وهو لم تختلط بالماء، وإنما بالمجاورة. بالمجاورة يحصل. وعادة المجاورة لا تعتبر في نجاسة الماء أو طهارة، معنى أقصد أنه لا تنجس. قالوا: «إن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة». ذكره. وهذا ليس عليه دليل. فمسألة الكراهة تحتاج إلى دليل. وما دام أنه ماء طهورا، فهو يتوضأ به، وكان امتزج بشيء أو لم يمتزج. وسواء كان هذا الذي وقع فيه مما يشق صيانته عنه أو لا، أو لم يشق. لا. معنى مثل هذه الأشياء مثل التراب، الطحلب، أو كذا، هذه الأشياء يشق إزالة الماء عنها، أو إزالتها عن الماء؛ فلهذا قال العلماء - أو أكثرها العلم - أنه تعامل معاملة الطهور. كما عند الشافعية: أنه تعامل معاملة الطهور. وهنا يقول: إنه يكره استعمالها في طهارة مستحبة، يعني لا بأس أن تستعمل في طهارة واجبة، طهارة الحدث، لكن طهارة مستحبة لا، أو أنه يكره، وهو كراهة التنزيه. لا شك. لكن الكراهة حكم شرعي يحتاج إلى دليل. فالماء الذي أصابه أو خالطه شيء من الطاهرات، أصابه أو خالطه شيء من الطاهرات، وهو القسم الثاني. والصحيح كما قلنا: أن هذا القسم الصحيح فيه أنه إذا خلط الماء بشيء من الطاهرات، إن أخرجته عن اسم الماء، سلبت إطلاق الماء عليه؛ فهذا لا يتوضأ به، ولا يتطهر به. مثلا أصبح شايا، الماء هذا أصبح شايا، أصبح شرابا، أصبح يقال له «ماء الورد»، «ماء» كذا، «ماء البنفسج»، فهذا لا يتوضأ به؛ لأنه أصبح شيء آخر غير الماء. لكن ما دام أنه ماء، يطلق عليه ماء، بدون مثلا أن يقال له «ماء كذا» و«ماء كذا»، فهو يتوضأ به ويتطهر به. فالماء مثلا الذي يمازجه شيء من الطحين، ماء يمازجه شيء من السدر، ماء يمازجه شيء من هذا، يعتبر مطهر. النبي عليه الصلاة والسلام، في غسل ابنة فقال عليه الصلاة والسلام: «اغسلوها بماء وسدر». وقال أيضا في الذي وقصته ناقته: «اغسل بماء وسدر». فهنا يدل على أن السدر لا يؤثر على الماء، حتى ولو اختلط بهذا الماء، وامتزج به السدر، يمتزج بالماء. وكذلك أيضا الصابون إذا امتزج بالماء، فما لم يكثر عليه ويخرج ويسلب اسم الماء، فهو يعتبر طهور. فإذا سلب اسم الماء، صار الصابون كله. معنى صار رغوة، هذا ما يتوضأ به؛ لأن هذا ليس ماء، هذا ليس ماء. فلهذا فالصحيح في هذه المسألة، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول شيخ الإسلام رحمه الله: أن الماء يتطهر به ما لم يسلب اسم الماء. يعني الماء الذي أصابته طهارة، أصابته طهارة. فالماء المتغير الذي يؤثر في التغيير هو الماء النجس الذي يكون بنجاسة، إذا غيرته النجاسة تغير، كما سيأتي. أما الماء الطاهر الذي مثلا تقع فيه شيء من الطاهرات، سواء كان كما قلنا مما تمتزج به أو لا تمتزج به، فكله. وسواء كان أيضا معنى أصابته شمس، أو الماء المشمس كما يسمونه، أو مثلا اغتسل فيه جنوب، يعني كما جاء في الحديث النهي عن اغتسال اغتسال الجنب في الماء الدائم. حتى لو اغتسل فيه جنب، فهو ماء يتوضأ به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن الماء، وإنما نهى الجنب أن يغتسل في هذا الماء. وكذلك نهى البائل أن يبول في هذا الماء. فإذا كان هذا الماء طهورا، ولم يؤثر عليه، ولم يسلب اسمه، فهو يتوضأ به ويغتسل به. وكذلك أيضا يطهر به ما كان مستحبا، كتجديد وضوء، وغيره. طيب. هذا إن شاء الله. والماء النجس نتركه في درس لاحق.