التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 15

الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في علم علل الحديث

يتناول هذا الفصل تعريف علم علل الحديث وأهميته في نقد الأحاديث النبوية، حيث يشرح أن الحديث المعلل هو الذي به علة خفية تؤثر على صحته. هذا العلم يتطلب سعة اطلاع وخبرة كبيرة.

أبرز علماء علل الحديث وتطبيقاتهم العملية

يتناول هذا الفصل أمثلة على علماء برعوا في علم علل الحديث مثل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي والدارقطني والإمام النسائي والإمام أحمد بن حنبل، ويبين كيف طبقوا معرفتهم في نقد الأحاديث.

كيفية التعامل مع علل الحديث وتفرداته

يشرح هذا الفصل كيفية تعامل العلماء مع علل الحديث وتفردات الرواة، حيث يستخدمون كتب العلل والأفراد لتمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة، ويبين أهمية معرفة التفردات والمخالفات في هذا السياق.

أهمية التفردات والمخالفات في نقد الحديث

يتناول هذا الفصل أهمية معرفة التفردات والمخالفات في تمييز صحة الأحاديث، حيث يستفيد العلماء من هذه المعرفة في نقد الروايات وتحديد صحتها أو ضعفها.

تطبيق معرفة علل الحديث في الحكم على صحة الأحاديث

يشرح هذا الفصل كيف يستخدم العلماء معرفتهم بعلل الحديث والتفردات والمخالفات في الحكم على صحة الأحاديث أو ضعفها، ويبين كيف يمكنهم أن يتوقفوا عن الحكم إذا وجدوا ترددًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله صلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى الله تعالى النوع الثامن عشر المعلل قالوا يسمونه المعلول وهو لحن هذا النوع من أجلها يتمكن منه أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب. الآن هذا الحديث المعلل المراد به الذي به علة غامضة. أنا استعمل الحديث المعلل، إذ كل حديث معلل أصلا به علة، لكن العلة تنقسم لها قسمين: علة جلية واضحة، وعلة خفية. فالمعلل هذا يكون فيه علة خفية، والعلة الأخرى من الانقطاع والضعف وغيرها، هذه علة جلية. فلهذا الذي فيه علة خفية يقال له معلل. وإنما صارت خفية لأنها لا تعرف إلا بجمع الطرق، لا تعرف بظاهر الإسناد، وإنما تعرف بجمع الطرق. وهذه يسميها بعض العلماء أيضا المعلول، لكن ابن الصلاح يقول: إن هذا لحن، وأعترض على ابن الصلاح في ذلك. ذكر الإمام العراقي في التقييد أن هذا ليس لحنا، وذكر له مخرجا في اللغة. وغالبا هؤلاء الأئمة الفحول هم أهل اللغة، وعرفوا باللغة، فما سيقام بمثل هذا إلا وله مسلك في اللغة. وبعضهم يقول: معل هذا الحديث معل، وهذا النوع من أجل أنواع علوم الحديث وأشرفها وأدقها. أنا لا يعرف هذا العلم إلا قليل من الجهابذة، أنا ليس كل أحد من أهل العلم دخل هذا المغامر، ليس كل أحد من أهل العلم دخل هذا المغامر. فما دخله إلا فحول أهل العلم، وأقصد بمعنى جهابذة أهل العلم الذين مارسوا هذا العلم سنينا، فهم الذين دخلوا في هذا الباب. وهؤلاء منهم الأئمة: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وتلاميذهم أيضا: ابن المديني، وأحمد، وابن معين، وتلاميذهم: البخاري، ومسلم، وأبو داود، وأيضا تلاميذهم في طبقتهم: النسائي، والترمذي، وكذلك أبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم من هؤلاء الأئمة. وآخر الحفاظ الذين دخلوا هذا المضمار وأتقنوه هو الإمام الدارقطني رحمه الله، لم يأت بعده مثله أبدا. بل بعضهم يقارن الدارقطني بالبخاري وأحمد وغيرهم لمعرفته بهذا العلم. وأيضا ألف في هذا العلم، ولم يؤلف مثل مؤلفه "العلل الكبير" الذي ألفه الإمام الدارقطني، لم يؤلف مثله. حتى علل الإمام علي بن المديني رحمه الله، فهو في القواعد، بعضها في التعليم، وكذلك ما جاء عن أحمد في العلل وغيره أيضا شيء قليل، لكن ما ألفه الدارقطني عن شيء لم يسبق إليه. حتى مثلا في طرح العلة، ما تجدها عند من تقدمه، فقد يذكرون فقط أن الصحيح قول فلان، وأنه خولف في ذلك، قد يذكرون المخالف، وقد لا يذكرونه. لكن الدارقطني في العلل يفصل، فيقول: مثلا هذا الحديث رواه فلان وفلان وفلان وفلان وفلان كذا، ثم يأتي بمخالفهم ويعددهم. ومع توفر الآن الوسائل، ومع توفر الكتب التي بحث عنها الناس في كل مكان واستخرجوها، إلا أنه أحيانا لما حققوا هذه العلل، بعض أصحاب الجامعات، تجد أنهم يبحثون في كل الطرق التي يذكرها الدارقطني. أنا يقول مثلا الدارقطني: خرجته معنا، رواه فلان وخالفه فلان وفلان، كلهم هؤلاء أحيانا يعد إلى خمسة عشر، أحيانا إلى عشرين، فكلهم يأتون بروايات، لكن تجد بعض الروايات ما يجدونها. تجد بعض الروايات ما يجدونها معنا. كثرة الكتب، وأيضا حتى عندهم مخطوطات، أن يأخذوا مخطوطات موجودة مصورة، وأيضا لم يجدوا بعض هذه الطرق. هذا يدلك على سعة علم الأئمة رحمهم الله. لهذا أحيانا أيضا حتى البخاري وغيره يذكرون بعض الطرق، قد ما تجدها في شيء من الكتب المؤلفة. وهذا يدل على سعة اطلاعهم. فكان الرجل يحفظ أحيانا الحديث من خمسين وجها، بل من أكثر. كان يحيى بن معين يقول: الحديث إذا لم تكتبه من خمسين وجها لا تعرف علته، فيكتبونه. معنى من خمسين وجها: كيف معنى عن فلان عن فلان، مثلا الحديث من طريق لعمش عن نبي صالح عن نبي هريرة. معنى هذا ما خرجوه ما خرجه لعمش، فيجمعون كل من روى عن لعمش هذا الحديث، حتى إذا كان مثلا اختلف، فتكون فيه هناك علة في الحديث. مثلا على سبيل المثال حديث معنى حديث لعمش نبي صالح نبي هريرة مرفوعا أنه قال: لو بزقت أو لو قطرت قطرة من الزقوم في الدنيا لعكرت على أهل الدنيا معنى مزاجهم أو كذا. فهذا الحديث رواه لعمش عن نبي صالح عن نبي هريرة، وكل من روى عن لعمش حتى شعبة، وهذا أيضا مما يؤخذ أو مما يستثنى من قول شعبة رحمه الله: كفيتكم ترديس ثلاث: لعمش، وأبو سحاق، وقتادة. فهذا الحديث حتى لعمش رواه عن نبي صالح عن نبي هريرة، لكن جاء مجموعة من أصحاب لعمش: أسباط ابن محمد وغيرهم، قالوا: إن لعمش كان يقول: حدثت وعن نبي صالح. والأعمش يدلس، كان يقول: حدثت وعن نبي صالح، فدل على أن هذا الحديث لم يسمعه من نبي صالح. كيف عرفنا ذلك؟ عرفنا بجمع الطرق، فعرفنا أن الأعمش لم يصر أو لم يأخذ هذا الحديث من نبي صالح. وهكذا فجمع الطرق هذه تعرف بها العلل. أحيانا مثلا يخطئ الرجل في راو، فكيف يعرف أنه أخطأ؟ بالطرق الأخرى، بالطرق الأخرى. أنا أيضا أبو العباس الدمشقي، الوليد المسلم، كيف عرفوا أنه يحدث الواسطة بين الأوزاعي وبين الزهري؟ برواية الآخرين. الناس يروونه عن الزهري عن قرة بن عبد الرحمن عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري، وهذا يرويه عن الأوزاعي عن الزهري. ولأوزاعي ما أعرف عنه التدليس، فكيف يفعل؟ فقال أبو الهيثم رجل من أهل الشام من أهل العلم: قال الوليد المسلم يا أبا العباس، أنت الآن عندما تفعل هذا يتهم الناس الأوزاعي، كيف تروي عن الأوزاعي وتحذف الواسطة الذي بينه وبين الزهري؟ فقال رحمه الله: وهذا وإن كان هذا هو على حسن نية، لكنه خطأ. فقال: أنبل الأوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء، قال: أنبل الأوزاعي أن يروي هؤلاء، لكن هذا خطأ. كيف تحذف؟ معنى هذا فيه تدليس. لهذا سموه تدليس التسوية، يعني يسوي بين الأوزاعي، هو من ناحيته أنه سمع هذا من الأوزاعي، لكن الأوزاعي ما سمع من الزهري، فهناك بينه واسطة. فإذا كان ضعيف يحذف يحذف هذا الضعيف. فهذا كما تقدم معنا يسمونه تدليس التسوية. لهذا كما قلنا العلماء يكتبون هذا الحديث من عدة طرق حتى يعرفون من المخطئ في هذا الحديث، أو هل الراوي أخطأ أو لم يخطئ؟ لهذا قد ذكرنا قصة الإمام أبي زكريا يحيى بن معين، ذهب إلى عفان بن مسلم الصفار، وقال له: يا عفان أريد حديث كتابك الذي كتبته عن حماد بن سلمة، أنا الحديث الذي كتبته عن حماد بن سلمة أريد أن أكتبه. قالوا: هل كتبته عن غيري؟ قال: نعم كتبته عن ثلاثة عشر. قال: عن ثلاثة عشر، والله لا أعطيك. أنا إيش تفعل بالثلاثة عشر؟ أو لا عادة تريد مني أن أعطيك كتاب ما سأعطيك. قال: إن لم تعطيني فإنما هي دراهم وأذهب إلى التبوزك، التبوزك في آخر البصرة. قال: اذهب. فذهب إلى التبوزك أبو موسى أبو سلمة موسى بن اسماعيل التبوزك المنقري البصري رحمه الله، فدخل عنده، وقال له: يا أبا سلمة أريد حديث محمد بن سلمة الذي كتبته عن قال أو كتبته عن غيري؟ قال: نعم عن ثلاثة عشر. قال: ولما ليش تكتب عن ثلاثة عشر ولا تريد مني؟ قال: أريد أن أنظر إن كان الخطأ في الحديث من حماد بن سلمة فأصحابه غالبا سيجمعون عليه، سيجمعون على هذا الخطأ. وإن كان الخطأ من غيرهم فسيختلفون، أو من غيره يعني إذا كان الخطأ منهم من بعض الله سيختلفون، لكن إن كان الخطأ منه سيتفقون على هذا الخطأ. فلهذا فالعلماء كانوا يكتبون الحديث من أوجه كثيرة. حتى قال أحد تلاميذ النسائي وهو الكناني: قال رأيت في المنام أو قال: خرجت حديثا خرجت حديثا حتى بلغت في طرقه مئتي طريق، قال: ففرحت بذلك فرحا كثيرا أني وجدت مئتي طريق لهذا الحديث. قال: فلما نمت رأيت في المنام أبا زكريا يحيى بن معين، فقلت: يا أبا زكريا فإني خرجت حديث كذا وكذا من مئتي طريق. قال: هذا من التكاثر الذي نهى الله عز وجل "الهاكم التكاثر" حتى زرته من قبر أنت الآن تشغل نفسك مثل هذه الطرق الكثيرة، ستشغل متى ستجمعها؟ أنا جمعها يحتاج إلى وقت كبير. فلهذا ستضيع وقتك في جمع هذه الطرق. أنا من هذا الباب "الهاكم التكاثر". لكن هل العلم تجد أنهم اجتهدوا في هذا أيما اجتهد، مع أنه كانت ما عندهم تلك المراجع التي عندنا الآن، ولا تلك الوسائل التي عندنا الآن. الآن ممكن تأتي بالطرق كلها للراوي في لمحة بصر، دقها هكذا يطلع لك الروايات وكلها. وإنما كان يبحثون في الكتب والأجزاء وكذا ويحفظون هذا ويحفظون هذا ويأتون به، لكن الله عز وجل سخرهم لهذا الأمر، وإلا فهذا العلم من أصعب علوم الحديث، من أصعب العلوم. ولهذا ليس كل أهل الحديث يعرفون هذا العلم، بل حتى ممن هو معنى متمكن في هذا العلم أي في علم الحديث، تجد أنه لم يدخل في التعليلات، لم يدخل في التعليلات. معنى انشغل مثلا بالرجال، انشغل بكذا، لكن التعليلات لم يدخل فيها. وهذا تجده موجود عنده كثير من أهل العلم الآن. مثلا الإمام ابن ماجه رحمه الله هو من أئمة العلم، وكتابه هذا كتاب عظيم، لكن ما تجد فيه تعليلات إلا يسير، بل بعضها ليست تعليلات وإنما فقط تنبيهات. هو معنى في تسعة مواضع من الكتاب علق بعض الأشياء فيها بعض التعليقات التي فيها تعليل. وأما بقية الكتاب لم يعلق عليه، بل فيها أحاديث موضوعة. فلهذا فابن ماجه رحمه الله معنى من نابغي السنة، لكنه لم يعرف في هذا الباب. الترمذي معروف، النسائي معروف، وهو من أكثرهم معنى في هذا الباب. معنى من أكثر أصحاب السنن، والإمام أبو داود أيضا، كلهم هؤلاء إما دخلوا في هذا المضمار. وهذا العلم كما قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي: قال هذا العلم كهانة عند الجهال، كهانة عند الجهال. ولهذا ذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه: أن رجلا من المتفقه من أهل الرأي جاء بجزء معه جزء في حديث، قال: فجاء به إلي وقال: انظر إلى هذا الجزء. قال: فنظرت إلى هذا الجزء وكتبت بجانبه: هذا باطل، هذا منكر، هذا كذب، هذا صحيح، هذا كذا. أنا أكل فلما انتهيت، قال لي الرجل: من أين أعرفت هذا؟ هل سمعت هذا الجزء أنت حتى تحكم على حديثه؟ قال: لا ما سمعت. قال: وكيف حكمت شيئا ما سمعته؟ قال: هذا علم عندنا نعرف به، لكن أنت أن تريد أن تتأكد اذهب إلى رجل يعرف هذا العلم وسيتفق معي في كلامي. قال: أذهب إلى من؟ قال: اذهب إلى أبي زرعة. فذهب الرجل إلى أبي زرعة وأراه وأخفى معنى ما كتبه أبو حاتم، وأعطى النسخة لأبي زرعة. فكان أبو زرعة يقول: هذا كذب، هذا باطل، هذا مكذوب، هذا كذب. فقال: فرجع إلي فقال الإمام أبو حاتم: فكان أبو زرعة يقول كذب وأنا أقول باطل وهو واحد. وحيانا أنا أقول باطل وهو يقول كذب، وأقول منكر وهو يقول منكر، وأقول صحيح وهو يقول صحيح. معنى التفق. فقال: هذا الفقه سبحان الله كيف اتفقتم؟ هل تواطئتم على ذلك؟ قالوا: نحن ما رأينا هذا الجزء ولا ندري لمن هذا الجزء حتى الذي أتيت به، لكن قال له: هذا علم تعلمناه تعرفناه. مثل قالوا: أن تأتي إلى رجل صيرف من الصيارفة الذين يعرفون الفلوس، يعرفون الصحيح من البهرج، البهرج معنى المزور. فإذا جئت له بمال فقال لك: هذا صحيح وهذا بهرج، هل ستعترض عليه؟ قال: لا هذا علم. قالوا: وإذن هذا علمنا. يعرفون هذا بالممارسة، ولهذا أحيانا تجد بعض العلماء يعل بعض الحديث، لكن ما يدري ما هي العلة. يقول: إن هذا الحديث معلول. ذكرنا مثلا حديث عمر في التقبيل، قال: هششت فقبلت. فهذا الحديث رواه عن جابر بن عبد الله، رواه عبد الملك بن عمير، ورواه أيضا رجل ثقة، رجل ثقة. فالإمام النسائي قال: هذا الحديث منكر، لكن ما أدري من أين النكارة؟ أنا هو نفسه الإمام النسائي يقول: ما أدري من أين النكارة؟ الحديث منكر. وسألوا عنه الإمام أحمد، قال: شبه ريح. أنا شبه الريح هذه معنى كلمة يراد بها أنه لا شيء. مثل الريح الذي تمر، أنا ليس حديثا صحيحا. فهؤلاء العلماء يعرفون معنى هذه الأحاديث بالممارسة، أحيانا حتى يعرفونها باللفظ، ينكرون اللفظ. وهذا عند الأئمة الجهابذة الذين مارسوا هذا العلم. لما جاء الرجل إلى الإمام أحمد وروى له حديثا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلحظ في الصلاة، قال: استغفر ربك. قال له الإمام أحمد: استغفر ربك. النبي صلى الله عليه وسلم يلحظ في الصلاة؟ قل الآن أسند له حديثا. لكن الإمام أحمد يعرف أن هذا الحديث غير صحيح، عرفه أولا بلفظه. أراد أن يعرفه أن هذا الحديث فيه شيء من لفظ أصلا، أنه كان يلحظ بالصلاة، يلحظ بالصلاة معناه أنه ينظر. وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينظر إلا ما كان مرة واحدة وكذا. لما أرسل الرجل في الشعب، لكن هذا السياق هذا الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك في صلاته. فلهذا أنكره الإمام أحمد، وقال له: استغفر ربك. مع أن هذا الحديث قد رواه الفضل بن موسى السيناني وهو ثقة، لكن الإمام أحمد يعرف أن هذا الحديث لا يصح، وقد رواه وكيع وغيره مرسلا. قال الحاكم: وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، والحجة في التعليل عندنا بالحفظ والفهم والمعرفة لا غير. هذا العلم يقول: إن الجرح لا مدخل له، لأنه الآن ينكرون أحاديث من أحاديث ثقات، بل أحيانا حديث أيما حفاظ، فيقولون: أخطأ فيه فلان. وبعض العلماء يتجنى، يقول: أخطأ فلان. وبعضهم يقول: يتوقف. وبعضهم ينسب الخطأ إلى غيره، إذا كان رأى أن هذا مثلا حافظ كبير، ينسب الخطأ إلى غيره، ما ينسبه حتى في حديث حديث بن عباس: يقطع صلاة الرجل المرأة الحائض والكلب والحمار. هذا الحديث رواه قتادة عن صالح أبي الخليل عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، فرواه هشام وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة موقوفا، ورواه شعبة مرفوعا، رفع شعبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. بعض الأئمة كأبي داود قال: أخطأ شعبة، أنا صرح أن شعبة أخطأ. يحيى بن سعيد لما روى هذا الحديث عن شعبة، وهو عرف أن شعبة يخالف سعيد وهشام، فقال: أوقفه، أرفعه شعبة؟ وأنا هاب شعبة. قال: وأنا هاب شعبة. وأيضا كذلك الإمام الدارقطني أيضا في حديث آخر، قال: فيه يحيى بن سعيد، قال: ويحيى بن سعيد جبل، معنى ما قال أنه أخطأ، قال: ويحيى بن سعيد جبل، أنا ما أستطيع أن أخطئ يحيى بن سعيد. كذلك أيضا في حديث أول حديث في المسند، حديث أبي بكر الصديق في سؤال الله العافية، فإنه ما أعطي أحد خيرا بعد اليقين من العافية. هذا الحديث خرجه الإمام أحمد وغيره من طريق إسماعيل من طريق قيس بن أبي حازم عن أبي بكر. لما جاء قيس بن أبي حازم المدينة سمع أبا بكر يحدث بهذا الحديث، لكن أكثر أصحاب قيس بن أبي حازم إن لم يكن كلهم يقولون: إن كلام أبي بكر، يجعلون الكلام من كلام أبي بكر: سألوا الله العافية، يجعلونه من كلام أبي بكر. كأن أبي بكر قال: إلا إسماعيل بن أبي خالد، إسماعيل بن أبي خالد يقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام، معنى يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وحصل أيضا اختلاف فيما بين أصحاب إسماعيل، وأكثرهم يقول: يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام. أبو زرعة الرازي رحمه الله، وقال: من أئمة هذا الشأن، قال: أخطأ إسماعيل، أنا صرح أن إسماعيل أخطأ، وإنما الناس يوقفونه، فأخطأ في الرفع. وأما دارقطني قال: لم يقل أن إسماعيل بن أبي خالد أخطأ، قال: هذا من قيس بن أبي حازم، أحيانا يرفع الحديث وأحيانا يوقفه. انظر إلى الإمام دارقطني ما قال: إن إسماعيل بن أبي خالد هو المخطئ، مع أنه الذي ينظر يرى ما في حد خالف إلا إسماعيل، وكل الرواة ثمانية منهم رووا هذا الحديث على الوقف، وهذا إسماعيل بن أبي خالد رفعه. فقال: هذا من قيس بن أبي حازم، أحيانا يرفعه أحيانا يوقفه. والحديث أصلا مرفوع، لأنه حتى ولو كان موقوفا فهو في حكم الرفع، لأنه كأنه يريد أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأنه الحديث فيه إشكال، يقول: قام النبي صلى الله عليه وسلم في مقام هذا العام الأول، لكن لم يقل: وقال. ثم قال أبو بكر: سألوا الله العفو والعافية، فظاهر الكلام هذا قد يكون منه، وقد يكون أراد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله: سألوا الله العفو أو سألوا الله العافية، فإنه ما أعطي عبد بعد اليقين خيرا من العافية. والعلة عبارة عن سبب غامض خفي قادح، والعلة عبارة عن سبب غامض خفي قادح. أنا غامض وخفي وقادح، مع أن الظاهر السلامة منه. أنا الآن هناك علة جلية، وهناك علة غير قادحة. وهناك علة خفية لكنها غير قادحة، وغامضة مثلا: إبدال ثقة بثقة، هذا يعتبر علة. أنا في كثير من الرواة قالوا في حديث في حديث عبد الله بن دينار، قالوا: عمر بن دينار. بعض الرواة قالوا: عمر بن دينار، حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر في المغفرة، قالوا: عمر بن دينار. وعمر بن دينار لم يرو هذا الحديث، وإنما رواه عبد الله بن دينار، لكن هذا ثقة وهذا ثقة، فإبدالهما إن كانت علة، لكنه لا تضر ولا تقدح في الحديث، فيسمى هذه علة غير قادحة. قال: معنى الظاهر السلامة منه، لما تنظر إلى إسناد الحديث ظاهره صحيح. ولهذا شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله لما ألف الكتاب، فكان يقول في أول الحديث: وهذا الحديث إذا نظرت إلى سنده تجد أن ظاهره صحيح، ظاهر إسناده صحيح، لكن ذكر العلماء أن فيه علة، ثم يذكر. قال: معنى الظاهر السلامة منه، يتطرق إلى إسناد الجامع شروط الصحيح ظاهرا، أنا قد اجتمعت فيه شروط الصحيح. قالوا: تدرك بتفرد الراوي، ولهذا اهتم العلماء بالتفردات. وكما قلنا: إن الإمام دارقطني ألف كتابا سماه "كتاب الأفراد"، ذكر الروايات التي تفرد بها الرواة. كما قلنا: ليش يستعملون هذا؟ أصحاب العلل يعرفون أنه إذا جاء إنسان آخر بهذا الحديث، فهو مخطئ. معنى مثلا الحديث يعرف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة معروف، الحديث هذا تفرد به سعيد بن بشير عن قتادة، فيأتي إنسان آخر ويقول: سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فيعرف العلماء أنه أخطأ، ليس الذي روى هذا الحديث سعيد بن أبي عروبة، وإنما هو سعيد بن بشير. ولهذا قد يؤثر هذا على الحديث، قد يؤثر هذا على الحديث. معنى سعيد بن بشير ضعيف أو يضعف في قتادة، وسعيد بن أبي عروبة من أصحاب قتادة الحفاظ. ولهذا كان العلماء معنى يهتمون بهذا الأمر، بل حتى يخطئون من يأتي بخلاف هذا. ذكر الإمام ابن أبي حاتم في ترجمة به أن أبا حاتم قال: ذهبت مع عمي أو مع خالي، قال محمد بن يزيد، قال: ذهبت مع خالي محمد بن يزيد إلى سنجستان، ودخلنا على قاضيها عبد الله بن داود العقيلي، وكذا قال: فدخلنا عنده، فرأيت كتابه كان موجود كتاب، فإذا فيه شعب عن بالتياح، شو أضعنا بالتياح عن عن أنس، لا عن هذا من عن مطر الوراق عن الحسن أو عن كذا عن أبي بكر. معنى الإسناد هو من أوائل الحديث التي في المسند، أن في مسند أبي بكر في الدجال وأنه يخرج من منطقة. فهذا الحديث قال: فوجدته في كتابه: شعب عن أبي التياح، قال: فقلت لخالي: ما هذا الكذب؟ شعب عن أبي التياح، قال: إنما روى هذا من شعب وسعيد بن أبي عروبة عن أبي التياح. معنى ما رواه شعب أبدا، أنا أولان مع أنه كان في ذاك الوقت من سبعة عشر سنة، لكن عرف أن هذا الحديث تفرد به سعيد بن أبي عروبة وأبو التياح وعبد الله بن شودب. بل حتى يقول دارقطني: إن سعيد بن أبي عروبة محتمل أنه أخذه من عبد الله بن شودب عن الحديث، هذا تفرد به عبد الله بن شودب. وذكر بعضهم سعيد، أما شعب لا ما رواه هذا الحديث، فوجد في كتابي شعب، فقال: فقلت لخالي: والله هذا كذب، ما رواه شعب. فقال: قال فقلت لخالي: قم نخرج، ما ستسمع منه شيء. قال: فخرجنا. أنا أنظر كيف يعرفون التفرد، يستفيدون من التفرد أنه لو جاء إنسان آخر بهذا الحديث عرفوا أنه أخطأ فيه. الإمام أبو زكريا كان في اليمن يكتب نسخة أبان عن أنس، أبان بن أبي عياش، فرعاه أحمد بن حنبل رحمه الله يكتب هذه النسخة، قال: يا أبا زكريا كيف تكتب حديث أبان وأنت تعرف حاله؟ أنا تعرف حال هذا الحديث عن أبان كيف تكتب ها؟ قال: يا أبا عبد الله، قال: أنا أكتب هذا حتى إذا جاء إنسان آخر وقال: قال معمر عن ثابت، معنى إذا جاء مثلا إنسان قال: ثابت عن أنس، نعرف أنه أخطأ، وإنما هذا حديث أبان، لأنه وجد في بعض الحديث معمر أنه يدخل أبان وثابت معه، ولا يميز بين رواية ثابت وأبان. فلهذا كان أبو زكريا يكتب تفردات أبان التي لم يتابع في أحد، فإذا جاءه الحديث عن ثابت عرف أن هذا الرجل أخطأ، لأن كثير من أهل البصرة الضعفاء منهم يقولون: ثابت عن أنس، معنى إذا ما حفظ من هذا يقول: ثابت عن أنس. فلهذا كان العلماء يكتبون مثل هذه الأشياء، فلهذا فهم يستفيدون من هذه التفردات. قال: وتدرك بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، أيضا مخالفات ينتبهون لها. ولهذا كان علي المديني إذا خالف سفيان في حديث يقول: سفيان يا أبا محمد قد خالفك الناس، أنا يقول لسفيان: يا أبا محمد قد خالفك الناس فيقول له: من خالف؟ يقول له: خالفك كذا ويقول له: ماذا قال؟ فإذا كان سفيان متأكد من الحديث يقول: أنا سمعته من الزهري هكذا. وإذا كان عنده شك فيرجع إلى رواية الآخرين. وهذا لأنه منصف، أنه منصف رجل صاحب دين ورجل علم. لكن بعضهم وجد مثلا من عاصم بن علي الواسطي أو علي بن عاصم الواسطي أنه عاصم بن علي الواسطي أنه رجل حافظ كبير، لكنه معنى فيه شيء من الكبر. حتى قالوا له: كانوا إذا قالوا له: خالفك فلان أو يخالفونك، قال: جئته. علي بن مديني يقول: فقلت له: يخالفونك، قال: من يخالفونك؟ أنا كأنه متكبر ما يريد أحد أحفظ منه أو أنه لا يرى أحدا أحفظ منه. قال: دخلنا على عفان وسمعنا منه الحديث، قال: فقلنا له: يخالفونك، قال: من يخالفونك؟ قلنا له: شعبة. شعبة عند المحدثين يهاب، كان حماد بن زيد مع إمامته وعلمه كان يقول: إذا خالفني شعبة رجعت إلى قول شعبة، مع أنه حافظ كبير حتى قورن بسفيان الثوري. فلما جاء فقالوا له: خالفك شعبة، قال: ذاك المسكين الذي كان على باب خالد الحذاء وأنا دخلته. وقال أيضا: يخالفك، قال: من؟ قال: أبو عوانة، قال: ذاك العبد الوضاح، في رواية الوضاح، وفي رواية الوضاح وظاهر الوضاح، ذاك العبد لأنه كان عبدا، فكان يلمز بهذا، فكلما ذكر له شيء أحدا لمزه. وهذا يدل على التكبر. فلهذا قال: أو مخالفة غيره له، يعني يستفيدون المخالفات هذه ويجمعون الطرق حتى يروا من المخالف ومن غير المخالف. مع قرائن تنبه العارف على وهم بإرسال أو وقف أو دخول حديث في حديث. حيال يحصل هذا: حديث في حديث، ظاهر متعبون اليوم حق البارح، ظاهر ما نمت، لكن نأخذ هذا. أو دخول حديث في حديث، أحيانا كيف يدخل الإنسان؟ أحيانا مثلا يكتب النسخة فيكتب مثلا: حدثنا فلان، فيقع بصره على إسناد آخر فيكتبه مثل ما حصل له هشام بن عمار في حديث أبي، قالوا: قال له: أما رددت علي أو ما فتحت علي؟ فهذا الحديث يقول للإمام أبي حاتم: أنه لم يكتبه في حديث هشام بن عمار، وإنما كان في كتاب هشام بن إسماعيل، لكن أدخل عليه إسناد في إسناد. أنا يقول للإمام أبي حاتم: أن هذا الحديث أصلا مرسل من مراسيل محمد بن يزيد أو هو معضل، فأدخله بعضهم في إسناد آخر. فقال: كنت عند هشام بن عمار فكتبت له حديث محمد بن شعيب بن شابور، معنى كتب له أحاديث انتخبها وكتبها له، أنا كتب له أخرج من كتبه أحاديث يسمونها انتخاب، معنى هذه الأحاديث الصحيحة التي في كتب هشام بن عمار. قال: فأخرجتها له، فجئت مرة أخرى العام الآخر، قال: فرأيت يحدث بهذا الحديث من طريق محمد بن شعيب بن شابور، فلما انتهى قلت: يا هشام من أين لك هذا الحديث؟ قال: هذا حديث من الحديث. قلت: لا، أنا كتبت حديث هل وجدت فيه هذا الحديث؟ قال: لا. قال: نعم كنت أنت كتبت وكنت أري أهل الحديث أن هذا كتاب هشام كتاب أبي حاتم وانتخابه، لكن قال له: هذا الحديث ليس من هذا الإسناد الذي ذكرته. قال له: كيف؟ قال: ظاهر أن هشام من إسماعيل أدخله على أدخله بعض البغدادي عليه أو أنه أدخل إسنادا في إسناد. أنا كان يكتب، رح بصره إلى إسناد آخر فكتب هذا الإسناد. فهذه الأشياء يعرفها العلماء، أنا مارستهم هذا العلم، وأشياء كثيرة. أحيانا يقول الإنسان: هذا خيال، أنا هذه أشياء خيال كيف يعرفها؟ أنا الإنسان أحيانا ينذكر كما قال الإمام ابن المديني، عبد الرحمن بن مهدي: يعرف حديثه وحديث غيره، أنا هل رواه أو لم يرويه؟ حتى أنه كان مرة عند أبي عوانة، فروى حديثا أبو عوانة روى حديثا، قال: يا أبا عوانة، قال له عبد الرحمن بن مهدي: يا أبا عوانة هذا ليس من حديثك. قال أبو عوانة: بلى هذا من حديثي. قال: لا ليس من حديثه. قال: بلى هو من حديثه. فقال له: لا ليس من حديثه. فقال أبو عوانة: يا جاري هاته الجزء الفلاني في الدرجة الفلاني، فجاءت به، فنظر يريد الحديث ما وجد الحديث، وكان يظن أن هذا الحديث موجود في هذا الجزء. قال: نعم يا أبا سعيد ليس موجودا هذا الحديث، قال: فمن أين ذكرت هذا الحديث؟ قال: لعلك أو قال له: ذكرت به وأنت في شبابك، أنا كان التذاكرون العلم، لكن علق في ذهنه هذا الحديث، فظن أنه في الجزء وهو ليس في الجزء عنده. هكذا أيضا يحيى بن معين لما كان عنده نعيم بن محمد الخزاعي، فحدث نعيم بحديث عن ابن المبارك عن ابن عون عن ابن سيرين عن أنس في حديث بن مسعد الخفين، فقال ابن معين: يا أبا عبد الله هذا الحديث ليس من حديثه. قال: بلى هذا من حديثي. قال: لا ليس من حديثه. قال: تريد شيني؟ لأنه عند الناس قال: تريد شيني؟ قال: لا إنما أريد زينة هذا الحديث ليس من حديث ابن المبارك، ما حدث به ابن المبارك ولا عرفه ابن عون. فقال: فقام نعيم بن محمد ودخل إلى بيته وأتى بالجزء وهو جاء بالجزء، قال: أين الذين يقولون: إن أبا زكريا ليس أمير المؤمنين في الحديث؟ بل هو أمير المؤمنين في الحديث. نعم هذا الحديث ليس من حديث ابن بارك وليس من حديث ابن عون. فالمهم أن هؤلاء العلماء عرفوا مثل هذه الأشياء بكتابتهم، وكذلك بحفظهم ومعرفة المفردات التي تفرد بها، ومعرفة المخالفات، فعرفوا مثل هذه الأمور فأجادوها. قال: بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيتوقف. طيب إن شاء الله نكتفي بهذا.