الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الكتاب يتناول موضوع النهي عن التشبه بالكفار ومجانبة هديهم، ويبرز أهمية الولاء والبراء في الإسلام. يشرح ابن تيمية مسائل عظيمة في هذا الباب.
النص يؤكد على أهمية اتباع المسلمين للصراط المستقيم ويحذر من اتباع اليهود والنصارى الذين غضب الله عليهم وضلوا عن الطريق الصحيح.
يناقش المقطع أهمية مخالفة المسلمين للكفار في عاداتهم وأعيادهم، ويشير إلى أن هذه القاعدة لها فروع كثيرة وتأثير كبير في حياة المسلمين.
النص يحذر من رين القلوب وهوى النفوس الذي يؤدي إلى الصد عن معرفة الحق واتباعه، ويذكر أن المعاصي والجهل يؤديان إلى رين القلب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. فإن شاء الله تعالى في هذا اليوم نبدأ في قراءة في كتاب الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله «اقتضاء الصراط المستقيم ومخالفة أصحاب الجحيم». وهذا الكتاب كتاب في موضوع مهم ينبغي لكل مسلم أن يهتم بهذا الموضوع؛ لأنه عز المسلم، وكذلك علوه بإسلامه. والإسلام كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يعلو ولا يعلى عليه». وموضوع هذا الكتاب هو التنبيه على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام كما أشار إليها شيخ الإسلام في بداية كلامه، وهي النهي عن التشبه بالكفار، والأمر أيضا بمجانبة هديهم وما هم عليه من دين أو من أعياد أو من أفكار أو من ألبسة، وشيء ميزوا به وخصوا به، فحث الإسلام على مخالفتهم فيه. فلهذا كان هذا الكتاب كتابا مهما جدا في هذا الباب. وقد ذكر شيخ الإسلام مسائل عظيمة ينبه فيها على قواعد وضوابط في مسألة التشبه، وكذلك أيضا مسائل فقهية وعقائدية في هذا الباب. وأيضا كذلك أيضا من المسائل المهمة وهي أن المسلم ينفصل عن الكفار، ولا يساكنهم، ولا أيضا كذلك يكون معهم وكأنه ليس بينه وبينهم شيء، ولكن له أن يدعوهم إلى الله جل وعلا. ففيه أمر مهم هو الولاء والبراء، فإن الولاء والبراء من عمدة هذا الدين، فلا يقوم هذا الدين إلا بولاء وبراء. ولهذا أدخل كثير من العلماء الولاء والبراء في ضمن التوحيد؛ أن المسلم لا بد أن يتولى أهل التوحيد ويتبرأ من الشرك وأهله، تبرأ من الشرك وأهله، كما قال الله عز وجل: ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله﴾، قدموا البراءة من أهل الشرك: ﴿إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾. فتبين من هذا أن المسلم ينبغي عليه أن يعادي هؤلاء الكفار. ولأجل هذا الأمر المهم والموضوع المهم، فإن الله عز وجل فصل بين المسلمين والكفار، جعل بينهما تميزا يميز المسلم عن الكافر. ومن ذلك أنه نهاه عن التشبه بهم. وإن كان هذا الأمر قد خولف في هذه الأمة، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث، ومنها حديث ابن سعيد وأبي هريرة: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة»، على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هناك طائفة من الطوائف تتبع هؤلاء المشركين، يتبعونهم في كل شيء حتى في الشرك بالله، وفي عبادة الأصنام، وفي الأفكار الهدامة التي مثلا مثل معنى الأفكار التي فيها للإلحاد، وأيضا الاشتراكية الشيوعية، وكذلك أيضا اتباعهم في الشهوات، وفي البدع والأعياد، وغيرها من هذه الأمور. وقد حصل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام، فتجد عامة أمة المسلمين الآن يكونون أذنابا وتبعا لهؤلاء، إلا من رحم الله ممن ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام أنهم أتباع الأنبياء، أهل الصراط المستقيم الذين يتبرؤون من المغضوب عليهم ومن الضالين، كما ذكر ربنا جل وعلا في سورة الفاتحة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا. وهذا ذكر رحمه الله هذا الباب أو هذا الأمر، وهو كما يقول الأهل: من براعة الاستهلال. والمراد براعة الاستهلال: هو تضمين المقدمة موضوع الكتاب. فهنا شيخ الإسلام رحمه الله بدأ بهذه المقدمة: «الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا»، فلا نحتاج إلى أن نكمل هذا الدين بغيره. فالربنا جل وعلا يقول: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فهذه نعمة عظيمة على أهل الإسلام؛ عندهم دين كامل، وأيضا نعمة عظيمة لا يحتاجون فيها إلى أحد، بل أن الناس يتبعونهم، وكذلك الناس يتشبهون بهم. ومن لم يتمسك بهذا الدين -أي دين هؤلاء المسلمين- فهو من أهل النار، كما جاء في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار». فلهذا فالعزة لأهل الإسلام والعلو في هذه الأرض لأهل الإسلام. وأما اليهود فأذلهم الله، وربط ربنا جل وعلا هذه الذلة أو أنهم سيستمرون في هذا الذل إلا أن يشاء الله عز وجل بحبل منه سبحانه وتعالى، أو بحبل من الناس؛ أي أن الناس يخضعون لهم، أو كذلك يشقون عليهم، وأيضا كذلك يتعاملون معهم. والمراد بالناس هنا أهل الإسلام، فإذا ألانوا لهم، وكذلك فتحوا لهم الطريق، فهم أهل المكْر وأهل الفساد، فيدخلون عليهم بعد ذلك. يذهب ذلك الذل منهم. ومن الذي رفع عنهم الذل هؤلاء؟ وقد يكون أيضا من الله سبحانه وتعالى عقوبة لبعض الناس معنا، يجعل غيرهم تسلط عليهم؛ لأجل أن يعاقبهم كما عاقب الله عز وجل بني إسرائيل لما أضاعوا أمره سبحانه وتعالى، فسلط عليهم عدوا من غيرهم، وسلط عليهم باختنصر، أبادهم واستولى عليهم. فلهذا فإن الله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، فجعل ذلة لليهود حتى يكون هو سبحانه وتعالى يرفعهم ليس محبة لهم، وإنما عقوبة لغيرهم ممن رضي الله عز وجل عنهم وأتم لهم دينهم، فبعد ذلك يضيعون هذا الدين كما فعلت النصارى، فعاقبهم الله، وكذلك أهل الإسلام لما أضاعوا دينهم وتركوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاقبهم الله عز وجل بأن سلط عليهم هؤلاء الأعداء، سلط عليهم هؤلاء الأعداء. فصار كثير من الناس يتبعوا هؤلاء في هديهم، وفي بعضهم حتى يصحح أديانهم، وبعضهم كذلك يريد أن يدعو الناس إلى عادات هؤلاء الكفار وإلى كذلك نظامهم وإلى أيضا غيرها من هذه الأمور التي عندهم، كما حصل في هذه الجزيرة وغيرها من أناس من المستشرقين أنهم ينتسبون للإسلام جورا، ولكنهم يدعون الناس إلى هدي هؤلاء الكفار. فقال رحمه الله: «وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم -اليهود- ولا الضالين -النصارى-». أن الواجب على المسلم أنه يكون من أتباع أهل الصراط المستقيم ويكون منهم. ولهذا يسأل العبد هدايته، أو يسأل الله عز وجل أن يهديه إلى هذا الصراط المستقيم: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، يقولها سبع عشرة مرة في اليوم والليلة، هذا أقل ما يقولها في الصلوات الخمس، ثم بعد ذلك أيضا يقولها في النوافل وفي غيرها، فيسأل الله عز وجل الهداية إلى الصراط المستقيم. ومن تأمل وتدبر هذا الموضع فإنه ينتفع به أي منتفع، ويعلم أن الواجب على المسلم أنه يسلك هدي الصراط الذي وضعه الله عز وجل، وهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يلتفت يمينا وشمالا؛ فإن فيه الطرق المعوجة التي توصل إلى غضب الله وإلى أيضا كذلك غواية العبد. قال: «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم والملة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر»، أمر باتباعها، أو أمر باتباعها، ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. هذه آية صريحة في نهي النبي عليه الصلاة والسلام أن يتبع أهل الملل الأخرى وأهل الأهواء الأخرى: ﴿ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾. قال: «وأمره بأن يقول: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»، أنا حتى يميز طريقه عن طريق أولئك أهل الضلال. قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما. وبعد، فإني -قال- فإني قد نهيت -إما فإني كنت قد نهيت- نهيت، إما مبتدأ أو مجيبا. أنا إما أني ابتدأت الكلام أو أجبت على سؤال عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك، أو أخبرت ببعض ما في ذلك من الأثر القديم والدلالة الشرعية، وبينت بعض حكمة الشرع في مجانبة الكفار من الكتابيين والأميين. وما جاءت به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والأعاجم. والأعاجم هو بخلاف العرب؛ لأن الكفر كان فيهم، وأيضا نقل إلى المسلمين عاداتهم، فكان هذا أيضا من هذا الباب، وليس المراد بهم أهل الإسلام من غير العرب. قالوا: إن كانت هذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، كثيرة الشعب، وأصلا جامعا من أصولها كثير الفروع. أنا هذه القاعدة وهي النهي عن التشبه بالكفار لها فروع كثيرة، لكني نبهت على ذلك بما تيسر الله تعالى، وكتبت جوابا في ذلك لم يحضرني الساعة، وحصل بسبب ذلك من الخير ما قدره سبحانه. ثم بلغني بأخره أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده. هذا جهل؛ يستبعد أنه لا يتشبه بهؤلاء ولا يؤخذ عاداتهم -أي عادات الكفار-. قال: «لمخالفة عادة قد نشأوا عليها وتمسكوا في ذلك بعمومات وإطلاقات اعتمدوا عليها». قال: «فاقتضاني بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه شارحا لأصل هذه المسألة لكثرة فائدتها وعموم المنفعة بها». لأن الغالب على الإنسان خاصة إذا كان يعايش الكفار، تجد أنه يذهب من قلبه العداوة والبغضاء، وأيضا هذا الأصل وهو أنه لا يتشبه بهم. قالوا: «لما قد عم وخاصة في العادات؛ لأن كثيرا من الناس يأخذ عادات الكفار ويجعلها بين المسلمين، أو يظن أن عادات الكفار أفضل مما أمر به الإسلام وما أمر به هذا الدين». قالوا: «ولما قد عم كثير من الناس بالتلبيس بذلك حتى صاروا في نوع جاهلية». وهذا في وقته رحمه الله، فكيف في وقتنا هذا؟ فإن هذا الأمر قد استفحل كثيرا. قال: «فكتبت ما حضرني ساعة، مع أنه لو استوفي ما في ذلك من الدلائل وكلام العلماء واستقريت الآثار في ذلك لوجد فيه أكثر مما كتبته». وهذا يدل على سعة علمه، كتب هذا الكتاب العظيم من حفظه ومما استحضره رحمه الله. وهذا يدل على سعة علمه. قال: «ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه ورأى ما آتى به الشرع ومقاصده وعرف للفقهاء ومسائلهم يشك في ذلك». وقد وجد في زمنه أن ناسا من المتفقهة يتعاملون مع الكفار ومع الاستعمار ويكونون أذنابا لهم، ويظنون أن هذا مصلحة وإنما هي مفسدة عظيمة، بل وأيضا موالاة لغير الله جل وعلا وغير المؤمنين. قال: «بل ما كنت أظن أن من وقر الإيمان في قلبه وخلص إليه حقيقة الإسلام وأنه دين الله الذي لا يقبل من أحد سواه إذا نبه على هذه النكتة -النكتة معنى الفائدة اللطيفة أو الأمر الخفي- أو غيرهم معنى يطلق عليه نكتة، وليس المراد الأمر المضحك، وإن كان أيضا تطلق على الطرفة والأمر المضحك يطلق عليه نكتة، لكن هنا المراد به هذا الأمر الخفي أو الفائدة اللطيفة- قال: «إلا أن كانت حياة قلبه وصحة إيمانه توجب استيقاظه بأسرع تنبيه». ولكن نعوذ بالله من رين القلوب وهوى النفوس الذين يصدون عن معرفة الحق واتباعه، عن رين القلب -أي ما يغشاه من المعاصي وغيرها- وكذلك الجهل، وكما قال الله عز وجل: ﴿وكان الإنسان ظلوما جهولا﴾، أخذ بالظلم فتبع نفسه، وكذلك أخذ بالجهل، فران قلبه وغشيه. فهذه مقدمة ذكرها شيخ الإسلام في هذا الكتاب. وإن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.