الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان الناس قبل الإسلام يعيشون في جاهلية وجهل، حيث انحرفوا عن الدين الصحيح وتفرقت عباداتهم. كانوا إما على شرك وإما كتابيين بدلوا دينهم.
انتشر الجهل وفسدت العلوم قبل الإسلام، فكان العلم الموجود ضارًا ولا ينفع. جاء الإسلام برسالة النبي محمد ليهدي الناس إلى العلم النافع والعمل الصالح.
تتفاوت الحكمة البشرية مع حكمة الشرع، حيث أن حكمة الشرع أعلى وأفضل. يُعبّر عن الامتنان لله على عظمة حكمة الشرع مقارنة بالحكمة البشرية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال شيخ الإسلام رحمه الله في اختصار الصراط المستقيم: فصل، قال: فصل، حال الناس قبل الإسلام، حال الناس قبل الإسلام. قال: اعلم أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخلق على فترة من الرسل، فعلى فترة من الرسل، أي أنه فترة لم يأتيهم رسول حتى أنه جاء في حديث عياض بن حمار أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب». وعاد ليعجل أن أهل الخير قلوا فيها ونسيت الأديان حتى اليهود والنصارى ما بقي على دينهم الصحيح إلا القليل منهم. قال: وقد مقت أهل الأرض، أي غضب الله عز وجل عليهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبيل مبعثه، أنه ماتوا أو أكثرهم مات، أي من هؤلاء الذين هم بقايا من أهل الكتاب الذين كانوا أهل الصلاة. وليس معنى ذلك كلام شيخ الإسلام أن أولئك العرب طريش ومن كان معهم منها الفترة، وإنما كانوا أهل دين كانوا على دين إبراهيم لكن غيروا دينهم وبقي فيهم من يعرف دين إبراهيم أو من يسمع بدين إبراهيم، ففيهم الحنيفيين كأمثال ورقة بن نوفل ثم تنصر، وكذلك زيد بن عمر بن نفيل، لكنه ما كان يجهل دين إبراهيم، وقيس بن ساعدة وغير من كان يدين بدين إبراهيم، لكن لم يكونوا يعرفونه، لكن اجتنبوا عبادة الأصنام، اجتنبوا عبادة الأصنام. فالصحيح من أقوال العلماء أن قريشا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا من أهل فترة. ومن أهل العلم من يقول أنهم أهل فترة. ومما يدل على أنهم ليسوا من أهل فترة أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بدخول بعضهم النار، ولو كانوا من أهل فترة لما صرح النبي عليه الصلاة والسلام بدخول بعضهم النار. فلهذا كان يقول: «قال ذاك الرجل أبي وأباك في النار». وأيضا قال: «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي»، أو قال: «استأذنت ربي أن أزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي». وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أن أولئك الذين كانوا قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام كانوا ليسوا من أهل فترة بل أهل شرك. قال: والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب، وإما مبدل، وإما مبدل منسوخ ودين دارس قد اندرس، أي ذهب بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أمي من عربي وعجم عن الذين عندهم علم من اليهود والنصارى أكثرهم قد بدلوا، فلم يبق إلا اليسير منهم. وفي قصة سلمان الفارسي ما يدل على هذا، فإنه تنقل من عند أناس من النصارى ممن هو على النصرانية الصحيحة حتى جاء إلى رجل أو آخر رجل منهم، فقال له: «يا بني، إنك لن تجد أحدا على ديننا - أي على ما كنا عليه من هذا الدين - لكن هذا أوان أن يخرج رسول عربي، فإذا سمعت به فاتبعه». وهذا يدل على أنهم قلوا جدا، أي من كان على الدين الصحيح، فما بقي إلا أو بقي أكثرهم من المبدلين الذين بدلوا دينهم، سواء كان من اليهود والنصارى أو النصارى. وكثرت أيضا الأميين سواء كان من العرب أو من العجم. قال: وإما أمي من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه، أي إما عبادة الأصنام أو عبادة الشمس والقمر أو عبادة غير ذلك من العبادات التي وجدت في الجاهلية. قال: وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر. الوثن هنا أراد الصنم، ويطلق الوثن على الصنم أو على ما يعبد من دون الله، سواء كان على صورة أو على غير صورة، أنه سواء كان تمثال أو شجرة أو قبر أو غير ذلك يسمى وثن. وإذا كان على صورة يسمى تمثال أو يسمى صنم. قال: أو وثن أو قبر أو تمثال أو غير ذلك، أنه تفرقت عبادات الناس، فأكثر الناس يعبدون غير الله جل وعلا. قالوا: الناس في جاهلية جهلا من مقالات يظنونها علما وهي جهل، وأعمال يحسبونها صلاحا وهي فساد. وغاية البارع منهم علما وعملا أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليهم حقه بباطله. ورثوا أشياء يسيرة من دين إبراهيم أو من أديان الأنبياء، لكنه اختلط بباطل. أن الله عز وجل أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الجاهلية الجهلاء، فما بقي على الأرض إلا قليلا كما قال في الحديث: «إلا بقايا من أهل الكتاب». وإلا فكل الناس الذين وجدوا قبل الجاهلية قد مقتهم الله عز وجل على ما هم عليه من عبادة غيره أو من دين مبدل. قال: ويشتغل بعمل قليل منه مشروع، وأكثره مبتدع، لا يكاد يؤثر في صلاحه إلا قليلا، أو أن يكادح بنظره ككدح المتفلسفة. وجدوا أيضا من كان عندهم علم ورثوه عن من سبق كاليونانيين، لكنه علم لا ينفع بل علم يضر، وفلسفة تضرهم. قال: فتذوب مهجته في الأمور الطبيعية والرياضية، وهؤلاء كان دأبهم إصلاح الأخلاق حتى يصل إن وصل بعد الجهد الذي لا يوصف إلى نزر قليل، إلى نزر قليل مضطرب لا يروي ولا يشفي من العلم الإلهي، وهو العلم الذي يرونه ويقولون أنه حكمة، حتى يصفون أرسطو بأنه مدير الحكمة. وكذا ظن أولئك المغرورين بعلم الفلاسفة أن هذا العلم علم الحكمة حتى كانوا يسمونه كذلك، وهو لا يأتي كما قال شيخ الإسلام بشيء، لا يشفي عند العلم الإلهي، أي المنزل من عند الله جل وعلا. قال: باطله أضعاف حقه، الباطل الذي فيه أكثر من الحق الذي فيه بل أضعافه. قال: إن حصل، أي إن كان هناك حق. قال: وأن له ذلك مع كثرة الاختلاف بين أهله، بل بعضهم من كثرة الاختلاف يسمي نظرية أنها مضطردة، وعكسها يأتي بها آخر ويقول: هذه مضطردة. وهذا التناقض كيف يكون مضطرد وفيه خلاف؟ ولهذا تجد دائما يتناقضون. لما ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رسالة في نقض المنطق وبين تناقض هؤلاء. قال: والاضطراب وتعدر الأدلة عليه والأسباب. قال: فهدى الله الناس ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به من البينات والهدى، هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموما ولأولي العلم منهم خصوصا من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة. فلو جمعت حكمة سائر الأمم علما وعملا الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها، لتفاوتا تفاوتا، لو جمعت الحكم والحق الذي عند الطوائف كلها التي كانت والتي جاءت بعد، وقورنت بحكمة الشرع، لم تكن شيئا عندها. قال: لتفاوتا تفاوتا يمنع معرفة قدر النسبة بينهما، أن النسبة لا تذكر بين بين هذه التي يدعون أنها حكمة وبين الشرع حكمة الشرع. قال: فلله الحمد كما يحب ويرضى.