التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 30

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية محاسبة النفس بعد تلاوة القرآن

ينبغي لأهل القرآن محاسبة أنفسهم بعد التلاوة لمراجعة التزامهم بالفرائض والواجبات واجتناب المحرمات. هذا يساعد على شكر الله عند الالتزام والاستغفار عند التقصير.

أثر محاسبة النفس وتأثير القرآن على الحياة

محاسبة النفس عند تلاوة القرآن تجلب المنفعة والبركة في الدنيا والآخرة، وتتطلب تفاعلاً مع الآيات وتغييراً للأحوال نحو الأفضل. قراءة القرآن تؤثر على الإنسان إما بإصلاحه أو بإفساده.

تأثير القرآن على المؤمن والمنافق وضرورة الانتفاع به

القرآن يزيد المؤمن إيماناً وصلاحاً، بينما لا ينفع المنافق. ينبغي للمؤمن أن يتخلق بالقرآن ويصلح نفسه بسماعه، فينتفع به في قلبه وجوارحه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن حسين الأجر رحمه الله في كتابه أخلاق حملة القرآن: قال محمد بن الحسين -أي المصنف- رحمه الله: جميع ما ذكرته ينبغي لأهل القرآن أن يتأدبوا به، ولا يغفلوا عنه، فإذا انصرفوا عن تلاوة القرآن اعتبروا نفوسهم بالمحاسبة. فإن تبينوا منها قبول ما ندبهم إليه مولاهم الكريم مما هو واجب عليهم من أداء فرائضه واجتناب محارمه حمدوه في ذلك وشكروا الله على ما وفقهم له -يعني إذا انتهوا من القرآن فينظر القارئ في نفسه ويحاسب نفسه هل هو ملتزم ومواظب على الواجبات والفرائض التي مرت عليه ذكرها في الآيات؟ هل هو قائم بها وحافظ عليها؟ إن كان كذلك حمد الله سبحانه وتعالى على موفقه لهذا الخير العظيم-. وهكذا إذا مر عليه ذكر المحرمات والمنهيات نظر في نفسه هل هو مجتنب لها مبتعد عنها؟ فإن كان كذلك فإنه يحمد الله سبحانه وتعالى على موفقه له ويسأل الله جل وعلا من فضله وأن يثبته على هذا الخير. قال: وإن علموا أن النفوس معرضة عما ندبهم إليه مولاهم الكريم قليلة الاكتراث به استغفروا الله عز وجل من تقصيرهم وسألوه النقلة من هذه الحال التي لا تحسن بأهل القرآن ولا يرضاها لهم مولاهم إلى حال يرضاها، فإنه لا يقطع من يلجأ إليه -يعني إذا كان الأمر على خلاف ذلك حاسب نفسه وإذا به مضيع للفرائض الواجبات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها في كتابه-. وهكذا كذلك إذا نظر في المحرمات وإذا هو واقع في شيء منها، فهنا يأخذ نفسه بالتوبة والإنابة ويستغفر الله سبحانه وتعالى مما حصل منه من ذنب وخطأ، ويسأل الله عز وجل أن يعينه على تغيير حاله وإصلاح نفسه وأن ينقله مما هو فيه من تقصير وسوء إلى ما فيه رضاه سبحانه وتعالى حتى يكمل حاله وكذلك يحسن أفعاله. قال: ومن كانت هذه حاله وجد منفعة تلاوة القرآن في جميع أموره، وعاد عليه من بركة القرآن كل ما يحب في الدنيا والآخرة إن شاء الله -يعني من كان هذا حاله في قراءة القرآن أنه يحاسب نفسه عند تلاوة القرآن إذا مر بآيات الصدق ينظر في نفسه هل هو ملازم للصدق في حديثه؟ إذا مر بآيات الكذب والنهي عنه هل هو منته عن الكذب؟ وإذا مر بالآيات التي فيها الأمر بالمحافظة على الفرائض والصلاة هل هو محافظ عليها؟ إذا مر بالآيات التي فيها الأمر ببر الوالدين هل هو قائم بهذا الواجب؟ وهكذا إذا أخذ نفسه بهذا الحال فإنه لا شك أنه سينتفع بقراءته للقرآن تفاعلا عظيما ويكون عليه القرآن بركة عظيمة في الدنيا وفي الآخرة لأنه بهذا سيسعى إلى إصلاح نفسه وإلى صلاحها واستقامتها بما يكون به فلاحه في الدنيا والآخرة-. قال: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد قال: حدثنا الحسين بن الحسن المروزي قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أنبانا همام عن قتادة قال: «لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان»، قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارة. هكذا يقول قتادة رحمه الله: «لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان» -يعني إما أن ينتفع بقراءته للقرآن فيزداد إيمانا وصلاحا وهدى وتقى وهذا حال المؤمن الذي يصلح نفسه بقراءة القرآن، وإما أن يقع له النقصان بعدم الانتفاع بما يقرأ وهذا حال المنافق عياذا بالله، فإن إيمانه ينقص بتفريطه وتضيعه-. ولا شك أن العاقل الفطن يحرص على أن يزيد إيمانه وأن يزيد تقواه وأن ينتفع بقراءته للقرآن بما يقربه إلى ربه ومولاه سبحانه وتعالى. قال: أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدثنا عمر بن حمران عن سعيد عن قتادة في قول الله عز وجل: ﴿وَالْبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ قال: البلد الطيب المؤمن سمع كتاب الله فوعاه وأخذ به وانتفع به كمثل هذه الأرض أصابها الغيث فأنبتت وأمرعت، والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا أي إلا عسرًا، فهذا مثل الكافر قد سمع القرآن فلم يعقله ولم يأخذ به ولم ينتفع به كمثل هذه الأرض الخبيثة أصابها الغيث فلم تنبت شيئًا ولم تمرع شيئًا. يقول قتادة في قول الله عز وجل: ﴿وَالْبَلَدُ الطَيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ قال: البلد -أي هذا المثل في هذه الآية- الطيب هو قلب المؤمن الذي سمع كتاب الله وسمع كلام الله فوعاه وأخذ به وانتفع به وعمل به فأثمر الأعمال الطيبة، صلح قلبه وصلح جوارحه وظهر على جوارحه الخير في أقواله وفي أفعاله وفي لزومه للطاعات واجتنابه للمحرمات كحال الأرض الطيبة -الأرض الطيبة الخصبة القابلة للإنبات إذا نزل بها الغيث وأصابها المطر أنبتت من كل زوج بهيج، أخرجت زروعها وأظهرت ثمارها وانتفع الناس بها-. قال: والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا -أي إلا عسرًا- هذا مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا ينتفع به، لا يزيده إيمانا ولا هدى ولا تقى، كمثل الأرض الميتة التي لا نفع فيها ينزل عليها الغيث فلا تنبت شيئا ولا تخرج ثمرا ولا يظهر عليها شيء من الخير. فكأنه يقول: احرص أن تكون من الصنف الأول الذي طاب قلبه فانتفع بسماع القرآن، وصلح جوارحه بسبب ذلك، ولا تكون من الصنف الثاني الذي يقرأ القرآن ولا ينتفع به ولا يزداد به إيمانا ولا هدى ولا تقى. فهكذا ينبغي للمؤمن ولقارئ القرآن ولحامل القرآن على جهة الخصوص الذي أقبل على كتاب الله حفظا ودراسة أن يتخلق بالقرآن وأن ينتفع به ويحيي قلبه ويصلح نفسه بما يسمع من كتاب الله سبحانه وتعالى. صلى الله وسلم على نبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.