الدرس في كتاب البيوع 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول المقطع أحكام البيع في الشريعة الإسلامية، ويشرح معنى البيع لغة واصطلاحا. يُبيّن أن الأصل في البيع هو الحل والإباحة مستنداً إلى الأدلة من القرآن والسنة والإجماع والقياس.
يشرح المقطع شروط صحة البيع في الإسلام، ويبين أهمية الرضا بين البائع والمشتري. يوضح أن البيع يمكن أن يتم بصيغتين: قولية أو فعلية، مع اختلاف حسب العرف والسلعة المباعة.
يناقش المقطع حكم البيع بالإكراه والاضطرار، ويبين أن البيع بالإكراه لا يصح بينما يصح بيع المضطر إذا تم برضاه. يشير إلى أن بيع المفلس على سداد ديونه يعتبر إكراهاً بحق.
يؤكد المقطع على أهمية التراضي بين الطرفين وعدم وجود غرر وجهالة في البيع. يشير إلى أن استيفاء التجارة لشروط معينة ضروري لصحة البيع.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعيد رحمه الله في كتابه «منهج السالكين»، في كتاب البيوع، قال: شروط البيع. قال: الأصل فيه الحل، قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. قال: فجميع الأعيان من عقار وحيوان وأثاث وغيرها يجوز إيقاع العقود عليها إذا تمت شروط البيع. ذكر رحمه الله في هذا الكتاب -بدأ هنا أو شرع في ذكر كتاب البيوع- و«مرضى» معنا أن «كتاب» على وزن «فعال» بمعنى «مفعول»، فكتاب بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب في ذكر أحكام البيوع. والبيوع جمع بيع، والبيوع جمع بيع، ومعنى مصدر. والآصف المصادر أنها لا تجمع، ولكن جمع هنا لكثرة أنواع البيوع، جمع لكثرة أنواع البيوع. وبالبيوع في اللغة: أخذ شيء ورد شيء، أخذ شيء ورد شيء. واصطلاحا: مبادلة مال بمال على وجه التراضي، مبادلة مال بمال على وجه التراضي، نعم، على الوجه المشروع. مبادلة مال بمال على جهة التراضي، على الوجه المشروع. قد يكون هذا الشيء المبيع عينا، أو يكون منفعة، أو يكون دينا. قد يكون عينا، أو منفعة، أو دينا. عينا كالأرض، أو البيت، أو سيارة، أو دراجة، وغيرها من الأعيان، أو دراهم. وقد تكون منفعة، يعني كحفر أرض، أو زراعتها، أو حفر بئر، أو بناء جدار، أو خياطة الثوب، هذه منافع. والدين يعني أن يدفع السلعة، ويكون الثمن في الذمة، يكون الثمن في الذمة دينا. والأصل في البيع الحل، قد دل على حل البيع الكتاب والسنة والإجماع. أجمع قال الله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. نعم. وهكذا السنة في فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فقد باع واشترى في أحاديث كثيرة، وأقر الصحابة رضوان الله عليهم في بيعهم وشرائهم. وأجمع العلماء على مشروعية البيع في الجملة أيضا، يدل على مشروعية البيع القياس الصحيح. وذلك أن الإنسان قد يحتاج إلى ما في يد غيره من الأعيان، ولا يمكن أن تنتقل هذه العين إلى يده بطريق شرعي صحيح إلا عن طريق البيع، إلا عن طريق البيع، فيدفع الإنسان الثمن ويأخذ هذه السلعة، فينتفع بها من غير ظلم ولا اعتداء ولا بغي على الآخرين، فكان مقتضى القياس أنه يدل على مشروعية البيع وإباحته. قال: الأصل فيه الحل، نعم. الأصل في البيع هو الحل، ولهذا كانت البيوع المحرمة محدودة ومعدودة، كانت البيوع المحرمة محدودة ومعدودة؛ لأن الأصل في البيع هو الحل، وذلك أن الأصل في الأشياء كلها الحل والإباحة، الأصل في الأشياء الحل والإباحة. ويدل على ذلك أدلة كثيرة، منها قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾؛ أي خلق الله عز وجل ما في الأرض، وأمتن بذلك جل وعلا به علينا حتى ننتفع به، وهذا يدل على إباحته وعلى طهارته. وهكذا قول جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. وهكذا أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن من أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته»؛ لأن الأصل في الأشياء الحل. «إن من أعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته». وهكذا أيضا كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما سكت عنه فهو عفو». «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما سكت عنه فهو عفو». وهكذا أيضا في قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. هذه الآية تدل على أن المحرمات محدودة، هذه المذكورة وغيرها حلال على الأصل، وغيرها حلال على الأصل. وهكذا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ الآية؛ يعني هذه المحرمات المذكورة، وغيرها فهي باقية على أصل الحل، نعم. فالأصل في الأشياء الحل، وأما العبادات فالأصل فيها الحظر والمنع، الأصل فيها الحظر والمنع، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقول الله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، اتفق عليه، حديث عائشة رضي الله عنها. قال: فجميع الأعيان من عقار وحيوان وأثاث وغيرها يجوز إيقاع العقود عليها إذا تمت شروط البيع. جميع الأعيان من عقار -يعني أراضي وعمارات- يعني الأشياء الثابتة، وحيوان كذلك، كبيع الغنم، أو الإبل، أو البقر، أو الدجاج، أو الخيول، أو نحوها. كذلك الأثاث، أو أثاث، كأثاث المنزل، فرش، أو أواني، أو كذلك يعني دواليب، أو غرف نوم، أو غيرها، وغير ذلك يعني من الأمتعة التي قد يحتاج الإنسان لها. فالأصل أنه يجوز إيقاع العقود عليها؛ لأن الأصل في البيع هو الحل، قال: إذا تمت شروط البيع. إذا البيع له شروط، لابد أن تتوفر هذه الشروط. وعلمنا أن الشرط: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. يلزم من عدمه العدم، إذا انعدم الشرط انعدم المشروط، فلابد من وجود هذه الشروط، إذا انتفت أو انعدمت انعدم البيع ولم يصح، انعدم البيع ولم يصح. قال: ويقع هذا البيع -يعني يقع- بصيغتين: الصيغة قولية، وصيغة فعلية. الصيغة القولية هي الإيجاب والقبول، هي الإيجاب والقبول. الإيجاب هو اللفظ الصادر من الباع، والقبول اللفظ الصادر من المشتري، واضح. الإيجاب اللفظ الصادر من الباع، والقبول اللفظ الصادر من المشتري. يقول الباع: بعت، ويقول المشتري: اشتريت. هذه الصيغة القولية. والصيغة الفعلية كالمعاطاة، الصيغة الفعلية كالمعاطاة؛ يعني قد يكون من غير قول من الجانبين، وقد يكون القول من أحد الجانبين فقط. كان يدفع الباع السلعة ويأخذ المشتري، يدفع المشتري الثمن ويأخذ السلعة من غير قول، من غير قول. أو يقول الباع: بعت، ويأخذ المشتري السلعة من غير أن يقول: اشتريت. أو العكس: يدفع الباع السلعة، ويقول المشتري: اشتريت، ويدفع الثمن. هنا يحصل البيع بمجرد الفعل، ويحصل به البيع. ولا يشترط على الصحيح -يعني التلفظ في البيع- بل كل ما جرى في العرف أنه يحصل به البيع والشراء، فإنه يصح به البيع والشراء، إلا الأشياء الثمينة، فقد اشترط فيها أهل العلم حصول الإيجاب والقبول. الأشياء الثمينة مثل السيارات مثلا، أو بيع الأراضي، مثل هذه لا بد من إيجاب وقبول. ما جرت عادة الناس أن يذهب الإنسان إلى معرض السيارات ويدفع الثمن، ويأخذ السيارة، ويذهب، لا يأتي يقول: أريد السيارة الفلانية بالسبيل الفلانية وكذا، ويحصل تفاوض بين الباع والمشتري، ويتم الاتفاق إلى آخره، إذا لا بد من إيجاب وقبول. هكذا في بيع الأراضي كذلك، إذا أراد شراء أرضية، أو شراء بيت، لا بد من حصول اتفاق بين الباع والمشتري، وحصول الإيجاب والقبول بينهما. أما الأشياء الأخرى التي جرت العادة بحصول البيع بها من غير اللفظ، فهذا لا يشترط فيها التلفظ. قال: فمن أعظم الشروط الرضا، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. ذكر هنا أول شروط البيع وأعظمها، وهو الرضا، حصول الرضا بين الباع والمشتري في إتمام هذا البيع. فالله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، فقبل ذلك قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾؛ يعني إذا حصل انتقال المال من غير رضا، هذا من أكل أموال الناس بالباطل، من أكل أموال الناس بالباطل. إذا لابد من حصول التراضي. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما البيع عن تراض»، «إنما البيع عن تراض»، لابد من الرضا. فإذا من شروط البيع حصول التراضي، الرضا من جهة الباع، والرضا من جهة المشتري. فلو كان الباع راضيا والمشتري غير راضي لا يصح البيع، لا يصح البيع. أو كان العكس: المشتري راضي والباع غير راضي، كذلك لا يصح البيع، فلابد من رضا الطرفين. وعلى اشتراط الرضا يخرج بذلك حصول البيع على غير التراضي، وذلك كان يحصل البيع على جهة الإكراه، إذا أكره الباع على البيع، أو أكره المشتري على الشراء، فإنه لا يصح البيع، لا يصح البيع. إنسان أكره على أن يبيع سيارته، هو لا يريد أن يبيع، هدد بالقتل أو بالضرب إن لم يفعل ذلك، فباع، هو مكره، هذا البيع لا يصح، هذا البيع لا يصح؛ بقول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، لابد من حصول الرضا. كذلك العكس، لو اشترى هو غير راضي، مكره على الشراء، كذلك لم يصح هذا البيع. وهكذا لو أكرهه السلطان الظالم، أكرهه أن يبيع -يعني بيته-، رأى معه بيتا جميلا، قال: أريد هذا البيت، قال: ما أريد أن أبيع، قال: تبيع بالقوة، لا أريد أن تبيع، باعه، هو مكره، يعني غير راضي، ما يصح، أن يدفع ظلم هذا السلطان فباع، لا يحل هذا البيع، لا يحل هذا البيع؛ لأنه حصل عن غير تراضي، فلابد من حصول الرضا. إلا إذا كان الإكراه بحق، إذا كان الإكراه بحق فهذا يصح. مثال ذلك: إذا أكره الحاكم المفلس الذي كثرت الديون على ماله على بيع شيء من ماله لسداد ما عليه من الديون، هذا إكراه بحق، يصح. لو قال: لا، أنا ما أريد أن أبيع، عنده أرض -يعني ثمينة- تكفي لسداد مبلغ كبير من الدين، يقول: لا، أنا ما أريد أن أبيع، فيجبره الحاكم ويكرهه على البيع، هذا البيع يصح؛ لأنه إكراه بحق، إكراه بحق، نعم. مثل أيضا كذلك إذا امتنع الإنسان من النفقة الواجبة، وأبى أن ينفق على زوجته أو أولاده، وعنده أموال، عنده سيارات مثلا، عنده أراضي، فيقول: لا، ما عندي شيء، فأجبره الحاكم على بيع شيء من ماله، فأبى، فأكرهه على ذلك، نقول: هذا إكراه بحق، هذا إكراه بحق، فيصح هذا البيع. كذلك أيضا منه كذلك بيع الرهن، بيع الرهن -يعني عند المرتهن- إذا جاء وقت السداد، والدين موثق برهن، ولم يأت الراهن بثمن -بالدين الذي عنده في ذمته-، فهنا يقول المرتهن: سأبيع هذا الرهن حتى آخذ حقي، فأبى الراهن أن يباع الرهن، فهنا يباع ولو بغير رضا، بغير رضا؛ لأن هذا إكراه بحق، والأجل أخذ هذا الحق الذي له. فحينئذ يصح هذا البيع. تأتي مسألة متعلقة بالرهن أو بالرضا، وهي بيع المضطر. ما حكم ما لو اضطر الإنسان إلى أن يبيع شيء من ماله؟ إنسان أصابته حاجة، عنده مرض يريد يتعالج، أو يريد يتزوج، وما عنده من المال الذي يكفيه، فاضطر أن يبيع سيارته، أو يبيع أرضا له، أو شيء من ماله، فما حكم هذا البيع؟ الصحيح أنه يجوز، الصحيح أنه يجوز، هو إن كان اضطر إلى بيع ماله، ويبيعه برضاه، ما حد أكرهه على أن يبيع، هو يبيع ماله برضاه. لكن الذي ينبغي إذا علم الإنسان أن أخاه اضطر إلى أن يبيع شيء من شيء من ماله لسد حاجته، أنه -يعني- يعينه، يعينه بدين، يعطيه إياه، أو نحو ذلك. وهذا من مقام من الأخلاق أن يقف معه، وأن يعينه. لكن من حيث صحة البيع، فالبيع صحيح في قول أكثر أهل العلم؛ لأنه يبيع برضاه. إلا إذا -يعني- وصل إلى حال قد يصل بها إلى الوقوع في الضرر أو المهلكة -يعني هو سيبيع- هو لا يريد أن يبيع في الحقيقة، لكن اضطر، أصابته الفاقة الشديدة، يخشى أن يتضرر إن لم يبيع شيء من ماله. وعلم به -يعني علم المشتري بحاله-، في هذه الحال قد يقال: إنه لا يصح؛ لأنه باع -يعني مكرها ومضطرا- لدفع الضرر عن نفسه، فهنا مثل هذه الصورة قد يقال: إنه لا يصح البيع في هذه الصورة. حاله كما قال أهل العلم: كحال الذي في الصحراء، الذي في الصحراء واحتاج إلى الماء مثلا، أو احتاج إلى المال، فقال: من وجده: لا أعطيك إلا الدرهم بدرهمين -يعني بالربا- فرضي؛ لأجل دفع الضرر عن نفسه، ضرر عن نفسه، ففي هذه الحال لا يلزم. إلا أن يرد له درهم واحد، ولا -يعني- يصح هذا العقد. مثله كذلك من وصل إلى مثل هذه الحال حتى اضطره أن يبيع شيء من ماله، فيكون -يعني- هذا البيع غير صحيح. قال: الرضا لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾. إذا لابد -كما سمعنا- من حصول التراضي في البيع. قال: وأن لا يكون فيها غرر وجهالة. هذا نتركه -إن شاء الله- بالدرس القادم، بإذن الله. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. صلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.