كتاب البيوع 2

الدرس في كتاب البيوع 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شروط البيع وانتفاء الغرر والجهالة

يجب أن يكون البيع معلوما وينتفي فيه الغرر والجهالة، مثل بيع الآبق والشارد. البيع يجب أن يكون معلوما للطرفين.

أهلية البائع والمشتري

يجب أن يكون البائع مالكا للسلعة أو مأذونا له فيها، وأن يكون بالغا رشيدا. لا يصح بيع الصبي غير المميز أو المجنون أو السفيه.

تصرف الفضولي بإذن المالك وتطبيقاته

تصرف الفضولي موقوف على إجازة المالك. استدل العلماء بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم على جواز تصرف الفضولي إذا أذن له المالك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "منج السالكين" في ذكره في كتاب البيوع، في ذكر شروط البيع: "وأن لا يكون فيها غرر وجهالة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، رواه مسلم". قال: "فيدخل فيه بيع الآبق والشارد، وأن يقول: بعتك إحدى السلعتين، أو بمقدار ما تبلغ الحصاة من الأرض، ونحوه، أو ما تحمل أمته أو شجرته، أو ما في بطن الحامل". وسواء كان الغرر في الثمن أو المثمن. ذكر بعد أن ذكر مشروط البيع الرضا، ذكر بعد ذلك أن مشروط البيع انتفاء الغرر والجهالة في المبيع أو في الثمن والمثمن، يعني أن يكون البيع معلوما. انتفاء الغرر والجهالة بمعنى أن يكون البيع معلوما. من شروط البيع أن يكون البيع معلوما، برؤية أو وصف. إما أن يرى المشتري السلعة بعينه، يقلبها وينظر إليها، وإما أن تكون موصوفة، يعني بصفة تميزها عن غيرها. يعني مثلا إذا كان يريد أن يشتري سيارة، فيقول صفة السيارة أنها من نوع كذا وكذا، موديل كذا وكذا، ومكينتها كذا وكذا، ولونها كذا وكذا، إلى آخر ذلك. يأتي بالأوصاف التي تميزها عن غيرها، فإذا أعجبت هذه الأوصاف اشتراها. نعم، هذا جائز. كذلك أيضا كما قلنا، أو يرى السلعة. إما يراها كلها أو يرى بعضها الذي يدل على صلاح البقية. مثل شراء بعض الأطعمة، الفواكه والخضروات كالبطاط مثلا أو الجزر أو نحوها. ربما يأتي إلى المزرعة، فالبطاط يزرع تحت الأرض، فيخرج من هذا الجانب ينظر إلى نضوجه وصلاحه، يذهب ينظر من جانب الآخر، من كل جانب ينظر يعني إلى شيء منها، ويستدل به على نضوج البقية. هذا جائز. ينظر إلى البعض، يستدل به على كمال البعض الآخر. طبعا هذه إذا كانت من جنس واحد. أما إذا كانت يعني من أجناس مختلفة، ما يكفي أن ينظر إلى البعض ويستدل به على البعض الآخر. إذا كانت مختلفة الأنواع، لا بد أن ينظر إلى كل جنس بعينه ولنفسه. وعلى هذا فلا بد أن ينتفي البيع من الغرر والجهالة؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر. والغرر كل بيع فيه جهالة. كل بيع فيه جهالة، أو نقول: هو كل بيع يكون مستور العاقبة للجهل بعينه أو صفته أو مقداره. كل بيع مستور العاقبة للجهل بعينه أو مقداره أو صفته، فكل بيع على هذا الوصف فهو بيع محرم، لا يجوز. فالله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. فحرم الله جل وعلا الميسر، وهو كل ما فيه يعني مغالبة، يكون المرء في هذه المعاملة بين غنم أو غرم. يدخل على هذا البيع ولا يعلم هل يربح أو يخسر؟ إما أن يربح ويغنم، وإما أن يخسر ويغرم. فإذا كان كذلك فهذا البيع لا يجوز. ومثله بيوع الغرر والجهالة. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من البيع. وأجمع أهل العلم على تحريم الغرر في البيوع. قال: "فيدخل فيه بيع الآبق والشارد". سيذكر بعض الأنواع من أنواع بيوع الغرر. فذكر هنا من بيوع الغرر بيع الآبق والشارد. الآبق هو العبد الهارب على سيده، والعبد الهارب على سيده. والشارد هو البعير الذي شرد وهرب وغاب عن صاحبه. ويذكر كذلك أهل العلم الفرس العائر. الآن، بيع العبد الآبق. سيد عنده عبد مملوك هرب عليه، فيقول: من يشتري هذا العبد بنصف قيمته؟ مثلا عبد يساوي ألف، هو الآن بسبب هروبه يقول: الله أعلم هل سأجده أم لا؟ فيقول: من يشتري مني العبد الفلاني بخمسمائة؟ فهنا المشتري سيقول: أنا سأشتري هذا العبد بنصف القيمة إذا وجدته، فأنا رابح أني اشتريت العبد بنصف قيمته. طيب وإن لم يجده فهو خاسر، ذهبت عليه الخمسمائة. هو الآن بين الغنم والغرم، إما أن يجده فيغنم، وإما أن لا يجده فيغرم. هذا البيع لا يجوز. مع أيضا عدم القدرة على تسليمه. الآن السيد لا يستطيع أن يسلم العبد للمشتري لأنه هرب عليه، قد لا يجده أو لا يقدر على إمساكه. فهنا الآن في جهالة وفي عدم القدرة على تسليم هذا المبيع. وأيضا قد تتغير صفة العبد. ربما لما هرب أو أول هروبه كان على صفة أو وصف يرغب فيه من القوة وكذا، وربما بعد ذلك يتغير، تتغير صفته ويتغير حاله، ويصبح ممن يزداد فيه الناس. فحينئذ سيكون المشتري له يعني غارما من جهة عدم حصوله والقدرة على تسليمه، وأيضا من جهة تغير صفاته التي ربما يرغب فيها ويسعى إلى تحصيلها. فلهذا ينهى عن هذا البيع. أيضا البعير الشارد. إنسان عنده بعير شرد عليه من إمكانه أن يمسكه، فيقول: من يشتري هذا البعير؟ البعير مثلا قيمته عشرة آلاف، يقول: من يشتري مني بخمسة آلاف؟ فيقول فلان من الناس: أنا سأشتري هذا البعير. لا يجوز. لماذا؟ لأنه فيه غرر وجهالة. قد يستطيع أن يمسك البعير، قد يجده، وقد لا يجده. فإن وجده ربح، وإن لم يجده خسر. إذن لا يجوز مثل هذا البيع. واضح. كذلك مثله الفرس العائر، كذلك الذي يعني ندى وشرد، مثله مثل البعير. فهذا البيع فيه شيء من الجهالة، والجمهور جمهور أهل العلم على عدم جواز هذا البيع لعدم القدرة على تسليم المبيع. ومثله بيع الطير في الهواء، وبيع السمك في الماء. يطير الطير في الهواء، يقول: تشتري هذا الطير مني بكذا وكذا؟ يقول مثلا: هو صائد عنده بندقية وعنده حرفة بالصيد، يقول: ها تشتري هذا الطير بكذا وكذا؟ يقول: اشتريت. ها ثم يرمي بندقيته، قد يصيب وقد لا يصيبه. فمثل هذا لا يجوز؛ لأنه سيبيع له شيئا ما يملكه أصلا، والشيء الثاني قد لا يكون قادرا على تسليمه. أو يكون مع إنسان في البحر، فيقول: تشتري هذه السمكة مني؟ ها هذا لا يجوز؛ لأنه غير قادر على تسليمها. لكن لو كان يستطيع وعنده القدرة على تسليم المبيع وهو مالك لهذا المبيع، مثل إنسان عنده بركة ماء فيها أسماك، الأسماك له، يقول: تشتري هذه السمكة أو هذه بكذا؟ وهذه بكذا؟ فيقول: نعم. يأتي بالشبكة ويخرجها. هذا جائز. هذا جائز؛ لأنه يبيع شيئا قادرا على تسليمه. كذلك كذلك إذا كان يبيع الطير في الهواء، وهذا الطير له، هو مالك له، ومن عادته أن يطير ثم يأتي ويرجع إلى قفصه، فيقول: تشتري هذا الطير؟ هو قريب من ينظر إليه، ومعلوم أن هذا الطير يؤوي في الليل إلى قفصه. فمثل هذا يجوز؛ لأنه قادر على تسليمه. واضح. قال: "أو بمقدار ما تبلغ الحصاة من الأرض". طيب أو يقول: "بعتك إحدى السلعتين". أيضا هذا من بيع الغرر والجهالة. أن يقول: بعتك إحدى السلعتين. عنده سلعتان والسلعتان مختلفتان، هذه السلعة مثلا تساوي ألف، والسلة الأخرى تساوي خمسمائة، يقول: بعتك إحدى السلعتين من غير المبين أي السلعتين باع. هذا لا يجوز؛ لأنه قد يدفع مثلا ويكون هذا الثمن يدفعه يساوي السلعة الثمينة، فيعطيه السلعة التي دونها التي بخمسمائة. أنا قلت لك: بعتك هذه السلعتين، وأنت رضيت، وأنا بعتك هذه. ويقول: لا، أنا اشتريت تلك. يقع في خصام بين البائع والمشتري. ثم هذه جهالة. هو الآن يشتري شيئا غير معين، غير معلوم. هذا لا يجوز. واضح. فهذا من بيع الغرر والجهالة. لكن إذا كانت السلعتان متفقتين، هما سلعة واحدة، واضح. اللهم إلا يختلف مثلا لون، والسلعة واحدة. مثل هذا جائز؛ لأنه حينئذ لا غرر، السلعة معلومة. قال: "أو بمقدار ما تبلغ الحصاة من الأرض، ونحوه". بيع الحصاة أيضا من بيوع الغرر. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة والغرر. بيع الحصاة يعني له صور كما ذكر العلماء. منها أن يرمي البائع الحصى على السلعة، فما وقعت عليه الحصى فيقول: هو لك بكذا وكذا. مثلا لك بخمسمائة. عنده قطيع من الغنم، يأخذ الحصى، يقول: اللي تقع عليها الحصى هي لك بخمسمائة. يرمي الحصى. طيب وقعت. إذا قال مثلا: اشتريت، رضيت. رغم تقع الحصى على الشاة تساوي ألف، ورغم تقع الحصى على الشاة ما تساوي خمسمائة. هو يقول: خلاص اتفقنا. إذن هذا البيع بيع غرر وجهالة. المبيع هنا غير معلوم. أي الشاة يشتري؟ هو مع حظه يعني. إما أن يغنم فيشتري الشاة بأقل من قيمتها، وإما أن يغرم فيشتري الشاة دون قيمتها بأكثر من قيمتها. مثل هذا لا يجوز. مثل هذا لا يجوز أيضا. كذلك من صورها، أو مثلا ثياب عنده ثياب، يقول: أرمي هذه الحصى، وما وقع عليه الحصى من الثياب هو لك بكذا وكذا. هذا أيضا لا يجوز. أو يأخذ قبضة من حصى، فيقول: أبيع لك هذه السلعة بقدر ما في يدي. مئة الحصى بكل حصى درهم، بكل حصى درهم، أو بكل حصى مئة درهم مثلا. فيأخذ قبضة اجتمعت في يدي عشر حصيات، فيقول: عليك ألف درهم مثلا. هذا أيضا من بيع الحصى. هذا لا يجوز؛ لأنه فيه جهالة، فيه الثمن. وهذا لا يجوز. طيب مثل أيضا بيع اليانصيب. يقول: اختار ورقة، تدفع مبلغ وتختار ورقة يكون فيها رقم، يقول: هذا الرقم لك هذه السلعة. هذا من بيع الغرر والجهالة. ويقول: نأخذ في بيع الميسر. هذا أيضا لا يجوز. قال: "أو ما تحمل أمته أو شجرته". أيضا من الغرر والجهالة أن يقول: أبيع لك ما تحمله هذه الأمة. ما تحمله يعني ما تقدر على حمله هذه الأمة، فهو لك بكذا وكذا. هذا أيضا ما يجوز؛ لأنه فيه جهالة. أو يقول: ما تحمله هذه الشجرة، يعني من الثمر، فهو لك بكذا وكذا. هذا أيضا لا يجوز؛ لأن المبيع مجهول، غير معلوم. فلا يجوز. قال: "أو ما في بطن الحامل". كذلك ما في بطن الحامل. عنده ناقة حامل، يقول: أبيع لك ما في بطن هذه الناقة، أو ما في بطن هذه الشاة، أو في بطن هذه البقرة. هذا لا يجوز. لماذا؟ لأنه غير معلوم، غير معلوم. قد يكون ما في بطنها يعني اثنان، وقد يكون واحد. في العدد مجهول. قد يكون يعني ماذا ذكر، وقد يكون أنثى. الصفة مجهولة. قد يخرج حي، وقد يخرج ميتا. واضح. ولأنه يبيع شيئا مجهولا. لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملاقيح، ونهى عن بيع ما في بطن الأمهات؛ بسبب الجهالة. فلابد أن يكون البيع معلوما. قال: "وسواء كان الغرر في الثمن أو المثمن". سواء كان الغرر في الثمن أو كان الغرر في المثمن، فلا يجوز هذا البيع. يعني لا يشترط في الغرر أن يكون في المثمن يعني في السلعة، لا. قد يكون الغرر كذلك في الثمن. سواء كان في الثمن، وهو يعني قيمة المال الذي يشترى به السلعة، أو كان في المثمن، يعني في السلعة نفسها. فلا يجوز مثل هذا البيع. الثمن يعني يقول أهل العلم: يفرق بين الثمن والمثمن. الثمن يعدى بالباء، والمثمن ما وقع عليه الفعل. ما وقع عليه الفعل. يعني ماذا؟ تقول: اشتريت ثوبا بألف. اشتريت ثوبا، الثوب مثمن، والألف ثمن. يعني عديت بالباء. اشتريت شاة بخمسمائة، الشاة مثمن، والخمسمائة ثمن. فلابد أن يكون الثمن معلوما، كما يجب أن يكون المثمن وهو السلعة معلومة. فمثلا لو قال: اشتري منك هذه الشاة بما في داخل هذا الجيب. ايش داخل الجيب هذا؟ الله عالم. حوما الشايق متوى مثلا ألف، والذي في جيبه مائة، يقول: احنا اتفقنا. ها اتفقنا أن اشتري ما في الثمن. ما في داخل هذا الجيب. ثم يقول: خلاص هذه مائة، يسي يقول البائع، يقول: لا ما رضيت. كيف ابيع شاة متوى بألف؟ بمئة. يقول: احنا اتفقنا. يقول: خصام وشجار بين البائع والمشتري. هنا الآن الثمن مجهول. الثمن مجهول. ما يجوز. نعم. أو يعني اشتري منك هذه السلعة بما في داخل هذا الصندوق. ايش داخل؟ الله عالم. ما يجوز. هكذا أيضا أن يكون المثمن، أي السلعة مجهولة. كما مرة معنا في الأمثلة. يقول: اشتري. يقول البائع: تشتري مني ما في داخل هذا الصندوق، أو ما في داخل جيبي. هذا المثمن مجهول. ما يجوز. أن لا بد يكون المبيع معلوما، الثمن والمثمن كلاهما لا بد أن يكون معلوما. من جهالة الثمن، لو قال في بيع المزاد، لو قال: ابيع لك السلعة بما يقف عليه المزاد. ابيع لك هذه السلعة بما يقف عليه المزاد. هذا لا يجوز. هنا الآن أصبح الثمن مجهولا. الله عالم كم يقف عليه المزاد؟ هو ما يقف على ثمن هو دون قيمة السلعة، وقد يقف الثمن فوق قيمة السلعة. فمثلا هذا لا يجوز. واضح. قال: "ويكون العاقد مالكا للشيء أو ما ذون له فيه، وهو بالغ الرشيد". أن يكون العاقد مالكا للشيء. يعني يشترط في البيع، وهذا الشرط الثالث، أن يكون العاقد، أي البائع، مالكا للسلعة التي يريد بيعها. أن تكون ملكا له؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتَدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾. وليس لإنسان أن يبيع مالا أو سلعة ليست له. هذا من أكل أموال الناس بالباطل. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس من". "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس من". نعم. ويقول عيسى عليه السلام: "لا تبع ما ليس عندك". الشيء الذي ليس عندك ولا تملكه، لا يجوز لك أن تبيعه. لا يجوز لك أن تبيعه. إذن لابد يعني لصحة البيع أن يكون المبيع مملوكا للبائع، أو مأذونا له فيه. إما يكون ملكا له، أو يكون له إذن في التصرف فيه. أن يكون له إذن في التصرف فيه. هذا الإذن إما من جهة الشرع، وإما من جهة المالك. من جهة الشرع كولي اليتيم. كولي اليتيم وولي المجنون. نعم. هذا له إذن بالتصرف من جهة الشرع. كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمُ الْقِيَامَ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. الآية. فهذا أيضا في اليتامى. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾. نعم. هذا الآن تصرف في مال الغير في حال الحياة. وأما إذا كان تصرف بعد الموت، فهو الوصي الذي له وصية من صاحب المال بالتصرف في ماله بعد موته. طيب هذا الإذن الشرعي. الإذن من المالك كالوكيل. أن يوكل الإنسان غيره في البيع والشراء، فيكون هذا الوكيل قائم مقام الموكل في التصرف في المال. فله إذن من المالك. له إذن من المالك. فحينئذ يصح أن يبيع ويشتري، وإن كان هو لا يملك هذه السلعة. لكن له إذن من جهة الشرع، أو إذن من جهة المالك. قال: "له ما ذون له فيه، وهو بالغ الرشيد". لابد أن يكون المتصرف في المال بالغا رشيدا. بالغا. خرج به الصبي. فالصبي لا يصح تصرفه وبيعه وشراؤه. وفي هذا تفصيل. إن كان غير مميز، فهذا باتفاق أهل العلم. إذا كان الصبي غير مميز، هو دون سن السابع، لا يصح بيعه ولا شراؤه باتفاق أهل العلم. وإن كان مميزا، ففيه خلاف. والصحيح أنه يجوز بيعه وشراؤه بإذن وليه، مما جرت العادة أن يبيع مثله. يصح بيعه وشراؤه بإذن وليه مما جرت العادة أن يبيع مثله. يعني مثلا صبي عمر عشر سنين، يقول له أبوه: بيع هذه المساويك. لا بأس. مثل هذا جرت العادة أن يبيع مثله. طيب أو شيء من الخردة، أشياء يعني ليست بثمينة. لا بأس. أما صبي عمر عشر سنين ودع السنة، يبيع ذهبا. هذا مجرد العادة أن يبيع الصبيان الذهب والأشياء الثمينة. فالمثل هذا ما يصح. ما يصح بيعه وشراؤه. لو أن الصبي باع شيئا ثمينا، ما يأتي المشتري. أخوه يقول: أنا اشتريت. قال: اشتريت منه وتم البيع. قال له: هذا صبي سفيه ما يحسن التصرف. يعني أخذ جوال قيمته مئتا ألف، باعه بعشرة آلاف. ما يقول: والله المشتري قد اشتريت، خلاص وتم البيع. إلا أن تكون جائز عن تراضي منكم. التراضي موجود. يقول أيضا: لا بد يكون البائع بالغا رشيدا. نعم. الرشيد الذي يحسن التصرف. الرشيد الذي يحسن التصرف في البيع والشراء. فيخرج بذلك السفيه الذي لا يحسن التصرف. السفيه الذي يبيع يعني السلعة الثمينة بالسعر الزهيد، أو يشتري السلعة الزهيدة بالثمن المرتفع. يعني السلعة كما ذكرنا قيمتها مئتا ألف، يبيعها بعشرة آلاف. هذا سفيه لا يحسن التصرف. أو يبيع سلعة أو يشتري سلعة قيمتها ألف، يشتريها بعشرة آلاف. هذا لا يحسن التصرف. مثل هذا لا يصح بيعه وشراؤه. لا يصح بيعه وشراؤه؛ لأنه ممن يحجر عليه شرعا بسبب السفه. إذا لابد أن يكون بالغا رشيدا. كذا إذا كان مجنونا. إذا كان مجنونا بالغا، لكنه مجنون، ليس بعاقل. هذا أيضا لا يصح لا يصح تصرفه ولا بيعه وشراؤه باتفاق أهل العلم. نعم. وهكذا إذا كان إذا كان زائل العقل، فزال عقله بسكر مثلا، شرب الخمر حتى سكر وزال عقله. فهذا كذلك. الصحيح لا يصح تصرفه وبيعه وشراؤه؛ لأنه في حكم المجنون الذي لا عقل له. لكن لو سكر وعقله ما زال موجودا، يعني لم يصل السكر إلى حد الزوال. فهذا الصحيح بيعه وشراؤه. واضح. يعني شرب قليلا من الخمر، فصار سكران، لكن لم يصل السكر إلى حد زوال العقل. فمثل هذا الصحيح بيعه وشراؤه؛ لأن عقله موجود. إذا لابد في البيع أن يكون البائع مالكا للسلعة، إما ملكا حقيقيا، أو يكون له إذن بالتصرف من جهة الشرع، أو من جهة المالك. طيب إذا تصرف المبيع الذي عنده إذن بالتصرف لتصرف المبيع بغير ما أذن له، بغير ما أذن له. هل يصح تصرفه؟ إنسان قال لشخص: أنا أوكلك أن تبيع لي هذه السلعة مثلا بمئة، أن تبيعها بمئة. فذهب وباعها بمئتين. ها هل يصح هذا التصرف منه؟ وهل له أن يأخذ المئة الأخرى؟ يقول: أنت قلت: بيعها بمئة، أنا بعتها بمئة، هذا المئة لك، وهذا المئة لي. ها الجواب: أنه إذا تصرف، وهذا يسمى عند أهل العلم بتصرف الفضولي. إذا تصرف بغير ما أذن له، فتصرفه موقوف إلى إذن المالك. إذا أذن المالك بهذا التصرف، صح تصرفه. وإن لم يأذن لم يصح. طبعا الغالب أنه يتصرف فيما هو أحسن لما أراد أن يجيز يتصرف، يقول: جزاك الله خير، أحسنت. والأصل ما تصرف فيه. ولو باع السلعة بأكثر من ثمنها، فيرجع الثمن إلى المالك. يقول: المئتين للمالك، وله أن يعطيه يعني ما يتيسر. لكن الأصل أن المال يعود للمالك. أن السلعة سلعته، وما هو إلا فقط وكيل عنه بتصرف هذا المال. لكن لو لم يأذن، لو أنه باع الشيء الذي قال له: بيعه بمئة، باعه بخمسين. فهنا للمالك يقول: أنا ما أذنت بهذا، أنا ما أعرف إلا أن تبيعها بمئة، أعرف مئة مقابل هذه السلعة. فهنا يتحمل هذا المتصرف هذا التصرف. لكن لو أذن، قال: لا بأس. فلا بأس. إذن تصرف الفضولي موقوف على إجازة المالك. إن أجازه صح، وإن لم يجزه لم يصح. وإذن على ذلك حديث عروة البارقي في البخاري، لما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارا، قال: "اشتري شاة". فذهب فاشترى بالدينار شاتين، ثم باع الشاة بدينار، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بشاة ودينار. فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة. يعني أجاز النبي صلى الله عليه وسلم تصرفه، مع أنه ما أذن له بهذا التصرف. هو أعطاه يعني الدينار على أن يشتري له شاة، تصرف تصرف أحسن. فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدينار وشاة. بدينار وشاة. فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم هذا التصرف. فاستنى به العلماء جواز تصرف الفضولي إذا أذن به المالك. نعم. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.