الدرس في كتاب الطهارة 29، ألقاها
يتناول تعريف الحيض والنفاس شرعًا ولغة، ويشرح أحكامهما المشتركة والمنفردة. يبدأ في مناقشة المسائل المتعلقة بهما مثل بداية وقت الحيض ونهايته.
يناقش مسائل متعلقة بالحيض مثل بداية الحيض ونهايته، وأقل مدة الحيض وأكثرها، وغالب الحيض. يذكر أن المرجع في هذه المسائل هو الواقع والعرف.
يشرح الأحكام المتعلقة بالحائض والنفساء، مثل تحريم بعض الأفعال ووجوب بعض العبادات. يبين المقطع أيضا بعض الاستثناءات والتنبيهات المتعلقة بهذه الأحكام.
يناقش حكم من طهرت قبل الفجر ووجوب الصلاة عليها وفقًا لآراء مختلف الفقهاء. يبين اختلاف الآراء حول ما إذا كانت تصلي المغرب والعشاء أو الصلاة التي أدركت وقتها فقط.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، قالوا: الباب العاشر في الحيض والنفاس، وفيه مسائل. قالوا: الحيض لغة: السيالان، يقال: حاض الماء، أي سال. وشرعاً: دم طبيعة وجبلة يخرج من قَعْر الرحم في أوقات معلومة، حالة صحة المرأة، من غير سبب ولادة. الحيض كما ذكر شرعاً: دم طبيعة وجبلة، أي أن النساء جُبِلْنَ عليه، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها حينما حاضت، فبكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا شيء كتبه الله جل وعلا على بنات آدم». إذن هو دم طبيعة وجبلة يخرج من قَعْر الرحم في أوقات معلومة، وحالة صحة المرأة، أي ليس هو عن مرض كالاستحاضة، كما سيأتي معنا أنه ناتج عن مرض، بخلاف الحيض فإنه دم طبيعي ليس عن مرض. قالوا: من غير سبب ولادة؛ ليخرج بذلك النفاس. قالوا: النفاس دم يخرج من المرأة عند الولادة، يقال: نفست المرأة، وتنفست، وذلك بوضع الولد. فالدم الخارج في أو عند الولادة يقال له: دم النفاس. وكما تقدم معنا مرارًا: أن أحكام دم الحيض والنفاس يشتركان في أكثر الأحكام، وإن كان هناك بعض الأحكام ينفرد به الحيض عن النفاس، كالعدة ونحوها. فإن المرأة تعتد بالحيض، ولا تعتد بالنفاس. قبل أن ندخل في المسائل، من باب الفائدة، ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان: أن الحيوانات التي تحيض أربع: المرأة - أي من الإنسان - والأرنب، والضبع، والخفاش. هذه التي تحيض من الحيوانات فحسب. والله أعلم. المسألة الأولى: بداية وقت الحيض ونهايته. قالوا: لا حيض قبل تمام تسع سنين؛ لأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة». والحديث لم نقف له على إسناد. وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما هذا المعنى، لكن بإسناد ضعيف. سواء ثبت عن عائشة رضي الله عنها هذا الأمر أو لم يثبت، فالمرجع في هذا الأمر - كما ذكر من ذكر من العلماء - إلى الواقع والوجود؛ بمعنى أنه إذا وجد امرأة حاضت دون التاسعة بدم الحيض المعروف بأوصافه، فلا مانع من أن يقال بأنها حائض. وليس عندنا دليل يمنع أو يؤقت وقتًا للمرأة، وأن ما عداه لا تكون المرأة حائض. هذا هو الصواب في المسألة: أنه لا حد لابتداء الحيض، كما أنه لا حد لانتهائه. وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قالوا: ولا حيض بعد خمسين سنة في الغالب على الصحيح. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض». وهذا كذلك لم نقف له على إسناد. وهم أنفسهم قالوا: ذكره الإمام ابن قدامة في المغني. والإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى نفسه لم يرتض هذا القول؛ بل ذهب رحمه الله تعالى - كغيره ممن ذهب - إلى أنه لا تحديد لوقت انتهاء الحيض؛ فرب امرأة تحيض إلى ستين سنة. المسألة الثانية: أقل مدة الحيض وأكثرها. قالوا: الصحيح أنه لا حد لأقله ولا لأكثره، وإنما يرجع فيه إلى العادة والعرف. خلاف مشهور بين العلماء، ولكن الصحيح ما ذكر هنا: أنه لا حد لأقله ولا لأكثره. بل قد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه قد وجد من النساء من تحيض يومًا واحدًا، ومن تحيض يومين، وهكذا. العبرة بالوجود؛ فالمرأة أعلم بنفسها. المسألة الثالثة: قالوا: غالب الحيض. قالوا: وغالبة ست أو سبع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين يومًا، كما يحيض النساء ويطهرن لميقات حيضهن وطهرهن». والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيره. والعلماء رحمهم الله تعالى مختلفون في تصحيح هذا الحديث وفي تضعيفه. والأظهر والله أعلم أنه لا يصح؛ لأنه من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو ضعيف على الراجح من أقوال أهل العلم. المسألة الرابعة: ما يحرم بالحيض والنفاس؟ أي: ما هي الأمور التي يحرم على الحائض أو النفساء في حال حيضها ونفاسها؟ قالوا: يحرم بسبب الحيض والنفاس أمور: الأول: الوطء في الفرج؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». الثاني: الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم لعمر لما طلق ابنه عبد الله امرأته في الحيض: «مره فليراجعها». الثالث: الصلاة؛ أي: لا يجوز للمرأة الحائض والنفساء أن يصلين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة». الرابع: الصوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟» الحديث متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. الخامس: الطواف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها لما حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». السادس: قراءة القرآن، وهو قول كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. لكن إذا احتاجت إلى القراءة - كانت تحتاج إلى مراجعة محفوظها حتى لا ينسى، أو تعليم البنات في المدارس، أو قراءة وردها - جاز لها ذلك. السابع: مس المصحف؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾. الثامن: دخول المسجد واللبث فيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا أحل المسجد لجنب ولا حائض». وهذا الحديث الصحيح أنه لا يصح. المسألة الخامسة: ما يوجبه الحيض؟ تقدم ما يحرم بالحيض، الآن ما يوجبه الحيض. قالوا: الأول: يوجب الغسل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أمدعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». الثانية: البلوغ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». والحديث رواه أبو داود والترمذي وغيره، وهو حسن بمجموع طرقه. الثالث: الاعتداد به؛ أي: الاعتداد بالحيض؛ فتنقضي العدة في حق المطلقة ونحوها بالحيض؛ لمن كانت تحيض؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. الرابع: الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض؛ بمعنى أنه إذا ظهر عليها الحيض وحاضت بعد زوج، فهذا دليل على أنها ليست بحامل. وهذا يتصور في المرأة المختلعة ونحوها؛ فإن عدتها على الصحيح حيضة واحدة؛ إن كانت من أهل الحيض. تنبيه: إلى طهر الحائض أو النفساء قبل غروب الشمس؛ لزمها أن تصلي الظهر والعصر من هذا اليوم. ومن طهرت منهما قبل طلوع الفجر؛ لزمها أن تصلي المغرب والعشاء من هذه الليلة؛ لأن وقت الصلاة الثانية وقت للصلاة الأولى في حال العذر. وبه قال الجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد. والقول الآخر: أنها مطالبة بالصلاة التي أدركت وقتها فحسب. فإن عملت بقول الجمهور فالأمر في ذلك واسع. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك.