الدرس في كتاب البيوع 6، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالرطب لعدم التماثل في الوزن، وتناول الشيخ أحكام بيع ما في الذمة.
يتناول حكم بيع الأصول والثمار، ويوضح أن الثمار تكون للباع إلا إذا اشترطها المشتري، مع تفصيل في أحكام سائر الأشجار والزرع.
نهى النبي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ويكون الضمان على البائع إذا تلفت الثمرة قبل تسليمها إلا عند تفريط المشتري.
يكون الضمان على المشتري إذا تأخر في الاستلام بدون عذر، وعلى البائع إذا لم يكن هناك تفريط من المشتري.
بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الشيخ مساعد رحمه الله في كتابه "منهج السالكين" في كتاب البيوع: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالرطب، فقال: «أينقص إذا جف؟» يعني إذا يبس، قالوا: نعم، فنهى عن ذلك، رواه الخمسة، وهو حديث صحيح. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالرطب؛ لأنه إذا يبس الرطب ينقص وزنه، وحينئذ لا يحصل التماثل؛ لأن التمر جنس ربوي، لا بد في بيعه من حصول التماثل والتساوي، وهذا مفقود إذا بيع التمر بالرطب؛ فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. أما بيع الرطب بالرطب فيجوز؛ بيع الرطب بالرطب يجوز. قال: ونهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى بالتمر، رواه مسلم. نهى عن بيع الصبرة من التمر -يعني الكوم من التمر عندنا- كوم من التمر لا يعلم كيلها، وما ندري كم هي، وعندنا كوم آخر نعلم كيله، مثلا عبارة عن خمسين كيلو، هذا الكوم خمسين كيلو، وهذا الكوم لا ندري كم هو، فنبيع هذا بهذا، هذه الصبرة لا يعلم كيلها، وهذه الصبرة يعلم كيلها، فهذا لا يجوز؛ لعدم حصول التساوي والتماثل، والطعام الذي يجري فيه الربا -يعني كالتمر والبر والشعير والملح- لا بد من حصول التماثل؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثلا بمثل، سواء بسواء». فكونك تبيع صبرة لا يعلم كيلها بصبرة يعلم كيلها من جنس واحد، هذا سيؤدي إلى الجهل بالتساوي، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، وهذا لا يجوز. قال: وأما بيع ما في الذمة، فإن كان على من عليه جاز، وذلك بشرط قبض عوضه قبل التفرق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرق وبينكما شيء»، رواه الخمسة، والحديث من حديث ابن عمر، وهو من طريق سماك بن حرب عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، وتفرد سماك برفعه؛ فلذلك علق الحفاظ هذا الحديث، والصواب فيه الوقف على ابن عمر. قال: وإن كان على غيره لا يصح؛ لأنه غرر. بيع ما في الذمة -إن كان على من عليه جاز- أنت في ذمتك دين لفلان من الناس، مثلا هذا الدين عبارة عن مئة كيلو من البر، فتقول: يا فلان، أريد المئة كيلو بر التي عندك، أريد المئة كيلو البر التي في ذمتك، فتقول: ما عندي الآن، فتقول: ما رأيك لو يعطيك بدلها دراهم، بدل مئة كيلو من البر يعطيك خمسة آلاف، فإذا رضي بذلك جاز ذلك بشرط حصول التقابض؛ حصول التقابض هذا جائز. قال: إن كان على من عليه جاز؛ يعني الذي في ذمته إذا كان شراء هذا ما في الذمة، إن كان لمن هو عليه الذي طالبه بالدين هو سيشتري منه ما في ذمته، فهذا جائز؛ لانتفاء الغرر، ليس هنا غرر وجهالة، يجوز لكن بشرط التقابض قبل التفرق. قال: في الحديث: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرق وبينكما شيء». هذا الحديث فيه أن الرجل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن نشتري الإبل بالدراهم ونعطي الدنانير، أو نأخذ بالدنانير نعطي الدراهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرق وبينكما شيء». مثل أيضا يعني صرف العملة التي في الذمة، أنت الآن في ذمتك لفلان ألف ريال سعودي، فيأتي فلان يطالبك: أين الألف التي عندك؟ تقول: ما عندي الآن سعودي، لكن هل تريد أعطيك قيمتها بالريال اليمني؟ فيقول: نعم، فيجوز بشرط أن يكون بسعر اليوم، كم سعر الألف ريال سعودي اليوم؟ قالوا: كذا وكذا، فتعطيه وتقبضه قيمتها من سعرها بالعملة اليمنية، هذا جائز بهذين الشرطين: أن يكون بسعر اليوم، مع حصول التقابض. قال: وإن كان على غيره لا يصح؛ لأنه غرر. كيف إذا كان على غيره؟ أنت تطالبني بالدين الذي في ذمتي، أنت لك ألف ريال سعودي مثلا، أو لك طعام كذا وكذا من الطعام، أقول: ما عندي أو أماطل أو أتهرب، فيأتي شخص آخر يقول: أنا أشتري ما في ذمتك لفلان، أنا أشتريه منك، هذا لا يجوز؛ لأن هذا فيه غرر؛ لأنه ربما لا يستطيع أن يأخذ ما في ذمتي من هذا الطعام أو المال، قد أماطله، قد تهرب، فيحصل له جهالة، هو قد يتحصل على ما في ذمة هذا الإنسان، وقد لا يتحصل عليه، فيكون بيعه هذا وشراءه فيه شيء من الغرر والجهالة؛ إذ قد يحصل وقد لا يحصل عليه؛ لأجل هذا لا يجوز هذه الصورة -يعني أن يشتري ما في ذمة غيره- لأن فيه شيء من الغرر والجهالة. لكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إذا كان يعني يستطيع أن يأخذ ما في ذمة هذا الإنسان وهو قادر على ذلك، فهذه الصورة يجوز؛ إذا كان يقدر أن يأخذ ما في ذمة هذا الإنسان ويستطيع ذلك فيجوز؛ لأن الغرر هنا منتفي، الغرر هنا منتفي. فبهذه الصورة لا بأس -يعني أنت تستطيع أن تأخذ ما في ذمة هذا المستدين- فبهذه الصورة يجوز، أما إذا كنت لا تدري هل تستطيع أو لا تستطيع، هل سيعطيك أو ما يعطيك، هنا ما يجوز حينئذ؛ ستدخل في غرر وجهالة. قال رحمه الله: باب بيع الأصول والثمار. قال صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للباع إلا أن يشترطها المبتاع»، متفق عليه. الأصول هي الأشياء الثابتة، وأما الثمار فهي الأشياء التي تؤخذ، فمثلا شجرة النخل هذا أصل، وثمرتها تسمى ثمرا؛ أن الثمر تؤخذ وتؤكل وتباع، أما الأصل يبقى، أصل الشجرة هو باقي. فالمراد بالأصول: أي أصول الأشجار، أصل شجرة النخل، أصل شجرة التفاح أو البرتقال إلى آخره، هذه أصول، وثمارها التي تؤخذ هذه تسمى ثمرة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من باع نخلا بعد أن تؤبر» -معنى تؤبر أي تلقح- بعد أن تلقح؛ لأن النخل في الغالب لا يثمر إلا بالتلقيح، هذا الغالب والأكثر يحتاج إلى أن يلقح حتى يثمر التمر والرطب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلا بعد أن تؤبر» -أنت الآن معك نخلة قد لقحتها، طيب ثم أردت أن تبيعها- «فثمرتها للباع»؛ ثمرة هذه النخلة للباع، «إلا أن يشترطها المبتاع»، متفق عليه. من باع نخلا بعد أن تؤبر -أي بعد أن تلقح- فثمرتها للباع؛ ثمرة هذه النخلة للباع، إلا أن يشترطها المبتاع -المشتري إذا قال: لا، أنا أريد الثمر لي- فتكون له، وإذا قال: لا، أنا لا أرضى ولا أوافق، فالأصل أنها للباع؛ الأصل أنها للباع. قال: وكذلك سائر الأشجار إذا كان ثمره باديا -يعني كذلك يلحق بالنخل غيره من الأشجار إذا كان ثمره باديا يعني ظاهر- بعت شجرة تفاح والتفاح فيها ظاهر، فيكون هذا التفاح لمن؟ للباع، بعت شجرة فيها برتقال، يكون هذا البرتقال للباع، بعت شجرة المانجو فيها مانجو ظاهر، فيكون هذا المانجو للباع، وهكذا. قال: ومثله إذا ظهر الزرع الذي لا يحصد إلا مرة واحدة. كذلك إذا بعت زرعا وهذا الزرع لا يحصد إلا مرة واحدة، وقد ظهر فيه الزرع كالحب كالبر والشعير ونحوها، هذه تحصد مرة واحدة، فإذا بعتها فتكون هذه الثمرة -هذا الحصاد- يكون للباع؛ لعموم هذا الحديث: «من باع نخلا مؤبرا أو بعد أن تؤبر فثمرته للباع»، هذا الحديث وإن كان في النخل لكن يلحق به سائر الأصول من بقية الأشجار؛ لأن الشرع لا يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين مختلفين، فحينئذ يكون هذا الزرع للباع. قال: فإن كان يحصد مرارا فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للباع. فإن كان يحصد مرارا -يعني يجز ويطلع يصعد مرة أخرى- كلما جزة نبت مرة أخرى، مثل البرسيم، يسميه القضب، هذا طعام البهائم، هذا يجز وينبت، يجز وينبت، فإذا باعه يقول: الجزة الأولى الظاهرة تكون للباع، والبقية تكون للمشتري. قال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع. وسئل عن صلاحها، فقال: «حتى تذهب عاهته»، وفي لفظ: «حتى تحمار أو تصفار»، وفي الصحيحين: «ونهى عن بيع الحب حتى يشتد»، رواه أهل السنن وهو صحيح. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بما تأخذ مال أخيك بغير حق»، رواه مسلم. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها -يعني حتى يظهر الصلاح وتسلم من العاهة- ولهذا لما سئل عن صلاحها قال: «حتى تذهب عاهته» -يعني يسلم من تصيبه عاهة وآفة تفسده- وفي لفظ: «حتى تحمار أو تصفار». بدو الصلاح -بدو الصلاح- هو أن تسلم الثمار من العاهة، وأن تصلح أن تكون صالحة للأكل، أن تصير صالحة للأكل. فبدو الصلاح قد يكون في بعض الثمار بالإحمرار والإصفرار، كالنخل، النخل إذا حمر أو اصفر هذا بدو صلاحه، معنى قد بدى صلاحه وسلم من العاهة. وبعض الثمار يكون بدو الصلاح يعني بطيب أكلها، بعض العنب يكون أخضرا لونه -لون يعني لونه قبل النضوج- فهذا بدو صلاحه إذا أصبح صالحا للأكل. وبعض كذلك الزرع يكون صلاحه بالاشتداد، كالحب كالبر والشعير إذا اشتد وقوي، هذا معنى قد بدى صلاحه أيضا. وبعضه كذلك من النضوج، كالبطيخ مثلا والحبحب وهكذا، كل بحسب العرف يعني في بدء صلاحه. فإذا بدى صلاحه جاز بيعه، أما قبل بدو الصلاح يبيع يعني الثمرة وهي ما زالت خضراء لم يبدو صلاحها، هذا لا يجوز؛ لأنها معرضة للآفة، معرضة للآفة والعاهة، فلو حصل لها شيء سيحصل خصام بين البائع والمشتري والنزاع. كذلك أيضا أن يقول يشتريها قبل أن يبدو صلاحها، ليس في هذا فائدة، ليس في هذا فائدة ولا ينتفع بهذه الثمرة. لكن إذا اشتراها باشتراط القطع، اشتراها قبل بدو الصلاح لكن بشرط أن تقطع في الحال، هذا جائز؛ إذا اشتراها قبل بدو صلاحها بشرط القطع فهذا جائز؛ لأن العلة هنا منتفية؛ العلة منتفية. قال: نهى البائع والمبتاع -يعني البائع والمشتري- كلاهما منهي عن شراء الثمرة قبل بدو صلاحها. قال: ونهى عن بيع الحب حتى يشتد. ما يجوز أن يبيع الحب -البر أو الشعير أو الأرز أو نحوها- وهو ما زال رقبا في سنبله؛ لأنه معرض للتلف وللعاهات، فإذا اشتد وقوي جاز بيعه. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بما تأخذ مال أخيك بغير حق». إذا اشترى الإنسان ثمرة بعد أن بدأ صلاحها، بعد أن بدأ صلاحها ثم تلفت، أصابتها عاهة أو جائحة -الجائحة هي الآفة السماوية التي ليس للإنسان فيها دخل، آفة سماوية ليس للإنسان فيها دخل- مثل سيول جارفة أو رياح شديدة أو حر شديد، طيب أو حشرات مثلا أو شيء من ذلك، فتلفت الثمرة، فعلى من يكون الضمان؟ هل يضمن هذه الثمرة البائع أو يضمنها المشتري؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لو بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا» -الخطاب لمن؟ للبائع- «فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بما تأخذ مال أخيك بغير حق»، تأخذ بأي حق؟ فظاهر الحديث أن الضمان على البائع؛ أن الضمان على البائع، ويؤيد ذلك أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام -أو قول الصحابي- «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح»، رواه مسلم. فظاهر هذا الحديث يعني أن الضمان يكون على البائع، وليس على المشتري شيء، وبهذا قال الإمام مالك رحمه الله، وجماعة من أهل العلم كالإمام الشافعي والإمام أحمد في أحد قوليه. وأما الجمهور فيقولون: إن الضمان على المشتري؛ أن الضمان على المشتري، واستدلوا بحديث -يعني تبيع سعيد- أن رجل أصيب في ثمره -أصيب في ثمره يعني ثمر اشتراه فتلف- فقال النبي صلى الله عليه وسلم... وهذا ليس صريحا -يعني ليس صريحا أنه ضمن هذه الثمرة- لاحتمال يعني أن يكون تلف هذه الثمرة بتفريط من طيب أو شيء من ذلك. فالأظهر هو القول الأول: أن الضمان على البائع هو ظاهر الحديث؛ أن الضمان على البائع. فإذا باع البائع الثرة ثم تلفت، فهنا يتحملها البائع، وليس على المشتري شيء، إلا في حالة واحدة: وهو إذا فرط المشتري، إذا فرط المشتري. البائع يقول: يا فلان، تعال خذ ثمرك، خذ ثمرك، يقول: طيب، اليوم، غدا، بعد غد، ويتأخر، الناس قد باعوا الثمار، قد جزوا وأخذوا الثمار، وهو متأخر -يعني ينتظر أن يرتفع السعر أو شيء من ذلك- حتى تلفت، وهنا الضمان على المشتري؛ هو الذي فرط في أخذ الثمر، ولا يتحمل البائع في هذه الحالة شيء. أما إذا لم يكن هناك تفريط من المشتري، فالضمان على البائع على ظاهر هذا الحديث. فالله تعالى أعلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.