الدرس في شرح كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبدالوهاب 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المحور يشرح حديث النبي حول طلب الصحابة جعل ذات أنواط لهم كما للمشركين، ويبين أن التبرك بالأشجار والأحجار هو نوع من الشرك. يبين الدروس المستفادة من حديث أبي واقد الليثي بعد غزوة حنين.
المحور يعدد الفوائد المستخلصة من حديث ذات أنواط، منها أنواع الشرك، وسد الذرائع، والنهي عن التشبه بالجاهلية، وعلامات النبوة. يبين أهمية فهم الصحابة للتوحيد وتأثير خلفيتهم الثقافية.
المحور يبين أن التوبة من الذنوب قد تترك رواسب في النفس، لكن مع مرور الوقت تختفي هذه الرواسب. بعض الناس ينتبهون لهذه الأمور لتجنب الخلل في المستقبل.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. وقول الله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾. قال: عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبون سنن من كان قبلكم». رواه الترمذي وصححه. هذا الباب أيضا من الأبواب التي ذكرها الشيخ في التفصيل في مسألة الشرك، وأن الشرك يقع بأشياء كثيرة، ومنها طلب البركة من هذه الأشجار وغيرها، وأنها تنفع وتضر. ثم ذكر قول الله جل وعلا: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾، وقول: «من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما». التبرك هو الزيادة في الخير، البركة هي زيادة في الخير. فالذي يتبرك بالشجر معناه يطلب منها الخير، وأنها تنفعه أو تضر، أنها تنفعه إما تجلب له النفع أو تدفع عنه الضر. وهذا الذي كان يعتقده مشركو قريش في أصنامهم. ولهذا استدل المؤلف رحمه الله بهذه الآية، وقول الله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذن قسمة ضيزى﴾. هذه الآلهة كانوا يتبركون بها، والمراد أنهم يريدون منها النفع ودفع الضر عنهم، يعتقدون فيها أنها تنفعهم وتدفع عنهم الضر. فلهذا طلبوا منها الأشياء. فلا فرق بين صنم أو وثن، أو وثن الصنم هو الذي يكون على صورة، سواء كان صورة إنسان أو حيوان. والوثن هو الذي يكون على صورة أو على غير صورة. ومعنى ذلك أن الصنم يدخل في كلمة الوثن، فكلمة الوثن عامة، كل ما يعبد من دون الله يسمى وثنا. ثم ذكر حديث أبي واقد الليثي بعد حنين، ومعلوم أن حنين بعد فتح مكة. لما فتح مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا من أهل مكة ومن مسلمي الفتح، ثم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتال هوازن في حنين. فخرجوا وهم على عهد بشرك، والذي يكون على عهد بشرك تجده لا يزال تعلقه بالأصنام. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحلف باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله». لأن الناس اعتادوا على هذا الحلف. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية النجم ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾، وأن المراد بها هذه الآلهة التي يتبركون بها، والتي يطلبون منها النفع ودفع الضر، هي أيضا من الآلهة التي نهى الله عز وجل عنها. الثانية: معرفة سورة الأمر الذي طلبوا، معنى: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». كونهم لم يفعلوا معنى ما فعلوه، وإلا كانوا مشركين. الرابع: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك، لظنهم أنه يحبه. أي هذا الفعل، وهو التعلق بغير الله، أو جعل هناك من الأولياء مثلا من يعتقد فيه النفع والضر. السادسة: لهم من الحسنات والوعد بمغفرة ما ليس لغيرهم، أي الصحابة رضي الله عنهم. مع ذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن». السابعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد لهم، بل رد عليهم بقوله: «الله أكبر، إنها السنن لتتبعون سنن من كان قبلكم». فغلظ الأمر بهذه الثلاثة. الثامن: الأمر الكبير، وهو المقصود، أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: «اجعل لنا إلها». معنى جعل هذا التبرك بالشجرة مثل ما فعل بنو إسرائيل في الطلب لله. لأن الأمر واحد، وهو اعتقاد في غير الله جل وعلا، سواء كان هذا حجرا أو شجرا أو إنسانا أو غير ذلك. التاسع: أن نفي هذا من معنى لا إله إلا الله، مع دقته وخفائه على أولئك، معنى أنه ينفي معنى لا إله إلا الله لأنه شرك. العاشر: أنه حلف على الفتية، وهو لا يحلف إلا بالمصلحة، والذي نفسي بيده قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى، فهو حلف. الحادي عشر: أن الشرك فيه أكبر وأصغر، لأنهم لم يرتدوا بهذا، أنهم وقعوا في الشرك الأصغر. معنى الصحابة لأنهم قالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». فالاعتقاد في مثل هذا كفر وشرك، لكن هم ما كانوا يعتقدون هذا الأمر، لكن يظنون أن هذا سببا في الخير. الثاني عشر: قولهم: «ونحن حدثاء عهد بكفر»، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك، غير هؤلاء الذين هم حديثو عهد بكفر لا يجهل هذه المسألة. الثالث عشر: التكبير عند التعجب، خلافا لمن كره التكبير عند التعجب. الله أكبر، هذا جائز، وممكن أن يقول: سبحان الله. الرابع عشر: سد الذرائع، سد ذرائع الشرك حتى لا يتدرج إلى آخرين، فيسد هذه الذرائع، وهو عدم تعظيم شيء فيعتقد فيه النفع والضر. الخامس عشر: النهي عن التشبه بها للجاهلية، منها اعتقاد في غير الله عز وجل. السابع عشر: الغضب عند التعليم، إذا احتاج الإنسان إلى الغضب، وأيضا أن يوبخ بعض التلاميذ وغيرهم. السابع عشر: القاعدة الكلية لقوله: «إنها السنن»، أي كل من تشبه باليهود فهو مستن سنتهم، سنتهم التي يمشون عليها. الثامن عشر: إن هذا علم من علامات النبوة، لكون وقوع ما أخبر به: «لتركبون سنن من كان قبلكم»، فوقع ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. التاسع عشر: أن ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا. العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما من ربك فواضح، وأما ما النبي يكفي من إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينه يكفي من قولهم: «اجعل لنا ذات أنواط» إلى آخره. معنى هذا الحديث يدل على مسائل القبر، وهذا من استنباط الشيخ رحمه الله. الحادي والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين، أن أهل الكتاب اليهود والنصارى أيضا سنتهم وطريقتهم مذمومة كذم سنة المشركين. الثاني والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، بقول: «ما نحن حدثاء عهد بكفر». هذا معروف، غالبا الذي يتوب من شيء غالبا تكون رواسب عنده، معلق بعد فترة تذهب، لكن في البداية الأمر تكون لا تزال رواسب عنده. فلهذا بعضهم ينتبه لمثل هذه الأمور حتى لا يحصل بعد ذلك الخلل.