الدرس في شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري 13، ألقاها
يعرض المقطع باب البخاري المتعلق بحديث الفتنة حيث القاعد فيها خير من القائم، ويورد حديث أبي هريرة بأسانيد متعددة مع بيان رجال الإسناد وأحوالهم من حيث الثقة والحفظ. كما يذكر اختلاف الروايات في اللفظ وأسماء الرواة الواردين في طرق الحديث.
يستعرض المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الفتن المستقبلية كدليل قاطع على نبوته، ويبين أحكام التعامل معها من وجوب الاعتزال وطلب الملجأ حتى كسر السيف للنجاة. وينقل عن ابن تيمية تحريم القتال في الفتنة حتى على المكره فيها.
يبيّن المقطع أن الأحاديث الناهية عن القتال في الفتنة محمولة على قتال الدنيا والملك والهوى، بينما قتال الفئة الباغية ونصرة المظلوم مشروع واجب بنص القرآن والسنة. ويرجح جمهور العلماء وجوب نصر المحق وقتال الباغين، وتأولوا أحاديث الاعتزال على من لم يتبين له الحق أو في قتال بين ظالمين.
يذكر المقطع أن الحافظ ابن حجر أوضح أن مذهب الجمهور هو قتال الفئة الباغية، ونصرة الحق وأهله، ودفع الباطل والظلم. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي والحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب: تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم". قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن عبيد الله، وهو المدني أبو ثابت مولى آل عثمان. قال فيه الإمام الدارقطني رحمه الله تعالى: ثقة، حافظ، ثقة، حافظ. قال رحمه الله تعالى: حدثنا إبراهيم بن سعد، وهو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري. نُسب إلى بني زهرة، بطن من قريش، بطن من قريش، وهو كما قال فيه الحافظ: ثقة، حجة. تكلم فيه بلا قادح، تكلم فيه بلا قادح. قال: عن أبيه. وأبوه هو سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ولي قضاء المدينة، وقد ذكروا أنه كان ثقة فاضلاً عابداً. قال: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، مكثر، ثقة، مكثر. اختلف في اسمه، فقيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل. قال: عن أبي هريرة. حاء. وسبق معنا أن المراد بقولهم "حاء" على أوجه وأقوال، أظهرها أن المراد به تحويل الإسناد، أي أن المراد به تحويل الإسناد. قال إبراهيم، وهو الذي تقدم: ابن سعد الزهري. قال: وحدثني صالح بن كيسان عن ابن شهاب. وصالح بن كيسان هو أبو محمد، وقيل: أبو الحارث المدني، ثقة، ثبت، فقيه، كان مؤدباً لأبناء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. قال: عن ابن شهاب، وهو الزهري، عن سعيد بن المسيب. وسعيد بن المسيب هو ابن حزن القرشي المخزومي، المخزومي، أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار. عده جماعة من أهل العلم سيداً للتابعين، ومراسيله عدها العلماء من أصح المراسيل. ولهذا قال فيه علي بن المديني رحمه الله تعالى: "لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، أوسع علماً منه". قال: عن أبي هريرة. ما اسم أبي هريرة؟ عند الصغار كلهم، نعم. سبق معنى أنه اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال، أقربها أنه عبد الرحمن بن صخر، أنه عبد الرحمن بن صخر. الإمام الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث" أوصلها إلى نحو من ثلاثين قولاً. قال: عن أبي هريرة. ماذا كان يلقب أبو هريرة؟ وعندكم، نعم، ماذا؟ ما سمعت؟ ماذا يقول؟ آه، القِط. طيب، هذا لعله سبب تكنية بهذه الكنية، لكن له لقب عظيم يدل على حفظه وعلمه. آه، عند من؟ بماذا لُقب أبا هريرة؟ أو أبو هريرة؟ عندك يا أخي، نعم: هو حافظ الصحابة، حافظ الصحابة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد منها ملجأً أو معاذاً فليعذ به". وقال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، أبو اليمان البهراني الحمصي، مشهور بكنيته. قالوا فيه: ثقة، ثبت، ثقة، ثبت. قال: أخبرنا شعيب. وشعيب هو ابن أبي حمزة، واسم أبي حمزة دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، ثقة، عابد، ثقة، عابد. وقد ذكروا عن شعيب أنه كان من أثبت الناس في حديث الزهري، في حديث الزهري. وهكذا أكثر أبو اليمان من الرواية عن شعيب، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، والمناولة هي أن الشيخ يناول التلميذ كتابه أو بعض كتابه أو حديثه، فيحدث التلميذ بهذه الأحاديث. قال: عن الزهري. قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأً أو معاذاً فليعد به". أورد البخاري رحمه الله تعالى في هذا الباب: "باب: تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي، القاعد فيها خير من الماشي". وأورد فيها حديث أبي هريرة من هذه الطرق، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكون فتن". وهذا إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر غيبي لم يقع بعد، وعن أمر مستقبلي. وماذا قد حصل ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فهذا يعد دليلاً من دلائل نبوته، دليلاً من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، يدل على أنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، إن هو إلا وحي يوحى. قال: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرف لها تستشرفه". وقوله عليه الصلاة والسلام: "من تشرف لها" هو من الإشراف للشيء، وهو الانتصاب والتطلع. وكذلك أيضاً التعرض له. فمن تعرض لهذه الفتن واستشرف لها وأقحم نفسه فيها، فإنها تستشرفه. ومعنى "تستشرفه" كما قال العلماء: أي تقلبه وتصرعه، تقلبه وتصرعه. فما هي إلا برهة من الزمان، وإذا به يكون من وقود تلكم الفتنة وحطبها. ولهذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حذر أمته من التعرض لهذه الفتن والاستشراف لهذه الفتن، فقال: "فمن وجد منها ملجأ". فمن وجد منها، أي من هذه الفتن، ملجأ. ومعنى الملجأ: أي عاصماً وموضعاً يلتجأ إليه ويعتزل. قال: "أو معاذ". والمعاذ كذلك أيضاً بمعنى الملجأ. قال: "فليعذ به". فليعذ به، أي ليعتزل فيه حتى يسلم من شر هذه الفتن، حتى يسلم من شر هذه الفتن. وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جداً التي يأمر نبينا صلى الله عليه وسلم فيها أمته باجتناب واعتزال هذه الفتن، اجتناب واعتزال هذه الفتن. ففي حديث المقداد بن الأسود عند أبي داود وغيره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها، ولمن ابتلي فصبر فواها». أي: فيا عجبا ممن يبتلى فيصبر أمام هذا الابتلاء. وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، فإذا لقيتموهم فاثبتوا». إلى آخر حديث ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه. وقد جاء في حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه الإمام مسلم رحمه الله بنحو ما جاء في حديث أبي هريرة هذا، غير أن في حديث أبي بكرة زيادة بعد قوله: "فمن وجد ملجأً أو معاذاً فليعذ به"، قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا نزلت أو وقعت يعني الفتن، فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كان له أرض فليلحق بأرضه». فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال عليه الصلاة والسلام: «يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينجو إن استطاع النجاة». يعمد إلى سيفه فيدق حده بحصاة أو بحجر، قال: «ثم لينجو إن استطاع النجاة». قال عليه الصلاة والسلام: «اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت». قال: فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق، حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين، فضربني رجل بسيفه أو جاء سهم فقتلني؟ السائل يقول: يا رسول الله، كيف العمل لو أخذت قهراً ومكرهاً حتى وضعت بين الصفين أو في إحدى الفئتين، إما مع هذه وإما مع هذه، لا بد أن تخرج؟ فقال: «فجاء رجل فضربني بسيفه أو جاء سهم فقتلني». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار». يبوء بإثمه وإثمك، ويكون من أصحاب النار. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى استدلالاً بهذا الحديث كما في مجموع فتاويه: "ففي هذا الحديث أنه نهى عن القتال في الفتنة، بل أمر بما يتعذر معه القتال من الاعتزال أو إفساد السلاح الذي يقاتل به. قال: وقد دخل في ذلك المكره وغيره". ثم بيّن أن المكره إذا قتل ظلماً كان القاتل قد باء بإثمه وإثم المقتول، كما قال تعالى في قصة ابني آدم عن المظلوم: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، وذلك جزاء الظالمين، وذلك جزاء الظالمين. وقد سبق معنا الإشارة إلى أن هذه الأحاديث التي أمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم باعتزال الفتن، وهكذا أيضاً باعتزال القتال في أيام الفتنة، هذا محمول على القتال الذي يكون لأجل الدنيا، أو الذي يكون لأجل الملك، أو لأجل الهوى، أو الظلم، أو التعدي، أو غير ذلك من القتال الذي لا مسوغ له. أما ما كان من القتال الذي هو من باب قتال الفئة الباغية، وهكذا نصرة المظلوم، وهكذا... ماذا... الوجوه أو الوقوف في وجه الباطل، فهذا مما دلت الأدلة من الكتاب والسنة على جوازه وعلى مشروعيته. ولهذا فقد ذكر الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى ذكراً جميلاً ممتعاً فيما يتعلق بهذا الحديث عند شرحه على صحيح الإمام مسلم، فقال رحمه الله تعالى: "قال: وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال. وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة، فقال طائفة: لا يقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله، فلا يجوز له المدافعة عن نفسه، لا يجوز له المدافعة عن نفسه. قال: لأن الطالب متأول. قال: وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي رضي الله عنه وغيره. هذا المذهب الأول: لا يجوز أن يقاتل في أي قتال فتنة وقع بين المسلمين، ولو دخل القاتل إلى بيتك ويريد قتلك، لا تدافع. لماذا؟ قالوا: لأن القاتل والطالب يعتبر ماذا؟ متأولاً في الدخول عليك وقتلك. وسبق معنا في الحديث الماضي، حديث أمس، أن أبا بكرة رضي الله تعالى عنه قد ذكر، قد ذكر أنه ماذا؟ لو دخلوا علي ما بهشت بقصبة، أي ما دافعت عن نفسي ولو بقصبة، ولو بقصبة، فضلاً عن أن يحمل ويسل سيفه. قال النووي رحمه الله تعالى: وقال ابن عمر وعمران بن حسين رضي الله عنهم وغيرهم: لا يدخل فيها، أي في الفتن، لكن إن قصد دفع عن نفسه. لا يقاتل، لكن إن قصد بالقتل واعتُدي عليه ودخل إلى بيته، له أن يقاتل ويدافع عن نفسه. قال: فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام. قال: ومعظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام، قال: ومعظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام على أنه يجب نصر المحق في الفتن والقيام معه بمقاتلة الباغين، كما قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال: وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق، أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحد منهما. ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون، والله أعلم". وكذلك أيضاً أيد هذا القول شيخ الإسلام في زمانه الإمام ابن باز رحمه الله تعالى، فقال معلقاً على تلكم الأحاديث: "قال: وهذه هي الحروب التي لا يعرف وجهها ولا موجبها، أما المأمور بها شرعاً فلا. أما المأمور بها شرعاً، أي إذا كان لدفع الفئة الباغية أو نصرة المظلوم ودفع الظالم إلى غير ذلك، فلا تعتزل، وإنما يجب القيام بماذا؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصرة الحق وأهله، ودفع البغي وأهله، ودفع البغي وأهله". وهذا فيه كما هو ظاهر بيان عظيم إلى خطورة أمر الفتن، وهكذا التحذير من الفتن والحث على اجتناب الدخول فيها، وأن شرها يكون بحسب التعلق بها، بحسب التعلق بها. ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي". أي الذي يمشي بقوة ويسرع إليها. فماذا بين عليه الصلاة والسلام؟ أن شر هذه الفتن يكون بحسب التعلق بها، بحسب التعلق بها. وأن المراد بالفتنة هو ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك، حيث لا يعلم المحق من المبطل، حيث لا يعلم المحق من المبطل. وكذلك من باب الفائدة ينظر ما ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عند شرح هذا الحديث، فقد ذكر أن مذهب الجمهور هو ماذا؟ قتال الفئة الباغية، ونصرة الحق وأهله، ودفع الباطل والظلم وأهله. فهذا بعض ما يتعلق بهذا الحديث، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.