الدرس في آداب الغضب 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث الدرس عن أهمية التحكم في الغضب وآدابه، ويشير إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم 'لا تغضب' كوصية للابتعاد عن أسباب الغضب. يُوضح أن الغضب يجمع الشر كله ويؤدي إلى عواقب وخيمة.
يُنبه المقطع إلى خطورة إثارة الغضب لدى الآخرين عمدًا، ويعتبر هذا الفعل محرمًا لأنه سوء أدب ويسبب أذية للمسلمين. كما يحث على تجنب الأسباب التي تؤدي إلى الغضب واتباع حسن الخلق في التعامل مع الآخرين.
يذكر أن كظم الغضب له فضائل عظيمة، منها اتباع وصية النبي عليه الصلاة والسلام، ودخول الجنة، واختيار الحور العين يوم القيامة. كما يُشرح حديثًا نبويًا يشير إلى تكريم الله لمن يكظم غيظه، حيث يدعوه على رؤوس الخلائق يوم القيامة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في ذكر ما يتعلق بمسائل آداب الغضب، وأشرنا إلى مقدمة لا بد أن تذكر بين يدي هذا الأدب، إشارة إلى ما يتعلق بأهمية مبحثه، وبذكر شيء من مسائله. وفي هذا المقام، إخواني في الله، سنذكر أهم الآداب التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة إذا انتابته حالة الغضب، كيف يفعل وكيف يتصرف. والآداب في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، وحسبنا في هذا المقام أن نقتصر على أدبين اثنين، وغيرها من الآداب ستتبع في دروس قادمة بإذن الله. في هذا المقام، إخواني في الله، مما ينبغي أن يحرص عليه كل مسلم ومسلمة حتى يبتعد عن هذه الخصلة، عليك يا عبد الله أن تبتعد قدر الإمكان عن كل سبب يفضي ويؤدي إلى الغضب، احرص على الابتعاد عن ذلك. وهذا ما قاله العلماء، يظهر جليًا في قوله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة، أن رجلًا قال: يا رسول الله، أوصني، قال: لا تغضب، فقال الرجل: أوصني، قال: لا تغضب، فقال: أوصني، قال: لا تغضب، كررها عليه صلاة والسلام ثلاث مرات. وقد جاء في رواية الإمام أحمد، قال الراوي: ففكرت حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله، فإذا الغضب يجمع الشر كله، لقد مر معنا في درس أمس شيئًا من هذه الشرور التي هي من العواقب الوخيمة التي يبتل بها كل مسلم ومسلمة إذا أطلق لنفسه العنان في غضبه، فذاك يسب وذاك يشتم، وذاك يطلق وذاك لربما قتل، فالشر كله في الغضب. ولهذا ألح نبينا على هذه الوصية: لا تغضب، لا تغضب. قال العلماء في شرح هذا الحديث: قالوا في معنى قوله عليه الصلاة والسلام: لا تغضب، بمعنى أنك لا تأخذ بالأسباب المفضية إلى الغضب، ابتعد عن الغضب وعن كل ما يؤدي إلى الغضب. والإنسان، إخواني في الله، يعرف هذا من نفسه، يعرف هذا من نفسه أنه لربما ببعض الأمور تودي به إلى الغضب. فمثلًا يا عبد الله، إذا علمت أن موضوعًا ما، إذا طرق، فإن مآل هذا الموضوع الغضب، هذا قد عرف من خلال حياتك المعيشية، سواء كان هذا الموضوع يطرق مع أهلك، مع زوجك، يطرق مع أصحابك، زملائك، يطرق مع كبرائك، من مديريك، إذا طرق هذا الموضوع، نهايته الغضب والإحمرار والحنق، إذن لا تفتح هذا الموضوع، لا تفتح هذا الموضوع، ابتعد عنه. كذلك يا عبد الله، إذا سمعت شيئًا، إذن لا تسمع لهذا الشيء حتى لا يؤثر فيك. وقس على ذلك كذلك الجلوس مع بعض الصحبة، إذا جلست معهم، هؤلاء سيثيرون غضبك، إذن لا تجالسهم، لا تجالسهم، ابتعد. هكذا سيتنزل عليك حديث رسول الله: لا تغضب، بمعنى لا تأخذ بالأسباب المفضية إلى الغضب. وإن شيئًا بشيء يذكر، إخواني في الله، ونحن نتحدث عن هذه المسألة، ما يتعلق بأمر الصحبة، هذا نجده من بعض من قل فقهه في دين الله جل وعلا، للأسف أنه إذا في مجلس، فلربما يفعل أمورًا عمدًا وقصدًا حتى يثير غضب فلان، إما الداعي لذلك أن يظهر للناس أنه فنان، إن صح التعبير، في ماذا؟ إثارة المشاعر، هذا فلان اتركوه عليه، أنا سأجعله الآن يحمر ويصفر، لحظة، فيدخل معه، فصحيح يتم الأمر، يحمر ويصفر ويرعد ويزبد، صاحبه أو يريد من هذا الفعل ليس فقط إظهار براعته، يريد فقط إضحاك المجلس، يريد أن يضحك المجلس على هذا المسكين، ويدخل معه في موضوع، ويعرف أن هذا الموضوع إذا طرق، يجعله يغضب ويسب ويشتم ويلعن، والقوم يضحكون عليه. هذا ما يجوز، أنا أقولها صراحة، هذا فعل محرم، مع كثرة حدوثه لدى بعض الناس، لدى بعض الناس أصبحت بعض المجالس على هذا الحال، يأتي هذا الذي يدعي أنه فنان في تغيير المشاعر، أنه يضحك القوم على صاحبهم بأن يثير غضبه ويثير حنقه، بل حتى يرونه أنه ما يسكتون إلا أن ينصرف، يقوم ويذهب، ثم يرجع بعد أيام، أنتم أصحابه، فهم يستغلون هذا الصاحب المسكين بإثارة غضبه، هذا حرام. ووجه الحرمة في ذلك الباب، إخواني، أولًا أن هذا سوء أدب، سوء أدب، فالخلق الحسن كما قال العلماء في تعريفه: هو بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه، هذا حسن الخلق. هذا بالله تعامل بالحسنة مع إخوانك المسلمين، هذا ليس تعامل معاملة حسنة، إثارة غضب وحنق إخوانك المسلمين. زد على ذلك أن فيه أذية للمسلم، ما يجوز أن تؤذي أخاك المسلم، تؤذي أخاك المسلم ولو بكلمة، فضلًا على أنك تثير غضبه، تجعله يزعل ويهجر ويتشاجر ويسب، ما يجوز هذا، هذا أذية، وأنت تعلم أن أسلوبك هذا السخيف سيؤدي إلى هذا الحد، هذا ما يجوز، هذه معاملة محرمة، دلالة على سوء خلقك، دلالة على أذيتك لإخوانك. الأمر الثاني من الآداب التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة حتى يبتعد عن صفة الغضب، أنك تستذكر الفضائل التي جعلها الله جل وعلا لمن كظم وكف غضبه. أنت عندما تفعل هذه الفعلة، هذا أمر ليس بسهل، هذا أمر صعب على الأنفس، أنك تكبح جماح نفسك فلا تظهر غضبك، هذا الفعل الذي تفعله لعظمته عند الله جل وعلا. فمن هذه الفضائل، إخواني في الله، أولًا أن تعلم دائمًا وأبدًا أن هذه وصية نبيك عليه الصلاة والسلام، وصية أنت يا عبد الله، لو أن عندك أبًا أو جدًا يحبك، ثم في الرمق الأخير من موته، قال: يا بني، أدن مني، فإذا بك دنوت، قال: الله الله بالمساكين والأيتام، وصية الله الله بالمساكين والأيتام، مثلا حباك بهذه الوصية، هذا ستبقى معك محفورة في الذهن، لن تنسى، لماذا؟ لأن هذا الميت قد أعطاك إياها في الرمق الأخير من حياته. وهكذا فعل نبينا مع أصحابه، فعندما طلب الرجل من رسول الله وصية، قال: لا تغضب، الثانية لا تغضب، الثالثة لا تغضب. ومثل ذلك أيضًا ما جاء من حديث جارية بن قدامة رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، قل لي قولًا وأقلل، وأقلل، يعني أريد نصيحة ووصية، لكن تكون قليلة، قال: وأقلل لعلي أعية، هو ظن أن النبي سيأتي بكلام طويل، ووصية لها أصول وفروع، لأنه سيتكلم عن أمر عظيم، قال: يا رسول الله، قل لي قولًا ينفعني وأقلل لعلي أعية، فقال عليه الصلاة والسلام: لا تغضب، انتهى، هذا الذي أعطاه إياه نبي، فأعاد مرارًا، والرجل يريد المزيد، يعني هو يطلب الآن في مقام الاستزادة من رسول الله، فأعاد مرارًا، والنبي يقول: لا تغضب، هذه وصيته. فأنت يا عبد الله، في حين ساعة الغضب، فإن استذكرت هذه الوصية فلم تغضب، فحينها تؤجر على اتباعك لوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام. كذلك من الفضائل يا عبد الله، أن كظم الغضب سبب من أسباب دخول الجنة، فقد جاء من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، دلني على عمل يدخلني الله الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: لا تغضب ولك الجنة، رواه الطبراني، إذن كونك لا تغضب، هذا ليس عبارة عن ضعف، أنت أحيانًا بإمكانك أن تطلق العنان للغضب، قوي بإمكانك أن تلطم، بإمكانك أن تسب، بإمكانك، لكن ترفعت عن هذا لله، فكونك يا عبد الله تكظم غيظك، هذه دلالة على أنك من أهل الجنة. قال عليه الصلاة والسلام: من كظم غيظًا وهو يقدر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخير من أي الحور العين شاء. أولًا في قوله: دعاه الله على رؤوس الخلائق، رؤوس الخلائق أتدري من هم؟ أهل بلدك لا، لا زد أهل البلد بالملايين لا، الأمر أعظم، على رؤوس الخلائق على من يبعثهم الله من لدن آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، الكل يشهد هذا التكريم لمن كف غضبه. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.