الدرس في التعليق على الجواب الكافي 127، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع صراع النفس بين النفس الأمارة بالسوء والنفس المطمئنة، ودور الشيطان في إغواء النفس الأمارة. يبين أهمية الصبر في مقاومة النفس الأمارة والشيطان.
يشرح ابن القيم كيف أن الخواطر تؤثر على القلب، فإذا ملئ القلب بالخواطر السيئة فسد، بينما إذا ملئ بالعلم والحكمة والتقوى صلح. القلب فارغ يمكن ملؤه إما بالخير أو بالشر.
يُنبه إلى أهمية ملء القلب بالعلم النافع والعمل الصالح لتحصينه من الباطل، ويحذر من خطورة ترك القلب فارغًا حيث يمكن للشيطان أن يملأه بالأفكار الضارة.
يبتعد الناس عن ما أراده الله في النفس فيستولي عليهم الشيطان ويعطل قلوبهم، يظنون أن الدخول في أسباب الدنيا باطل وحرام ويجعلون العمل لا يجوز بسبب عدم التوكل على الله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، أزلنا فيما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله في «الخطرات»، وآخر ما أخذنا «خطرات العاقل». ذكر لحمه الله أن خطرات العاقل وفكره لا تتجاوز خمسة أشياء، هي: لله عز وجل الفكرة في آياته المنزلة وتعلقها وفهمها وفهم مراده منها وتدبر هذه الآيات. الثاني: الفكرة في آياته المشهودة والاعتبار بها. الثالث: الفكرة في آلائه وإحسانه وإنعامِه على خلقه بأصناف النعم. الرابع: الفكرة في عيوب النفس وأفاتها. الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهمة كله عليه. فهذه الخمسة أشياء التي ينبغي للمسلم أن يفكر فيها. قال رحمه الله: قد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين: نفسًا أمارة، ونفسًا مطمئنة، وهما متعاديتان، وبينهما النفس اللوامة. فالنفس اللوامة قد تكون مطمئنة، وقد تكون أيضًا أمارة بالسوء، فهي أمارة تلوم نفسها على ما يقع منها، ومطمئنة تلوم نفسها على ما فاتها من الخير. وهنا الإمام ابن القيم رحمه الله كأنه يجعل النفس في صراع: نفس مطمئنة ونفسًا أمارة بالسوء، وبينهما صراع متعاديتان. قال: فكلما خف على هذه ثقل على هذه، أن كلما كان الإنسان أبعد عن الله فهو بسبب النفس الأمارة بالسوء، وكلما قرب إلى الله فهو إلى النفس المطمئنة. قالوا: كلما التذت به هذه تألمت به الأخرى. فليس على النفس الأمارة أشق من العمل لله وإيثار رضاه على هواها، وليس لها أنفع منه؛ لأنه لو تركها على هواها لأفسدته وأهلكته. وكما ذكرنا قول الله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، فهذه النفس الأمارة بالسوء ينهاها عن الهوى ويصدها عن الهوى، وهي هواها وما تتمنى. فإذا صدها عن ذلك فقد فاز. فقال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. قالوا: ليس عليها شيء أضر منه طيب. قالوا: ليس لها أنفع منه. وكذلك ليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله، ليس على النفس المطمئنة أشق من العمل لغير الله، أن يشق عليها وإجابة داعي الهوى، وليس عليها شيء أضر منه؛ يعني إذا أجاب الهوى وأجاب نفسه الأمارة بالسوء فهذا مضرة على النفس المطمئنة تبتعد عن الله وتصير في الهلاك. قال رحمه الله: والملك مع هذه عن يمنة القلب، والشيطان مع تلك عن يسرة القلب. عن الملك من الملائكة يكونون مع النفس المطمئنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا خرج الإنسان أو إذا أصبح الإنسان صارت له لمتان: لمة ملك ولمة شيطان، فإن خرج في طاعة الله فإنه أصابته لمة الملك، وإن خرج في معصية الله أصابته لمة الشيطان» أو كما قال نبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا يقول الإمام ابن القيم: «والملك مع هذه عن يمنة القلب، والشيطان مع تلك عن يسرة القلب، والحرب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن تستوفى أجلها في الدنيا». وهذا الذي يلوم نفسه أما النفس الهالكة التي قد هلكت هلكتها، هذه النفس الأمارة هلكت نفسها، فهذا لا حظ لها من هذا. وإنما هنا يتكلم الإمام ابن القيم على النفس التي تلوم، سواء كانت مطمئنة أو أمارة بالسوء. وأما النفس التي قد همكت في المعاصي والكبائر وغيرها، فهذا لا يخرجها إلا أن يشاء الله، ولا يخرجها من هذه إلا أن يشاء الله. لكن هنا الحرب عند أهل الإيمان، الحرب هنا تكون عند أهل الإيمان. فالنفس المطمئنة على أمين القلب ومعها ملك، والشيطان مع تلك أي مع النفس الأمارة بالسوء يؤزها ويوسوس لها، وكذلك أيضًا يحاول أن يغويها بشتى الوسائل، فهو رفيق لها. قال: «والحرب مستمرة لا تضع أوزارها إلا أن تستوفى أجلها من الدنيا». قال: «والباطل كله يتحيز مع الشيطان والنفس الأمارة، كل الباطل». فالشيطان يلعب دورًا كبيرًا في هذا الباب، فيأز هذه النفس الأمارة بالسوء يأزها حتى يهلكها. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَأْزُهُمْ أَزًّا﴾ أي تدفعهم إلى الباطل وتزين لهم الباطل. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ فصدهم عن السبيل. فلهذا فالشيطان مع هذه النفس حتى يهلكها هلاكًا عظيمًا، ممكن أنه يرديها إلى الكفر بالله والعياذ بالله. قال: «والحق كله يتحيز مع الملك ومع النفس المطمئنة، والحرب دول وسجال». أي: مرة لك ومرة عليك، أن مرة تكون منتصرًا ومرة تكون منهزمًا. فالحرب هنا دول وسجال، مرة تفوز فيها النفس المطمئنة ومرة تخسر، وهكذا النفس الأمارة بالسوء. قال: «والنصر مع الصبر»، هذا ركن من أركان النصر، وهو الصبر. فإن الفرج مع الصبر، والصبر هو من أعظم الأمور التي يتقوى بها العبد على النفس الأمارة بالسوء. فعندنا ليس هناك مثل الصبر واليقين أو الإيمان الذي يحجم هذه النفس، يصبر على هذه الملذات التي تشتهيها النفس، لا يصبر ولا كذا ولا يتبع هذه النفس ولا أيضًا يمشي في هواها، بل يلازم الصبر. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾. فربنا جل وعلا بيّن أنهم بالصبر صاروا أئمة للهدى، ليس فقط هداة لكن أئمة للهدى مع اليقين الذي في قلوبهم، فهم صبروا لأجل هذا اليقين وهذا الوعد، فصبروا وحجموا النفس عن هواها. قالوا: «من صبر وصابر، صبر هنا المراد به تصبر، صبر أي ألزم نفسه بالصبر ورابط على الحق لا يتزعزع». «واتق الله فله العاقبة في الدنيا والآخرة، وقد حكم الله تعالى حكمًا لا يبدل أبدًا: ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى﴾». هذا في كل الصراع، فالعاقبة في أهل التقوى والعاقبة للمتقين. قالوا: «العاقبة للمتقين». فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه. فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحة ما بين كذب وغرور وخدع وأمان باطلة وسراب لا حقيقة؟ فأي حكمة وعلم وهدى ينقش مع هذه النقوش؟ أن إذا كانت نقوش وهي الخواطر التي تقع في القلب والقلب فارغ، تقع فيه هذه الخواطر من الكذب والغرور والخداع والأماني الباطلة، أين سيكون الحكم والعلم والهدى؟ لا شك أنه إذا حلت مثل هذه الأشياء في القلب ذهب العلم وذهب العمل وذهبت كذلك ذهب الخير والحق؛ لأنه ما سيكون في قلب مثل هذا قد ملأه صاحبه بمثل هذه الأشياء. لكن لو حصل منه شيء من هذا وقلبه ليس ممتلئًا بهذه الأشياء، فقد يأتيه الحق أيضًا كذلك ويقع فيه. قال: «فأي حكمة وعلم وهدى ينقش مع هذه النقوش؟». وإذا أراد أن ينقش ذلك النقش على الكتابة -الكتابة بالحفر- أنا كأنه شيء يحفر فيه، فإذا كان هذا الإنسان حفر في قلبه هذه الكذب وغيره، فإنه يصاب بالران فيغطي على قلبه، فتبقى هذه النقوش في قلبه كأنها نكتة سوداء، أن نكتة سوداء فوق نكتة سوداء حتى يكون قلبه أسود مربادًا كالكوز مجخيًا -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- «لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أتبع هواه». أن صار أسيرًا لنفسه، صار أسيرًا لهواه، فكل شيء أرادته نفسه فعله، وكل شيء لم ترده نفسه لم يفعله، صار أسيرًا لها، فغلبته نفسه وفازت عليه هي والشيطان، وابتعدت عنه النفس المطمئنة. قال: «وإذا أراد أن ينقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع». وهذه الأشياء التي يذكرها ابن القيم ليست خيالًا، وإنما أراد أن يمثل صورة هي واقع أصلا هي واقع، لكن أراد أن يمثلها على سبيل مثل هذه الحكايات، وإلا فهي واقع. وهذا موجود في الأحاديث، هذا موجود في الأحاديث عن النبي عليه الصلاة يذكر يذكر واقع في شيء على طريقة شيء من الذي تتخيله النفس مثل هذا الحديث، مثلًا حديث الران. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أذنب العبد ذنبًا نكتت فيه نكتة سوداء، فإن هو تاب وأناب سقل إلى قلبه». لأنها نقش، فإنها تكون مثل النقش فتحتاج إلى صقل، والصقل هو الإخراج بالقوة، وخاصة في مكان يكون صلب تنقش فيه، فهذا يحتاج إلى شيء من الصقل. فهذا شيء يمثله النبي صلى الله عليه وسلم، فهو يمثل أن هذا الشيء ليس واقعًا من ناحية أنه شيء يقع في هكذا، لكن شيء مثال يجعله كالواقع، وهو في الواقع أشياء معنوية تقع من العبد، فيمثلها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا المراد من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله، وهو يمثل هذه الأشياء. عنده قلب فارغ، قلب سليم أو قلب أقصد لم يتلوث بشيء من الأفكار. فإذا بلغ الشاب مثلًا فهنا يأتي بقلب فارغ، فماذا الذي يملأه بعد ذلك؟ إن كان ملأه بالكذب والزور والخداع والغش والنفاق، فإنه سيمتلئ هذا القلب عليه، وكلما زادت هذه الأشياء فإن القلب يفسد ولا يتقبل الحق ولا يتقبل الخير وهكذا. لكن إن ملأه منذ نعومة الأظفار ومنذ شبابه، ملأه بالعلم والخير والحكمة والحق وغيرها من هذه الأمور العظيمة، فإنه لا شك يمتلئ قلبه بمثل هذه الأشياء، فنفسه تكون مطمئنة غالبة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال: شاب نشأ في طاعة الله». فملأ قلبه بالحكمة العظيمة وبالحق والخير. قال: «وإذا أراد أن ينقش قال: وإذا أراد أن ينقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزلة كتابة العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما». فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم تستقر فيه الخواطر النافعة، يصير مزعزع القلب. وإن كان ليس مملوءًا، هناك فراغ فيه، لكن هذا الفراغ إن كان حله مثلًا بشيء من الحق ومن الخير، لكن يكون مزعزعًا بسبب تلك الأشياء التي اختلطت بهذا القلب وانتقشت فيه. قال: «فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ». كما قيل: «أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى، فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا». أن هذا الهوى الذي جاء وجد قلبًا فارغًا، لكن لو ملئ هذا القلب بالحكمة والإيمان والتقوى والعلم، لما وجده هذا الهوى فارغًا. فلهذا الإنسان الآن لما لا يشغل نفسه بطاعة الله عز وجل؟ تشغله نفسه بالمعاصي، تشغله نفسه بالتضييع، تشغله نفسه بما لا ينتفع به لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل غالبًا يضره. وهذا كله بسبب أنه لم يشغل نفسه بالخير، لم يملأ هذه النفس بالحكمة والإيمان والخير والعلم. فإذا مليت هذه النفس بهذه الأشياء لا يتمكن الباطل منها، لا يتمكن الباطل منها. لكن إذا وجد الباطل نفسًا فارغة فإنه يتمكن فيها. «أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى، فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا». قالوا: لهذا بنى كثير من أرباب السلوك سلوكهم على حفظ الخواطر، ولا يمكنون خاطرًا يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها. وهذا معناه أنهم يحافظون على قلوبهم أن يدخلها الباطل، حتى أن بعض السلف كان إذا سمع غناء وضع شيئًا على أذنيه حتى لا يسمع هذا الباطل؛ لأنه ملأ قلبه بالخير، ملأ قلبه بالعلم، قلبه مملوء بالعمل الصالح، وأيضًا ما يكون فيه الخير. فإذا سمع الباطل مأز منه وابتعد عنه. ابن عمر رضي الله عنه كان في سفر، فمر عليه مراعي ومعه شبابة -شبابة مزمار- فكان يزمر هذا المزمار، فوضع ابن عمر سبابتيه حتى مر هذا الراعي، حتى مر هذا الراعي، فقال: يسمع شيئًا؟ قال: لا. وهذا كل حفاظ على القلب. الإمام سفيان الثوري رحمه الله وعبد الله بن المبارك كان إذا خرج إلى السوق وضع على مسامعه قطنًا حتى لا يسمع شيئًا باطلًا فيعلق في قلبه، مع أنه رجل من أهل الإيمان وأهل الحق وأهل العلم، لكن حفاظًا على قلبه أن يدخله الباطل. وهذه نفس عزيزة عظيمة حافظوا على أنفسهم، فطاوعتهم أنفسهم. لكن لما الإنسان يسيب نفسه يسمع أي شيء، يسمع الغناء، يسمع الحراب ويسمع المقاطع التي فيها الموسيقى ولا يبالي، فهذا يؤثر عليه، وإن لم يؤثر عليه في نفس الوقت سيؤثر عليه بعد ذلك، سيتساهل بعد ذلك. ولهذا تجد التساهل يدب في الناس وفي طلبة العلم بسبب هذا الإدخال، يدخلون على أنفسهم أشياء، فثم يأتيهم التساهل بعد ذلك في أمور كثيرة، حتى أحيانًا يأتي إدخال الحراب ولا يبالي. وقد كان مثلًا في وقت ما كان يبتعد عن هذا ولا يحب أن يسمعه، لكن لما تساهل فإنه جاء إلى مسامعه وأدخله قلبه ونفسه، فتساهلت هذه النفس ووجدت فراغًا لهذا الشيء. لكن كان السلف يحرصون على أنهم لا يجدون للباطل فراغًا في النفس، لا يجدون للباطل لا في الوقت ولا أيضًا كذلك في العمل، لا يرون الباطل ولا يسمعون الباطل. فبهذا يحفظون يحافظون على أنفسهم. ولهذا من قرى تراجم السلف يقول: هؤلاء هل هم ملائكة؟ هل هم ليسوا من البشر؟ أن الإنسان لما يقيس نفسه على أولئك أن يرى بونًا شاسعًا. لكن الحقيقة أنهم بشر، وكذلك هم من بني آدم، وهم مثلنا أيضًا، لكن ربوا أنفسهم على الخير، لم يدخلوا الباطل في أنفسهم، فتربت النفس على الحق وعلى العلم وعلى الخير الذي يسمعه دائمًا، فيحفظ نفسه من الباطل، ولا يفرغ لها شيئًا مما يدخل الباطل فيها. فهذا فهذا الصراع الذي بين النفس المطمئنة والنفس الأمارة بالسوء صراع عظيم. قال: «وأن لا يمكنون خاطرًا يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها». وهؤلاء حفظوا شيئًا وغابت عنهم أشياء، فإنهم خلوا القلوب من أن يطرقها خاطر، فبقيت فارغة لا شيء فيها. وهذا أيضًا طريقة خاطئة ليست طريقة السلف، وهي أن الإنسان يفضي قلبه من العلم النافع، ثم أيضًا يفضي نفسه من الخواطر الأخرى. فالعابد نفسه خالية من العلم والخير، وكذلك أراد أن يخلي نفسه من الجانب الآخر، هذا صحيح وهو الباطل، يخلي نفسه من الباطل، لكن لم يعمر نفسه بالحق، لم يملأها بالحق. فلهذا تجد مع السنوات وكذا سترجع إلى الباطل أو قد ترجع إلى الحق. ولهذا تجد هؤلاء وهم أهل التصوف وغيرهم، تجد أنهم يهتمون بأشياء وهناك أشياء عظيمة يتركونها، بل أحيانًا التعلق بالله عز وجل يكون بعيدًا منهم. قال: «فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادفها الشيطان خالية فبذر فيها الباطل في قوالب أوهمهم أنها أعلى الأشياء وشرفها». وعوضهم بها عن الخواطر التي هي مادة العلم والهدى. «وإذا خل القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليًا فشغله بما يناسب حال صاحبه». أن يناسب حال صاحبه، إما غلول حب، يشغله بالغلول، ما يأتيه بشيء من الباطل؛ لأن هذا النفس حافظ على نفسه أنه يبتعد من الباطل من الأشياء المحرمة، ولا يسمع أي شيء محرم، لكن لم يملأ هذا القلب بالعلم الخير. فلهذا يأتي الشيطان ويجد نفسه خاليًا فيشغله بالغلول. ولهذا هناك أناس تجدهم يغلون في بعض الصالحين، قلبه متعلق برجل، فيجعله الشيطان يتعلق به أكثر ويغلو فيه. وهكذا بعضهم، هؤلاء الصوفية مثلًا القدامى، أشغلهم الشيطان بالغلو في النفس حتى صار وساوس عندهم طوال، وعوضهم بها عن الخواطر التي هي مادة العلم والهدى. «وإذا خل القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خاليًا فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية، فكيف بالعلوية؟ فشغله بإرادة التجريد والفراغ من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح له إلا بأن تكون هي المستولية على قلبه». معناها هي فارغة من هذه الأمور، وفارغة من العلم الذي يصلح هذه النفس، فكيف ستصلح هذه النفس إذا كان ما يصلحها ليس فيها؟ قال: «وهي إرادة مراد الله الدين الأمر الذي يحبه ويرضاه، وشغل القلب اهتمامه بمعرفته على التفصيل». أن هذا الحق يشغل نفسه بما أمره الله عز وجل والقيام به وتنفيذه في الخلق، والتطرق إلى ذلك والتوصل إليه بالدخول في الخلق لتنفيذه، فيضلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطيله من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها. أن هذه التي أرادها الله عز وجل في النفس، وأمر الله عز وجل لعباده، تجدهم يبتعدون عنها، فيستولي عليهم الشيطان ويجعلهم ويعطل قلوبهم حتى يعطلها من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها، يعني يقطع عليهم الأسباب، يظنون أن الدخول في أسباب الدنيا باطل وحرام، حتى أن بعضهم يجعل العمل لا يجوز عند بعض المتصوفة القدامى، العمل عندهم لا يجوز، فيجعلونه من عدم التوكل على الله. وهذا من تأويل الشيطان لهم.