التعليق على الجواب الكافي 131

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 131، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

خطر اللسان والكلام على الإنسان

يُبين خطورة اللسان حيث يمكن أن يكون سببًا في رفع أو خفض مكانة الإنسان عند الله. اللسان سلاح ذو حدين يمكن استخدامه في الخير أو الشر.

تحذير من السكوت عن الحق وآفاته

يُحذر من السكوت عن الحق حيث يعتبر ساكت عن الحق شيطانًا أخرس. السكوت قد يكون إثمًا أكبر من الكلام في بعض الأحيان.

آفة الكلام والسكوت وخطرهما على الإنسان

يُوضح أن كلًا من الكلام والسكوت له مخاطره، حيث يمكن أن يؤدي الكلام إلى الشرك أو الباطل، والسكوت عن الحق إلى ترويج الباطل. يُشدد على أهمية استخدام اللسان في الخير.

عواقب كتمان الحق وخطورته

يُبين أن كتمان الحق له عواقب وخيمة، حيث لعن الله من كتم الحق ولم يبينه للناس، مما يؤدي إلى ضلالهم.

  • 13 جمادى الآخرة 1443هـ - 16/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كلامه على اللفظات، وهو جمع لفظة، وأبان خطر اللسان، وخطر هذه الألفاظ التي تخرج باللسان، وأن خطرها عظيم على الإنسان؛ لأن هذه الألفاظ قد تخرج العبد من دين الله جل وعلا، وكما أنه بالمقابل أيضا هذه اللسان قد ترفع العبد إلى الدرجات العلا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا فيرفعه الله عز وجل بها درجات، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا فيهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب». فلهذا فاللسان سلاح، كما يقولون، ذو حدين، يستعمل في الخير ويستعمل في الشر. واللسان كما قال العلماء، أو الكلام والألفاظ، أسيرة عند الإنسان، فإذا خرجت صار الإنسان أسيرا لها؛ الكلام قبل أن يخرج فالإنسان هو مالكه ومقيده وحابسه، فإذا خرج فلا يستطيع بعد ذلك أن يملك شيئا منه، بل قد يكون المتكلم به أسيرا له. وبين هذا المعنى القيم رحمه الله، وذكر أيضا قول بعض السلف: «كل ابن آدم عليه لا له، إلا ما كان من ذكر الله وما والاه». ثم قال رحمه الله في آخر مبحثه في اللفظات: قالوا في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام، وآفة السكوت؛ الكلام له آفة، وكذلك السكوت له آفة. لكن لا شك ولا ريب أن آفة الكلام أعظم؛ لأن آفة الكلام ممكن أنها ترد العبد إلى الشرك، أو تؤديه إلى الشرك بالله جل وعلا، تؤدي العبد إلى الكفر بالله. وأما الصمت فآفته قد تكون أقل من آفة الكلام، وإلا ففي العادة أن الصمت والسكوت هو أنجى من الكلام؛ أنجى من الكلام، وليس أعظم؛ لأن المتكلم يتكلم بخير، يتكلم بكتاب الله جل وعلا، وهذا أعظم الكلام، يتكلم بالأذكار. لكن يقال: إن الصمت أنجى من الكلام، ولهذا في الحديث: «من صمت نجى». لكن أحيانا السكوت له آفات؛ السكوت كذلك له آفات كما سيذكر بعض هذه الآفات الإمام ابن القيم رحمه الله في كلامه. قالوا: قد تكون كل منهما أعظم إثما من الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان أخرس، يسكت عن الحق، لا ينكر المنكر، ولا يبين للناس الحق، بل يسكت. فقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾. فكان إثمهم أعظم في هذا المقام؛ أنه سكت عن الحق ما بينه. قالوا: ساكت عن الحق شيطان أخرس، عاص لله، مراء مداهن. أحيانا السكوت معناه يكون رياء للناس، أن يفعله لعله أن يقال: إنه كذا وكذا، وأنه رجل زاهد، وأنه لا يتكلم. لكن أحيانا يكون مداهنة، مراء مداهن، يداهن في الحق، لا يتكلم وهو يعلم أنه باطل. قال: إذا لم يخف على نفسه. وهذا تقييد عظيم للإمام ابن القيم رحمه الله؛ أنه ليس كل أحد سكت عن منكر أو لم يبين الحق أنه يعتبر مراء أو مداهن أو عاص لله أو شيطان أخرس؛ لا، بل هناك مصالح ومفاسد؛ فإن كان هناك مفسدة أعظم في إنكار المنكر، فالواجب عدم الإنكار. وقد بين الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «إعلام الموقعين» بعض هذه العوارض التي ينبغي للمسلم أن يعرفها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: والمتكلم بالباطل شيطان ناطق، عاص لله. وأكثر الخلق منهم في كلامه وسكوته؛ فهم بين هذين النوعين؛ إما أن يتكلم بالباطل، أو يسكت عن الحق. وإذا نظرت إلى أيهما أكثر، لرأيت أن كليهما أكثر من غيره؛ فالساكتون عن الحق كثيرون جدا، وكذلك أيضا المتكلمون بالباطل أكثر وكثير. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. فلهذا فالمتكلم بالباطل لا شك أنه غالبا يكون ممن يسكت عن الحق؛ يسكت عن تبيين الحق، وكذلك بيان الباطل. فلهذا فقد يكون الساكتون أكثر من المتكلمين؛ أي الساكتون عن الحق أكثر من الناطقين بالباطل، وقد يكون العكس. المهم أنهم أكثر الخلق، كما قال الإمام ابن القيم، إلا من رحم الله سبحانه وتعالى من أهل الصراط المستقيم، كما سيبين. قال: وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته؛ فهم بين هذين النوعين. وأهل الوسط، وهم أهل الصراط المستقيم، كفوا ألسنتهم عن الباطل، وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة؛ فلا يرى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلا عن أنه تضره في آخرته. وهذا كان السلف رحمه الله يحاسبون أنفسهم على الكلمة؛ فلا يخرجون كلمة إلا ولها منفعة. قال رحمه الله: ولهذا تجد في كلام السلف أنه مثلا تكلم بكلمة يقول: لم أتكلم بكلمة تضرني أكثر من هذه. أو مثل هذا الكلام؛ أنه لم يكن يعرف ما يضر. أحيانا يتكلم بكلمة تضر من حيث لا يشعر، فيأتيه الضرر بعد ذلك. وهذا إن كان الإنسان غير متعمد في شيء يصله الباطل إليه، أو يصل الباطل إلى إخوانه أو كذا، فهذا لا شيء عليه إذا لم يتعمد. الله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: وإن العبد لا يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله عز وجل وما اتصل به؛ فالحسنات يذهبن السيئات، لكن أيضا بعض السيئات تذهب الحسنات. ودليل على ذلك حديث المفلس؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أن المفلس يأتي يوم القيامة حتى تأخذ من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئات غيره فطرحت عليه في سيئاته، ثم ألقي في النار». والعياذ بالله. فهذا ما ذكره الإمام ابن القيم من الآفتين العظيمتين، وهي آفة الكلام وآفة السكوت؛ آفة الكلام قد تؤدي إلى الشرك بالله، وآفة السكوت قد أيضا تؤدي إلى عدم تبيين الحق، وأيضا قد يؤدي إلى أن يجعل الباطل حقا، وهذا لا يجب. والله عز وجل لعن من كتم الحق ولم يبينه للناس، وجعل الناس يصيبهم الضلال بسبب عدم تبيين الحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا.