التعليق على الجواب الكافي 129

الدرس في التعليق على الجواب الكافي 129، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية حفظ اللسان وعلاقته بالإيمان

يؤكد على أهمية حفظ اللسان وعلاقته بالإيمان، حيث يدل على ما في القلب. استقامة اللسان شرط لاستقامة الإيمان.

خطورة اللسان وأهمية التحكم فيه وتأثيره على الآخرة

يُبين خطورة اللسان وأهمية التحكم فيه لتجنب الوقوع في النار، ويُشدد على ضرورة الانضباط في الكلام خاصةً للعلماء والحكام.

تحذير من الكلام في أمور الدين دون تبصر وآفات اللسان

يُنبه إلى خطورة إطلاق الأحكام على الناس وتأليف الكلام دون تبصر، ويُشدّد على أهمية الحذر من آفات اللسان وعواقبها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام المقيم رحمه الله تعالى: فصل اللفظة. قال: وأما اللفظات -أي ما يتلفظ به الإنسان- لفظات جمع لفظة. قال: وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بل لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه. «على لفظة ضائعة» أي لم يستفد منها، فلهذا لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والزيادة في دينه. فإن أراد أن يتكلم بكلمة، النظر هل فيها ربح وفائدة أم لا؟ فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها. ﴿وكان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت﴾، هذه متفق عليها عن نبي هريرة، كان من طرق عن نبي هريرة كما سيأتي. فلهذا من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ينظر إلى كلامه، من أراد الله والدار الآخرة حاسب ألفاظه، فلا يتكلم إلا ولا يخرج شيئا من لسانه إلا وهو يعرف أن هذه الكلمة تفيده ولا تضره، أي يستفيد منها في الأجر والزيادة في دينه. وهذا قد يكون أمرا صعبا، لكن من عود لسانه ودربها على هذا فإنه يحرز كثيرا مما يكون فيه العجر، وكذلك يبتعد عن كثير من الكلمات التي قد تضره في دينه ودنياه. قال رحمه الله: وإن كان فيها ربح، النظر هل تفوته بها كلمة هي أربح منها؟ وهذا أعظم، أنه إذا كانت هذه الكلمة فيها ربح، لكن هناك كلمات أفضل منها وربحها أعظم. مثل، مثلا أحيانا لسان إذا كلم أخاه سيرد عليه بجواب هو فيه أجر له؛ لأنه من اللين ومن كلام الطيب، لكن يجد أن هناك أيضا كلمات أفضل، فيها دعاء لأخيه، فيها دعاء لأخيه: «رحمك الله، حفظك الله»، فهذا أعظم، ستكون وأوقع في القلب. قال: فلا يضيعها بهذه، يغتنم ما كان فيها أجرا أكثر. قال: وإذا أردت أن تستدل على ما في القلوب، فاستدل عليها بحركة اللسان؛ فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أبى. قال يحيى بن معاد: «القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتها مغارفها». أنا قلب الإنسان يتضح بلسانه، اللسان تدل على القلب، أنا يجد هذا القلب ويعرف القلب إن كان خبيثا بسقطات لسانه. وهذا الأثر ذكره ابن عيم أن يحيى بن معاد رحمه الله: «القلوب كالقدور تغلي بما فيها»، أنا مثل القدر يغلي، لكن أيش الذي يخرج هذا الذي في القلب؟ هي اللسان. «وألسنتها مغارفها»، قال: فانظر إلى الرجل حين يتكلم، فإن لسانه يغترف لك به مما في قلبه: حلو وحامض وعذب وأجاج وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه. اغتراف لسانه، أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام، فتدرك العلم بحقيقته. لا يمكن مثلا أن يكون لسان يتكلم بكلمات خبيثة، كلمات فيها سب وشتم، وهو يدعي أن قلبه صالح، قلبه ونية حسنة، هذا بعيد. وأيضا لا يمكن أن يكون الرجل يختار الألفاظ الجميلة، الألفاظ التي فيها جذب القلوب وغيرها، إلا وغالبا قلبه قلب طيب. فلهذا فاللسان يغرف وي دل على ما في القلب. قال: أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام، فتدرك العلم بحقيقته: هل هو حامض أو حلو أو غيرها من الأذواق؟ قال: كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، فتدوق ما في قلبه من لسانه، كما تدوق ما في القدر بلسانك. قال: في حديث أنس المرفوع: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه». وهذا وإن كان معناه صحيح، لكنه لا يصح من ناحية حديثية، قد خرج أحمد وغيره، وفيه رجل ضعيف، اسمه علي بن مسعد، فالحديث لا يصح. قال: وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج». قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهذا الحديث حديث صحيح، وفيه خلاف يسير، لكن الصحيح أنه ليس فيه علة، بل هو صحيح، جاء من طريق أبي سلمة عن نبي هريرة. وسئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق». وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الفم والفرج». لهذا في حديث سهل بن سعد في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة». ما بين لحييه أي لسانه، وما بين رجليه أي فرجه. قال: أضمن له الجنة. وهذا يدلك على أن أعظم الشر يكون من اللسان. قال: وقد سأل معاذ النبي عليه الصلاة والسلام عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده عن النار؟ فأعرض عنه النبي عليه الصلاة والسلام برأسه وعموده وذروة سنامه، ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قال: بلى يا رسول الله. قال: فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: «كف عليك هذا». فقال: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم؟» أي ما حصدته هذه الألسن وتكلمت به. وهذا الحديث حديث معاذ جاء من طرق، وأكثرها ضعيفة. ولعل أحسن طريق فيه ما رواه عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل. وهذا إسناد فيه ضعف، شهر ضعيف، لكن رواية عبد الحميد بن بهرام عنه، وعبد الحميد يروي أو من أفضل من روى عن شهر، وهو يتثبت في حديث شهر. لكن هو إسناده ضعيف، شهر ضعيف، لكن يترقى هذا الضعف برواية عبد الحميد بن بهرام عنه. وأيضا كذلك أن الحديث قد جاء من طرق، قد جاء من طرق، فلهذا فهو في الشواهد. «وهل يكب الناس في النار على وجوههم» -وقال: على مناخرهم- «إلا حصائد ألسنتهم»، هي التي تكبهم في النار. أن الرجل لا يتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، فتهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. قالوا: من العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنى والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه. وهذا شيء عظيم، أنا يقول لإمام القيم، وهو أيضا كلام لأئمة، في شيخ الإسلام، بل هو كلام أيضا السلف: على أن الرجل قد يتحرز من هذه الأمور، حتى في أكل الحلال -معنى أقصد- يتحرز من أكل الحرام، ويتحرز من الظلم، وعنده ورع، لكن تجد أنه بلسانه لا يتورع، حركة اللسان إذا أطلق لها العنان، تجد أنه يفري في أعراض الناس. قال: حتى يرى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب. ولهذا كان الإمام أبو الفتح القشيري، ابن دقيق العيد، كان يقول: وقف على النار -أو على شفا النار- طائفتان: وقف على شفا النار طائفتان: الحكام والعلماء. أنا يريد الحكام في حكمهم، فهو على جرف جهنم إن لم يعدل. كذلك العلماء في كلامهم على الناس، فإنهم إن لم يعدلوا فإنهم يهوون في النار، فهما على شفا النار. قال: فالعالم ممكن أنه لا يظلم، لا يظلم، يتورع عن الحرام في أشياء كثيرة، لكن قد لا يستطيع أن يمسك لسانه. ولهذا رأى عمر رضي الله عنه الصديق وهو ماسك بلسانه، ماسك بلسانه، فقال: مه، رحمك الله. وقال الصديق رضي الله عنه: «ذلك الفقيه، هذا الذي أوردني الموارد»، هذا الذي أوردني الموارد. فلهذا كان السلف رحمه الله يعاتبون أنفسهم على الكلام، حتى علماء الحديث، مع أنهم أجمعوا على الجرح والتعديل، لكن كان بعضهم العلم يتورع حتى في كلامه. هذا الإمام البخاري رحمه الله يقول في الرجل: «فيه نظر»، وهذا جرح شديد عند الإمام البخاري. أو يقول: «تكلموا عليه»، «تكلموا فيه»، معنى: هناك من تكلم في هذا، وهي من الجرح الشديد عند الإمام البخاري، فاحتاجوا إلى التورع حتى في الكلمات، مع أنه جائز أنه يجرح؛ لأنه يستحق الجرح، لكن جاءوا بكلمات فيها شيء من اللطف. لكن أحيانا يحتاج الإنسان إلى شدة في الألفاظ، فهذا ابن المبارك رحمه الله كان من أشد الناس زهدا وورعا، لكن أحيانا يطلق كلمات قوية على بعض الرواة؛ لأنهم يحتاجون إلى ذلك. كان يقول لبعض أصحابه: «لا تروا عن عمر بن ثابت؛ فإنه يسب السلف»، لا تروا عن عمر بن ثابت؛ فإنه يسب السلف، أي سب الصحابة والتابعين، فحذر الناس أن يرووا عنه. وكان أيضا كذلك بعض الناس يغتر بهم لزهدهم وورعهم، فيحتاجون إلى أن يحذر منهم بكلام شديد. لهذا قال الإمام المبارك رحمه الله في عبد الله بن محرر: «كنت لو قيل لي أني سأموت أو ألقى عبد الله بن محرر، لا اخترت أن ألقى عبد الله بن محرر». قال: فلما لقيته، كانت البعرة خيرا منه، معنى: لو رأيت بعرة أفضل مما رأيته؛ لأنه كان يخلط كثيرا في الحديث، بل حتى اتهم بالكذب. وهذه العبارات أحيانا نطلقها العلماء لأجل الدين، وليس من هذا الباب، لكن يريدون من يتكلم في الناس بغير حق، يطلق لسانه في الناس بغير حق. ولهذا قال: وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي بما يقول. قالوا: إذا أردت أن تعرف ذلك، فانظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال رجل: «والله لا يغفر الله لفلان». وقال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له، وأحبطت عملك». هذا الحديث صحيح، مسلم. وجاء في حديث سنن أبي داود، من حديث أبي هريرة: أن الرجل كان طائعا لله، ومعه أخ منحرف عاص، فكان يلقاه على معصيته فيقول: «يا فلان، اتق الله». فيقول: «خلني وربي». فيقول: «هذا العاصي خلني وربي». فذات يوم رآه على معصية الله، فقال: «والله لا يغفر الله لك». فقال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: قال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له، وأحبطت عمله». فقال أبو هريرة رضي الله عنه: «تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته». هذا من هذا الباب: رجل متورع، ورجل كذلك يعرف الحلال والحرام، يعرف الدين والعلم، فبعد ذلك يأتي بكلمات مثل هذه الكلمات، فيقول: «والله لا يغفر الله لفلان». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قال الله عز وجل: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟»، من ذا الذي يتألى علي أني لا أغفر لفلان؟ معنى: يتألى علي، أي يتعالى على الله عز وجل، وكأنه يتصرف في أمره، فلان الله عز وجل سيغفر له، وفلان لا يغفر له، وكأنه موكل من عند الله. قالوا: في الصحيحين، من حديث أبي هريرة، عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن العبد لا يتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا، يرفعه الله بها درجات. وإن العبد لا يتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يلقي لها بالا، يهوي بها في نار جهنم». فهذا الحديث قد جاء عن أبي هريرة من عدة طرق، رواه الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة، رواه أيضا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة وغيره. قالوا: عند مسلم: «أن العبد لا يتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يهوي بها في النار أبعد ما بين المغرب والمشرق». وهذه ليست رواية مسلم، بل أيضا البخاري أخرجها كذلك. قالوا: عند الترمذي، عن النبي عليه الصلاة والسلام، من حديث بلال بن الحارث المزني، قال: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه». فكان علقمة -أي ابن وقاص الليثي- يقول: «كم من كلام قد منعني حديث بلال بن الحارث». وهذا الحديث من ناحية الإسناد لا يصح؛ لأن هذا الحديث رواه محمد بن عمر بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص الليثي، عن بلال بن الحارث. وعمر بن علقمة مجهول، والد محمد بن عمر، لكن الحديث في الشواهد، ولهذا صححه الشيخ الألباني على أنه في الشواهد. قال: في جامع الترمذي أيضا، من حديث أنس، قال: توفي رجل من الصحابة، فقال رجل: «أبشر بالجنة». فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أو تدري أنا؟ هل تعرف أنه في الجنة؟ لعله تكلم فيما لا يعنيه، أو بخل بما لا ينقصه». وهذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه جاء من طريق حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أنس. والأعمش لم يسمع من أنس، وهو أيضا مدلس. قال: في لفظ: أن غلاما استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه، وقالت: «هنيئا لك الجي». يبني. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «وما يدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره». وهذا أيضا لا يصح، وهو نفس الحديث، جاء من طريق يحيى بن يحيى بن يعلى الأسلمي، وهو ضعيف. فـ«هذه النصوص التي ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله، وسيذكر أيضا نصوصا غيرها في التحرز عن الكلام الذي قد يضره». فالواجب على المسلم أنه يمسك لسانه؛ لأن آفات اللسان كثيرة. آفات اللسان كثيرة: من الكذب والسب، وكذلك الغيبة والنميمة، بل ما هو أشد من ذلك، قد يكون يأتي بكلام فاحش، بل ما هو أشد من ذلك، يأتي بكلام كفر بالله عز وجل، وفيه شرك بالله سبحانه وتعالى. فكل ذلك تخرجه اللسان، فلهذا الواجب على المسلم أن ينتبه للسانه. وإن شاء الله تعالى، باقي الكلام نتركه في الدرس اللاحق.