الدرس في التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير 26، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى في التقريب أن ألفاظ التعديل والجرح رتبها ابن أبي حاتم، مع اتفاق واختلاف بين العلماء على دلالات هذه الألفاظ.
شرح المقطع مراتب التعديل عند الحفاظ مثل ابن حجر والعراقي والذهبي، حيث وضّح معاني عبارات التعديل وكيف تُستخدم في نقد الحديث وتقييم رواته.
يتناول المقطع شرح مراتب ألفاظ الجرح والتعديل عند علماء الحديث، حيث يوضح دلالات الألفاظ المختلفة على صحة الحديث أو ضعفه وتفاوت مدلولاتها بين العلماء.
يُشير المقطع إلى أن العدالة لا تتجزأ، وهذا ما يراه أكثر أهل العلم، على خلاف الضبط الذي يمكن تجزئته، ويُدلل على ذلك من خلال الطعونات والجرح.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في التقريب الثالثة عشرة في ألفاظ الجرح والتعديل، وقد رتبه ابن أبي حاتم فأحسن. ألفاظ التعديل مراتب، منها: ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة، أو عدل، حافظ، أو ضابط. معنى ألفاظ الجرح والتعديل رتبت، فرتبها الحافظ ابن أبي حاتم أول من رتبها، الإمام ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي. وأيضا نقلها ابن الصلاح تبعا لابن أبي حاتم. وأما الذهبي والعراقي فقد جعلاها ستا، والحافظ ابن حجر جعلها ستا، وغير في نظامها. فابن أبي حاتم بدأ بالأعلى، ثم في التعديل بدأ بالأعلى، وفي الجرح بدأ بالألين. أنا جعل في التعديل جعله تنازلي، وفي الجرح جعله تصاعدي. وهذا أيضا الطريقة التي اتخذها الحافظ ابن حجر. فهذه الألفاظ ترتيبها بحسب اجتهاد العلماء، لكن هناك ألفاظ اتفقوا عليها، مثلا: ثقة، ثبت، هذه غالبا متفق عليها. وهناك ألفاظ لم يتفق عليها بينها العلماء، لكن مؤداها واحد. فهناك مثلا في المرتبة الأولى: ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة، وعدل، حافظ، أو ضابط. هناك أيضا مراتب أخرى ذكرها العلماء. معنى ألفاظ مثلا مثل ما يقول: إليه المنتهى في التثبت، قال: أهل إمام أحمد في جماعة من أهل البصرة، أو يقال مثلا: أثبت الناس فلان، أو أوثق الناس، وغيرها من العبارات التي تبين أن العالم أراد أن يثني على هذا العالم بثناء عظيم. مثلا قوله: فلان لا يسأل عنه، فلان يسأل عني، فلان ما ذكر الإمام أحمد، فلان ما ذكر له أبو عبيد القاسم بن سلام. قال القاسم بن سلام: لا يسأل عنه، أنا قد بلغ دروة الثقة. مثل هؤلاء الأئمة الكبار لا يسأل عنهم لأنهم قد بلغوا مبلغا كبيرا في الثقة، بل يسألون. قال: وعن الثانية: صدوق. معنى الحافظ بن حجر زاد في المرتبة الأولى مسألة التكرير: ثقة ثقة، متقن، ثقة ثبت، أو ما كان بصيغة أفعل: أوثق الناس، أثبت الناس، إليه المنتهى، وغيره. قال: الثانية: صدوق، أو محله الصدق، أو لا بأس به. قال ابن أبي حاتم: هو من يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية. وهذه المنزلة بعضها معنى على كلام العراقي والذهبي وابن حجر أنها مرتبة يحسن فيها حديث صاحبها، لكن ابن أبي حاتم قال: وينظر فيه. وهذا لخبرته بهذا العلم، والمراد وينظر فيه لأن عنده مثل هذا لا بد أن يكون عنده أوهام كثيرة. ليست الأوهام التي تجعله يخرج لحيز الضعيف، لكن عنده أوهام، فلهذا لا يستعجل في حديثه، وينظر فيه. فلهذا هذه المرتبة هي أيضا مرتبة من مراتب التعديل، لكن ينظر فيه لأنه كما قلنا يكون عنده وهم فينظر ويتأكد من روايته. وكما قال الحافظ ابن الصلاح: فإن هذه العبارة لا تشعر بالضبط فيعتبر حديثه. قال: وهو كما قال، لأن هذه العبارة لا تشعر بالضبط فيعتبر حديثه على ما تقدم. قال: وعن يحيى بن معين: إذا قلت لا بأس به فهو ثقة، ولا يقاوم قوله عن نفسه. نقل ابن أبي حاتم عن أهل الفن. وقوله: ولا يقاوم قوله عن نفسه، نقل ابن أبي حاتم عن أهل الفن. المهم أن المراد بقول ابن معين: لا بأس به، أو ليس به بأس، فهو ثقة. ليس المراد أن قوله ليس به بأس مثل قوله ثقة. فقوله ثقة أرفع معنى. لا يقول في الرجل ثقة إلا إذا كان أرفع. لكن لو قال: لا بأس به، فهو في منزلة الثقة. معناه يقبل حديثه. قال: الثالث: شيخ، فيكتب وينظر. هذا الشيخ هي تحت النظر. معناه أنه حديث مستقيم، لكن ظهرت في حديثه الأوهام. هو حديث حافظ، لكن ظهرت أوهام في حديثه إما بسبب سوء حفظه، وإما بسبب مثلا روى عن هذا الشخص ولم يتثبت في روايته، وإما أنه يعتمد على كتابه ثم يروي بالحفظ. قال: الرابع: صالح الحديث، يكتب للاعتبار. وهذه التي يطلق عليها الحافظ مقبول. ويريد به الأصل أنه لين، لكن إذا توبع قبل الأصل فيه. أنه صالح الحديث، لكن فيه لين كثير أكثر من الذي قبله. فيكتب للاعتبار، أي للشواهد. قال: وأما ألفاظ الجرح فمراتب. إذا قالوا: لين الحديث، كتب حديثه، وينظر فيه للاعتبار. وبين المرتبة التي قبلها. معنى المراد أن تصريح بأن فيه لين، أي أن الضعف ظاهر في حديثه. قال: وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فدون ليس بقوي. ولا يطرح، بل يعتبر به. إلى متى؟ إلى الضعيف. ما بعد الضعيف لا يعتبر به. وهذا معنى الشواهد والمتابعات بحسب الضوابط التي قد ذكرت في الكلام على الشواهد والمتابعات. قال: وإذا قالوا: متروك الحديث، أو واهيه، أو كذاب، فهو ساقط. لا يكتب حديثه. هذه المرتبة لا يعتبر حديثه. قالوا: من ألفاظ فلان روى عنه الناس، وسط، مقارب الحديث، مضطرب، لا يحتج به، مجهول، ليس بذاك القوي. فيه هنا ليس بذاك القوي، وليس بالقوي. النساء يقول: ليس بالقوي. المراد به أنه لم يبلغ تلك القوة، أو في حديثه ضعف. مسألة ضبط ألفاظ الجرح والتعديل وجعلها في المراتب هذه من الأمور الصعبة. وقد دخل بعضهم في هذا المضمار وألف كتبا في هذا. فمن أحسن هذه الكتب التي ألفت في ألفاظ الجرح والتعديل: الرفع والتكميل للكنوي، وأيضا أبو الحسن المصري له كتاب سماه شفاء العليل في ألفاظ الجرح والتعديل. وهو أوسع من كلام اللكنوي، لكن اللكنوي حاول أن يأتي بعبارات العلماء ويضعها في المراتب. لأن بعضهم عندهم عبارات خاصة، مثل مثلا البخاري عنده سكتوا عنهم، أو فيه نظر، يطلقها على منكر الحديث، وعلى الجرح القوي أيضا. وأيضا كذلك أبو حاتم عنده لفظ شيخ، أحيانا يطلق على المجهول، أحيانا يطلق على من لا بأس به، يقبل حديثه. وهذه الأشياء تحتاج إلى دراسة لكل إمام ما المقصود به. مثلا إمام البخاري يقول مقارب الحديث، ضبطها بعضهم بفتح الراء، وبعضهم بكسرها. فبعض الألفاظ أيضا قد ترى ظاهرها التعديل، لكن يراد بها التجريح. مثل قولهم: فلان بين يدي عدل. بين يدي عدل، أي هالك. لكن ظاهر العبارة كأنه لازال على العدالة. وهذه الآن الطعونات والجرح يدلنا على أن العدالة واحدة لا تتجزى. وهذا قول أكثر أهل العلم على أنها لا تتجزى العدالة، بخلاف الضبط فإنه يتجزأ.