الدرس في كتاب البيوع 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل تعريف اللقطة وأحكامها في الشريعة الإسلامية، حيث يشرح أنواعها وحكم التقاطها والتعريف بها. كما يشمل شروط امتلاكها بعد التعريف مع ذكر استثناءات مثل لقطة الحرم والإبل التي تمتنع من صغار السبع.
هذا الفصل يشرح أحكام اللقيط، وهو الطفل المنبوذ الذي لا يعرف نسبه، ويبين وجوب رعايته ونفقته على بيت المال أو من يعلم بحاله من المسلمين إذا تعذر ذلك. كما يوضح عدم جواز نسب اللقيط إلى الملتقط وحكمه إذا وجد في دار إسلام أو كفر.
الفصل الأخير يشير إلى نتيجة الخلاف في مسألة دينية معينة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيراً إلى أن الخلاف في المسائل الدينية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال علام السعيد رحمه الله: في كتاب منج السالكين، في كتاب البيوع، باب اللقاطة واللقيط. قال: وَأَيْعَ لَا ثَلَاثَةِ أَضْرُبْ، أَحَدُهَا مَا تَقِلُّ قِيمَتُهُ كَالسَّوْتِ وَالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِمَا، فيملك بلا تعريف. والثاني الضوال التي تمتنع من صغار السبع كالإبل، فلا تمتلك بالالتقاط مطلقا. والثالث ما سوى ذلك، فيجوز التقاطه ويملكه إذا عرفه سنة كاملة. وعن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة، فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها. قال: فضالة الإبل، قال: ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها. متفق عليه. والتقاط اللقيط والقيام به فرض كفاية. فإذا تعذر بيت المال، فعلى من علم بحاله. ذكر في هذا الباب أحكام اللقطة واللقيط. اللقطة على وزن فعلة، ولها لغات أخرى، وهي كل مال مختص ضائع عن صاحبه. يشمل الذهب والفضة والدراهم والأوراق النقدية، والبهائم كالغنم ونحو، وغير ذلك مما يعد من الأموال. أولا، ما حكم التقاط اللقطة؟ الصواب في هذا أنه يرجع إلى حال اللاقط لهذه اللقطة. فإن كان يعلم من نفسه أنه سيحفظ هذه اللقطة وعنده أمانة لحفظها وعنده قوة لتعريفها، فيستحب في حقه أن يأخذ اللقطة، لأنه سيتعاون لرد هذه اللقطة إلى صاحبها. والله عز وجل يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وأما إذا علم من نفسه أنه قد يضعف في حفظ هذه اللقطة، وربما تميل نفسه إلى أخذها، ولا يقوى على تعريفها، فالأولى له ألا يأخذها. ويجوز التقاط اللقطة في أي موضع وجدها الإنسان، إلا لقطة الحرم، فإنه لا يجوز أخذها إلا لمن أراد أن يعرفها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا تحل لقطتها إلا لمنشد». فَلَقَطَةُ الحرم لا تمتلك، بخلاف غيرها، فإن صاحبها يملكها بعد سنة من تعريفها. قال: وهي على ثلاثة أضرب. أحدها: ما تقل قيمته كالصوت والرغيف ونحوهما، فيملك بلا تعريف. الشيء الذي ليس له قيمة في أوساط الناس، كالصوت والرغيف ونحوهما، مثل الحبل القصير، والقلم، يعني القليل من المال. وهذا قد يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، يرجع في هذا إلى عرف الناس وحالهم. الشيء الذي يعتبر شيئا قليلا، فمثل هذا يجوز امتلاكه من غير تعريف. والثاني: الضوال التي تمتنع من صغار السبع كالإبل، فلا تمتلك بالالتقاط مطلقا. الضوال يعني البهائم التي ظلت من صغار الشبع، التي تمتنع من صغار الشبع، مثل الكلب والذئب والضبع، كالإبل. الإبل تمتنع من صغار السبع، وتستطيع أن تدافع عن نفسها. ومثلها الخيل والبغل. فمثل هذه لا تلتقط. قال: فلا تمتلك بالالتقاط مطلقا، كما سيأتي معنا في حديث زيد بن خالد، في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لك ولها مع سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها». يعني لا تتعرض لها، ولا تلتقطها، فيتحامى نفسها. إلا أنه يستثنى بعض الحالات التي يجوز التقاط الإبل فيها، وذلك إذا ظلت في مكان يخشى عليها فيه من الهلاك، ويعلم أن هذا المكان مهلك ومضيع، ليس فيه شيء من الماء ولا الكلأ، فلو تركت ستهلك بلا شك. في هذه الحال، لا بأس أن يأخذها ويلتقطها. أو كذلك أيضا إذا ظلت في مكان يغلب عليه اللصوص، ويعلم أن إن تركها ستسرق، فلا بأس أن يأخذها. والثالث: ما سوى ذلك، فيجوز التقاطه ويملكه إذا عرفه سنة كاملة. يعني ما سوى ذلك من الأموال والبهائم، الأشياء التي تتبعها همم الناس، فيجوز التقاطها. وجدت عشرة آلاف أو خمسة آلاف، أو كذلك ألف ريال، يأتي الإنسان يبحث عنها، لها قيمة. فمثل هذه الأموال تعرف، يلتقطها الإنسان ويعرفها. وجدت ذهبا أو نحو ذلك من الأموال، قال: فيجوز التقاطه. وهكذا أيضا إذا وجدت غنما ضائعة، لك أن تلتقطها، لأن الغنم ما تمتنع من صغار السبع. إذا تركت، إما أن يأخذها غيرك، وإما أن يأخذها السبع. هي لك أو لأخيك أو للذئب، فهي معرضة للتلف. فأجاز الشرع أخذها. قال: ويملكه إذا عرفه سنة كاملة. هذه الأموال الثمينة التي تتبعها النفوس، إذا التقطها الإنسان، فلا بد أن يعرفها سنة كاملة. كيف يعرفها؟ قال أهل العلم: يعرفها في المكان الذي وجدها فيه، لأن الغالب أن الإنسان إذا ضاع عليه مال، أول ما سيرجع إلى المكان الذي يغلب على ظنه أنها سقطت فيه. فهو يعرفها في هذا الموضع، في الشهر الأول يوميا، لأنه يغلب على الظن أن صاحبها سيأتي يبحث ويسأل. ثم في الشهر الثاني يقلل، مثلا كل أسبوع مرتين أو ثلاث مرات. ثم الشهر الثالث في الأسبوع مرة، ثم فيما بعد في كل شهر مرة، حتى تنتهي السنة. أو كذلك في مجامع الناس، في الأسواق، في أبواب المساجد، يوم الجمعة، طبعا خارج المسجد، ليس داخل المسجد. وهكذا ممكن يستعان بالوسائل الحديثة، إما بتصريح أوراق، مثلا من ضاع له شيء ثمين، يضع رقمه، أو كذلك عبر وسائل التواصل. فإذا مرت السنة ولم يأت صاحبها، فيمتلكها بذلك، ويتصرف فيها ببيع أو باستعمال. لكن متى ما جاء صاحبها يوما من الأيام، ردها إليه، تعتبر أمانة عنده. متى ما جاء صاحبها يوما من الدهر، وتؤدى إليه. كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، قال: «فهي وديعة عندك». الوديعة عنده، لكن من حيث الجواز، أخذها من جواز في جواز أخذها واستعمالها، لا بأس. لا بأس أن يأخذها ويستعملها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حيث عياض المجاشعي، هي مال الله يؤتيه الله من يشاء». يعني بعد أن ينكر تعريفها، فإن لم يأت صاحبها، فهي مال الله يؤتيه الله من يشاء. والشيء الذي يخشى عليه التلف، قد يجد إنسان شيء من الطعام، ما يبقى، هو سريع التلف. هو مخير، إن شاء أكله وضمن قيمته، أو باعه وحفظ الثمن. فواكه وجد فواكه مثلا، كيس في فواكه، يبلغ قيمته خمسة آلاف مثلا، الفاكهة ما تجلس، ستتلف. فهو إما أن يستعملها ويضمن القيمة لصاحبها، أو إما أن يبيعها ويحفظ الثمن. وهكذا أيضا البهيمة، لو وجد غنمة، فهو إما أن يحفظها عنده ويقوم بإطعامها، ويرجع بالنفق على صاحبها إذا وجدها فيما بعد. أو له أن يستعملها، يذبحها ويأكلها ويضمن قيمتها. أو يبيعها أو يحفظ ثمنها. قال: وعن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن اللقطة، فقال: اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة. اعرف عفاص العفاص، الوعاء الذي توضع فيه، تعرفون كان المال الذهب والفضة يضعونه في أكياس من جلود ونحو ذلك. والوكاء هو الرباط الذي تربط به، يربط به هذا الكيس. والمقصود أن تعرف صفة هذه اللقطة، أن تحفظ صفتها. إذا وجدت مثلا ذهبا، تحفظ هذا الذهب، كم عيار، كم مثلا شكل هذا الذهب ونوعه، تحفظ هذه الصفة. إذا وجدت مالا مثلا نقودا، تحفظ هذه النقود، تعرف كم قيمتها، كم عددها من فئة، كم هي فئة ألف، فئة خمسمائة، فئة مئتين، فئة مئة. وهكذا. ثم تعرفها سنة. لكن في التعريف، لا تذكر: من ضاع عليه ذهب، ما في مشكلة. من ضاع عليه ذهب، لما يأتي أي واحد نصاب يقول: الله هذا حقي، أنه ضاع عليه ذهب عيار 21. لا تقول: من ضاع عليه ذهب. إذا جاء صاحبه واتبع أوصافه، يقول: والله ضعت عليه مئة ألف فئة ألف، أو ضعت عليه خمسين ألف فئة خمسمائة. أو ضعت عليه عشرون ألف فئة مئتين ريال، فأتى بوصفها، هذا أنها له. أما دعني مئتي بوصفها، أتى عندك مئة ألف فئة خمسمائة مثلا، وبعضها فئة مئتين، جاء وقال: أنا ضعت لي مئة ألف فئة ألف ريال، ما عندي هذا المال. ما تقول: والله عندي كذا وكذا، يقول له: أنا نسيت، صح هذا. تقول له: أنا عندي فئة مئتين، يقول: صح، أنا نسيت، أنا فئة مئتين وضعت عليه. لا تقول: هذا المال ما عندي فئة ألف، ما عندي عفوا. فهكذا يعني يكون التعريف بذلك شيء مجمل، من غير التفصيل. التفصيل يكون مع الذي يدعي أنه له. قال: فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها. إذا جاء صاحبها، الحمد لله، هي له. إذا ما جاء، تصرف فيها، لك أن تتصرف فيها باستعمال أو ببيع إلى آخره. قال: فضالة الغنم، قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. يعني معنى أن ضالة الغنم لك أن تأخذها، لأنك إن تركتها أخذها غيرك، وإن لم يأخذها غيرك أخذها السبع وافترسها. فهي مظنة الضياع والتلف والهلاك. فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم أخذها. لكن ما ذكر هنا: وعرفها، هل تعرف ضالة الغنم أو يأخذها الإنسان ويمتلكها من غير تعريف؟ في هذا خلاف. وجمهور أهل العلم أنها تعرف سنة. لكن يجوز له في خلال هذه السنة مثلا أن يستعملها، إما كما قلنا أن يستعملها ويضمن قيمتها. وإما أن يبيعها ويحفظ ثمنها. وإما أن يقوم بالنفق عليها والرجوع بالنفق على صاحبها. قال: فضالة الإبل، قال: ما لك ولها، أي ما لك لا تتعرض لها. معها سقاؤها وحذاؤها، سقاؤها يعني ماءها. الإبل تحفظ الماء في بطنها، ويكفيها أياما، رغم أربعة أيام أو أكثر، تستغني به عن شرب الماء. فسيقاؤها معها، وحذاؤها يعني أقدامها، تحمل السير الطويل والبعيد. قال: معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء أو تأكل الشجر حتى يجدها ربها، يعني صاحبها. فهي لا تضيع، ولا يخاف عليها الهلاك. وهذا كما قلنا: الإبل الكبيرة، أما الصغيرة فهي مظنة للهلاك، لا تتحمل، ولا تحمي نفسها من صغار السبع. هذا ما يتعلق باللقطة. هل يضمن الملتقط هذه اللقطة إذا تلفت؟ إذا تلفت في أثناء التعريف، من غير تعد ولا تفريط، فلا ضمان عليه. إذا تلفت اللقطة في أثناء التعريف، في وقت وزمن التعريف، من غير تعد ولا تفريط منه، فلا يضمن. لأنه أمين، والتلف في يد الأمين كالتلف في يد المالك. وأما إذا تلفت بعد مضي السنة، إذا تلفت بعد مضي السنة، فإنه يكون ضامنا لها مطلقا. لأنه أصبح مالكا لها. يعني إذا تملكها، إذا تملكها ثم بعد مضي السنة، ثم تلفت، هو ضامن لها. لأنه متى ما جاء صاحبها، عليه أن يرد هذه اللقطة أو قيمتها، يرد له قيمتها. فلو تلفت بعد مضي السنة، ضامن مطلقا، سواء بتعد أو تفريط أو من غير تعدي ولا تفريط. قال: والتقاط اللقيط والقيام به فرض كفاية. اللقيط فعيل بمعنى مفعول، فلقيط بمعنى ملقوط. واللقيط هو الطفل الذي يوجد منبوذا، أو ظل عن أهله ولا يعرف نسبه. الطفل الذي يوجد منبوذا، يعني مرمي. الطفل الذي يولد منبوذا، أو ظل عن أهله، ولا يعرف نسبه، هذا يسمى لقيطا. فالتقاط اللقيط، قال: فرض كفاية. يعني يجب على بعض الناس أن يأخذوه. وإذا تركوه جميعا أثموا. لماذا؟ لأنه سيموت، سيموت إذا ترك ولم يأخذه أحد، سيهلك ويموت. والله عز وجل يقول: ﴿مَنْ أَحْيَا نَفْسًا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾. فإذا أخذوه، فرض كفاية، يجب على بعض الناس أخذ هذا اللقيط والقيام بشؤونه وأمره ورعايته. وأخذه يعني من الإحسان والمعروف، والتعاون على البر والتقوى. والله عز وجل يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. فهو من التعاون على حفظ هذا الطفل، وكذلك أحياء نفسه، والقيام برعايته وشؤونه. ويؤجر الإنسان على ذلك، يؤجر على ذلك. في كل ذاتي كبد رطبة أجر. فكيف بإنسان؟ فلذلك أخذ اللقيط، يعني ما يستحب، بل هو من فروض الكفايات، من فروض الكفايات التي إذا قام بها البعض سقط الإثم عن آخرين، وإن تركوا جميعا أثموا. هو أيضا من الرحمة بهذا الطفل، ومن لا يرحم لا يرحم. قال: فإن تعذر بيت المال، فعلى من علم بحاله. نعم، يلتقط. ومن حيث النسب، بالنسبة للملتقط الذي التقطه، سيكون برعايته. لا يجوز لو أن ينسبه إلى نفسه، لا يجوز. ما يقول: هذا فلان ابن فلان، وينسبه إلى نفسه، كأنه ولد من أولاده. هذا لا يجوز. واضح، هذا انتساب إلى غير الأب، وهو لا يجوز. وأيضا سيدخل في ذلك مفاسد، يعني هو الآن إذا نسبه إليه، سيجعله أخا لأبنائه، وأخا لبناته، وهو في الحقيقة أجنبي، هو أجنبي عنهم، ليس بمحرم لهم. وهكذا بقية المحارم، يعني أخوات هذا الرجل، سيصرن عمات له، وهن في الحقيقة أجانب، وغير ذلك من المحارم. فمثل هذا لا يجوز أن ينسبه إليه. ما هو الحل؟ نقول: الحل تسميه باسم، أي حيث تختار له من حيث تسمي له. ثم تنسبه إلى اسم معبد، إلى اسم معبد، مثلا تقول: محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الحميد بن عبد العليم، إلى آخر ذلك من الأسماء المعبدة. لأن هذا ليس فيه كذب، لأن كل إنسان هو عبد لله. فتأتي له باسم وهمي، اسم معبد وهمي، فهذا لا بأس به. وتسلم من الحرج والوقوع في المحظور. أو كذلك يمكن إرضاعه، يمكن إذا كان هو رضيعا، وزوجة الملتقط له هي مرضعة، فترضعه، ويصبح ابن لهم بالرضاع، لا بأس. هذا طيب، يكون ابنا لهم بالرضاع. قال: فإن تعذر بيت المال، يعني أن نفقته على بيت المال. قبل هذا، يعني ذكر أهل العلم أن اللقيط يكون في حكم اللقيط إذا كان دون البلوغ، يكون في حكم اللقيط إذا كان دون البلوغ. أما إذا كان بالغا، هذا ما يعتبر لقيطا. أما إذا كان دون البلوغ، وبعضهم يقول: دون سن التمييز، بل الصواب ولو كان بعد التمييز، إذا لم يعلم أهله، فهو لقيط. أما إذا عرف أهله، إذا قال: أنا فلان ابن فلان، وجاء بذكر نسبه، وعرف النسب، ما يجوز أن يقول الإنسان: هذا لقيط، هو عرف نسبه وعرف أهله. الواجب أن يرده إلى أهله. فنفقة اللقيط على بيت المال، هذا هو الأصل، لحديث ابن أبي جميلة عند مالك في الموطأ، أنه وجد طفلا منبوذا في زمن عمر رضي الله عنه، فجئ به إلى عمر، ومعه العريف الذي يعرفه، فقال له: لماذا التقطته؟ قال: وجدته منبوذا. فقال له: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. قال: كذلك. قال: نعم. قال: هو حر، وَلَكَ وَلَايَتُهُ عَلَيْنَا نَفَقَتُهُ. قال: هو حر، لَكَ وَلَايَتُهُ عَلَيْنَا نَفَقَتُهُ. يعني نفقة اللقيط على بيت المال. فإن تعذر بيت المال، فإن كان هذا اللقيط يستطيع أن ينفق عليه، فعليه برزق الله خيرا، إذا ما يستطيع. فعلى من يستطيع من المسلمين، ممن علم بحال هذا اللقيط. وإن كان معه شيء من المال، أنفق عليه منه، كما ذكرنا، إذا وجد معه ذهب أو نقود أو شيء من ذلك، فينفق عليه من هذا المال. ما حكم اللقيط؟ هل يحكم على اللقيط بالإسلام أو بالكفر؟ بالنسبة للحرية، كما سمعنا: هو حر، لهذا الحديث، هو حر. ولك ولايته، بالنسبة لحكم الإسلام أو الكفر، إن كان في دار إسلام، إن كان وجد في دار إسلام، فهو من أهل الإسلام، هو من أهل الإسلام. هذا قول عامة أهل العلم. طيب إذا وجد في دار كفر، طبعا لماذا هو من أهل الإسلام؟ أن الأصل في كل مولود أنه يولد على الفطرة. وإذا كان الدار دار إسلام، فينسب إلى هذه الدار، ينسب إلى أهل الإسلام، لأنه وجد في دارهم، وجد في أرضهم، وفي دارهم. طيب إذا كان في دار كفر، إذا كان في دار كفر، إنسان وجد لقيطا في دار الكفر، هل يحكم له بالإسلام أو بالكفر؟ في هذا خلاف. فجمهور أهل العلم يقولون: هو يعتبر كافرا، يعتبر كافرا، لأنه وجد في دار الكفر، فيلحق بأهل الدار، يلحق بأهل الدار. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يلحق بالمسلمين، ويكون مسلما. لماذا؟ قال: لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل مولود يولد على الفطرة». كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. والحديث الصحيح، مثل أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن كل مولود، وهذا لفظ عام، يشمل الكافر والمسلم، ولد المسلم، ولد الكافر، الأصل فيه أنه على الفطرة. فهو إذا أخذ في صغره، هو الآن لم تغير فطرته، لم تغير فطرته بعد، إذن هو على الإسلام، الأصل هو على الإسلام. فحينئذ نحكم عليه بأنه مسلم. كذلك أيضا نستدل بالآية في قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾. الأصل في جميع الذرية أنه من أهل الإسلام. فعلى هذا، قال: هو يكون من المسلمين. نعم، هذا أظهر، الله أعلم، أنه يحكم عليه بالإسلام. طيب على هذا، لو مات هذا الصبي، لو مات هذا الصبي، إذا حكمنا عليه أنه من أهل الإسلام، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. وإذا حكمنا عليه أنه من أهل الكفر، فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه. هذه ثمرة الخلاف، أو شيء من ثمرة الخلاف في هذه المسألة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.